
يصعب، من الوهلة الأولى، ألّا تتوقّف العين عند الصورة: طبيب مصري شابّ في الحادية والأربعين، بلحية خفيفة، يقف إلى جانب زوجته المسلمة من أصول هندية، وهي طبيبة نفسية محجّبة، في مشهد يبدو كأنّه يلخّص أميركا الجديدة بكلّ ما تحمله من تنوّع وتحوّلات. وفي الجهة الأخرى من المشهد، يقف دونالد ترامب، الذي أغلق عامه الثمانين، ممثّلاً جيلاً آخرَ من السياسة الأميركية. ليست المسألة مقارنةً بين شخصَين، وإنّما بين صورتَين لأميركا. أميركا الأجيال الجديدة والمهاجرين وأبنائهم، وأميركا السياسية التي تشيخ فيها النُّخب وتتّسع المسافة بينها وبين أجيال تبحث عن لغة جديدة للعدالة والاقتصاد والحرب والسلام. من هنا تأتي أهمية فوز عبد الرحمن السيّد في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ميشيغن.
فالنتيجة لا ينبغي أن تُقرأ مجرّد انتصار لمرشَّح مسلم من أصول مصرية، ولا مجرّد هزيمة لمرشَّحة مدعومة من المؤسّسة الديمقراطية ومن “أيباك”. الأهمّ أنّ السيّد فاز، وإن بفارق ضئيل، في معركة كانت فيها الكفّة المالية والسياسية تميل بقوة إلى منافسته، بعدما أنفقت جماعات مؤيّدة لإسرائيل عشرات الملايين من الدولارات لدعم مرشَّحتهم وإسقاطه. والأكثر دلالةً أنّ هذه الأموال تحوّلت هي نفسها إلى مادّة انتخابية استخدمها السيّد لتقديم نفسه باعتباره مرشَّحاً مستقلّاً عن المال السياسي وجماعات الضغط.
أسهمت الحكومة الإسرائيلية المتطرّفة، من حيث لا تريد، في تحويل الدعم غير المشروط لإسرائيل إلى قضية قابلة للمساءلة السياسية
هنا تكمن إحدى أهمّ إشارات انتخابات ميشيغن، فالمال السياسي لم يعد بالضرورة ضمانةً للفوز، بل يمكن أن يتحوّل إلى عبء على الجهة التي تنفقه. والسؤال لم يعد فقط: من يقف خلف المرشَّح؟ وإنّما أيضاً: لماذا تنفق هذه الجهات هذا المال كلّه لمنعه من الوصول؟ وهذا التحوّل يكشف نفوراً متزايداً داخل قطاعات من القاعدة الديمقراطية من نفوذ الشركات وجماعات الضغط، ويكشف رغبةً في مرشَّحين يقدّمون أنفسهم بوصفهم ممثّلين للناخبين لا للمؤسّسات التي تموّل حملاتهم الانتخابية.
لكنّ فوز السيّد لا يمكن فهمه خارج التحوّل الأوسع الذي يشهده الحزب الديمقراطي والمجتمع الأميركي عامّةً منذ ثلاث سنوات. والفضل في هذا التحوّل يعود، بدرجة ما، إلى حرب الإبادة الجماعية في غزّة التي أسهمت في تسريع موجة سياسية هادئة وعميقة كانت تتشكّل منذ سنوات تجاه النفوذ الإسرائيلي داخل المؤسّسات الأميركية. فإسرائيل لم تعد بالنسبة إلى قطاعات من الناخبين الأميركيين قضيةً خارجيةً بعيدةً من حياتهم، بل أصبحت مرتبطةً بالضرائب والإنفاق العامّ والعدالة الاجتماعية واستقلالية القرار الأميركي، فأصبح الأميركي العادي يطرح الأسئلة التي كانت محرّمةً حتّى وقت قريب، من قبيل: لماذا تدعم أميركا إسرائيل؟ وكم يبلغ هذا الدعم؟ وبأيّ شروط؟ وهل ينبغي أن تذهب أموال دافعي الضرائب إلى دولة تستعمله في حرب تثير هذا الجدل كلّه، بينما يعاني الأميركيون من ارتفاع كلفة السكن والصحّة والغذاء؟
بهذا المعنى، دخلت غزّة البيت الأميركي. أوّلاً، عبر صور الضحايا ومآسي الحرب خصوصاً صور الأطفال والنساء. وثانياً، بسبب الدعم الأميركي العسكري والمالي لإسرائيل، الذي جعل السياسة الخارجية جزءاً من النقاش الداخلي، كما أنّ إسرائيل وحكوماتها اليمينية المتطرّفة أسهمتا، من حيث لا تريدان، في تحويل الدعم غير المشروط لإسرائيل من قضية توافقية إلى قضية قابلة للمساءلة السياسية. وهذا لا يعني أنّ الأميركيين أصبحوا بمجملهم معادين لإسرائيل، ولا أنّ “أيباك” فقدت نفوذها، وإنّما يعني أنّ الحصانة السياسية القديمة بدأت تتآكل، خصوصاً في أوساط الشباب وداخل قاعدة الحزب الديمقراطي.
من هنا تأتي دلالة صعود السيّد إلى جانب زهران ممداني، وقبلهما النائبة الديمقراطية الشابّة ألكسندريا أوكاسيو كورتيز، ومن خلفهم جميعاً يقف عرّاب هذا التيّار التقدّمي بيرني ساندرز، السياسي العجوز، الذي يمهّد الطريق لجيل أصغر وأكثر جرأة وشجاعة. نحن أمام تيّار يساري جديد داخل الحزب الديمقراطي يجد في الغضب من نفوذ المال والشركات، وفي رفض الحرب في غزّة وعلى إيران، وفي أزمة القدرة الشرائية، وفي المطالبة بالرعاية الصحّية والعدالة الاجتماعية… يجد في ذلك كلّه أرضيةً انتخابيةً متناميةً.
وفي مفارقة، أسهم ترامب نفسه في دفع جزء من أميركا نحو هذا الاتجاه، فالأميركي الذي صدّق وعود “أميركا أولاً” يريد أن يرى نتائجَ ملموسةً في حياته اليومية، وعندما ترتفع كلفة الغذاء والسكن والصحّة، وتتزامن الضغوط الداخلية مع الحروب والتوتّرات الخارجية، يصبح السؤال مشروعاً: لماذا تنفق الدولة مليارات الدولارات في الخارج بينما يعجز المواطن عن تحمّل أعباء حياته في الداخل؟ هكذا تلتقي السياسة الخارجية بالاقتصاد، وتصبح الحرب مرتبطةً بالضرائب والقدرة الشرائية.
لذلك يمكن فهم العبارة المتداولة والمنسوبة إلى ترامب: إنّ كلمةً سيئةً واحدةً عن إسرائيل كانت في الماضي كفيلةً بإنهاء المسيرة السياسية، بينما أصبحت اليوم كلمةٌ جيّدةٌ واحدةٌ عنها قادرة على فعل الشيء نفسه. هذه العبارة، قالها ترامب أم لم يقلها، تلخّص تحوّلاً سياسياً حقيقياً وعميقاً داخل أميركا، فإسرائيل لم تعد بالضرورة قضيةً محصّنةً من المنافسة، وانتقاد حكومتها لم يعد حكماً بالإعدام الانتخابي على صاحبه أمام الناخبين.
ومع هذا، من الخطأ اعتبار فوز عبد الرحمن السيّد دليلاً على تحوّل أميركي شامل ضدّ إسرائيل. فهو فوز ضيّق وفي انتخابات تمهيدية، وميشيغن، على الرغم من أنّها ولاية متأرجحة، إلّا أنّها ليست أميركا كلّها. الأدقّ هو الحديث عن تآكل الإجماع القديم داخل قطاعات من القاعدة الديمقراطية، وعن تراجع قدرة الدعم المطلق لإسرائيل والإنفاق المرتبط بـ”أيباك” على ضمان الفوز في بعض الانتخابات. ليست المسألة أنّ أميركا أصبحت ضدّ إسرائيل، وإنّما أنّ مكانة إسرائيل داخل النظام السياسي الأميركي لم تعد كما كانت، وهذا تحوّل ليس سهلاً، والفضل الكبير في حدوثه يعود إلى تضحيات أهل غزّة.
وهنا تبرز المفارقة العربية الأكثر إيلاماً: لماذا لم تنتج حرب غزّة والتحوّلات الجيوسياسية المرتبطة بها عبد الرحمن السيّد أو ممداني في العالم العربي؟ الجواب لا يتعلّق بنقص الكفاءات أو الطموح أو الجرأة السياسية، وإنّما بطبيعة البيئة السياسية. ففي الولايات المتحدة يستطيع المهاجر وابن المهاجر أن يدخلا اللعبة السياسية، وأن ينتقدا المؤسّسة والمال السياسي، وأن يختلفا مع إسرائيل، وأن يخوضا الانتخابات ويفوزا. أمّا في أغلب دول العالم العربي فالسياسة محكومة بسقوف منخفضة من الحرية، وبأحزاب ضعيفة مُتحكَّم فيها، وبمجالات عامّة مضبوطة وتحت السيطرة، تجعل ظهور نماذج مماثلة ليس فقط أمراً بالغ الصعوبة، وإنّما أيضاً محفوفاً بمخاطر تهدّد حياة صاحبها وحريته.
لا تفتقر صحاري العالم العربي إلى العقول والطموحات، وإنّما إلى المناخ السياسي الذي يسمح لها بأن تظهر
ولعلّ أكثر ما يختصر هذه المسافة بين ما يحدث عندهم وما لا يحدث عندنا قول عبد الرحمن السيّد إنّه لو بقي في مصر لربّما أصبح سائق سيارة أجرة. ليست في العبارة إهانة لأصحاب هذه المهنة الشريفة، وإنّما رمزية لمسار حياة كان يمكن أن يكون مختلفاً لو بقي في بيئة سياسية واقتصادية سلطوية مغلقة. والمفارقة الكبرى أنّه انتقل من طموح قيادة سيارة أجرة في مصر إلى احتمال أن يرشَّح نفسه (يوماً ما) إلى قيادة أقوى بلد. الفرق ليس في المقود الذي سيجلس خلفه، وإنّما في الطريق التي تقود إليه؛ ليس في السائق، وإنّما في النظام الذي يسمح له بالحلم والصعود والمنافسة. قصّة السيّد تذكّرنا في العالم العربي بأنّ المسافة بين سائق التاكسي وسائق البلد ليست مسافةً اجتماعيةً، وإنّما مسافة حرّية وديمقراطية تُحسب بسنوات ضوئية عديدة.
من طنجة إلى صلالة، لا تفتقر صحاري العالم العربي إلى العقول والطموحات، وإنّما إلى المناخ السياسي الذي يسمح لها بأن تظهر. لذلك؛ فإنّ قصّة السيّد ليست قصّة طبيب مصري شابّ هزم مرشَّحة مدعومةً بعشرات الملايين من أقوى لوبي في العالم فحسب، بل قصّة أميركا التي تتغيّر تحت تأثير جيل جديد، وعلى إيقاع أزمة اقتصادية واجتماعية متنامية، ووسط صعود يسار ديمقراطي جديد. وهذه التحوّلات كلّها ما كانت لتحدُث لولا حرب الإبادة الجماعية في غزّة وتداعياتها المستمرّة.
المصدر: العربي الجديد






