
لا تبدو مذكّرة التفاهم المعلنة أخيراً بين دمشق وموسكو، بشأن مستقبل الوجود الروسي في قاعدتَي حميميم الجوّية في اللاذقية وطرطوس البحرية، مجرّد اتفاق لترتيب وضع منشآت عسكرية، بل تبدو أقرب إلى بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين الطرفَين. فالمسألة تتعلّق في جوهرها بإعادة تعريف طبيعة الحضور الروسي في سورية، بعد أن أصبح استمرار الصيغة التي قامت عليها العلاقة في السنوات الماضية أمراً أكثر صعوبةً.
منذ التدخّل العسكري الروسي في سورية، ارتبط النفوذ الروسي بصورة أساسية بالقواعد العسكرية، وشكّلت قاعدتا حميميم وطرطوس بالنسبة إلى موسكو أكثر من مجرّد منشأتَين عسكريّتَين. فقاعدة حميميم مثّلت مركزاً للعمليات الجوّية والدعم اللوجستي، بينما وفّرت قاعدة طرطوس لروسيا منفذاً مهمّاً على البحر المتوسّط، وجعلت من الساحل السوري نقطة ارتكاز في حضورها الإقليمي.
من الصعب تصوّر تخلّي موسكو بسهولة عن كلّ حضور لها في سورية، حتّى إذا تغيّرت طبيعة هذا الحضور أو تقلّص حجمه
ويبدو، اليوم، أنّ هذه المعادلة تتغيّر، لكنّ التغيير لا يعني بالضرورة أنّ روسيا قرّرت مغادرة سورية أو التخلّي عن موقعها في الساحل؛ الأرجح أنّنا أمام انتقال من الوجود العسكري المباشر والواسع إلى وجود أقلّ حجماً وأكثر مرونةً، يتيح لموسكو الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية من دون التمسّك بالشكل القديم للقواعد. وهنا تبرز عبارة “إعادة صياغة” التي تبدو الأكثر أهمية في مذكّرة التفاهم، فإعادة الصياغة لا تعني، بالضرورة، إغلاق المنشآت أو خروج القوات الروسية، وإنّما قد تعني تغيير وظائفها، وحجم القوات الموجودة فيها، وآليات استخدامها، وطبيعة الإدارة والسيطرة عليها. وفي حالة حميميم تحديداً، فإنّ أيّ تغيير في طبيعة استخدامها سيكون ذا دلالة كبيرة، فالمطار لم يكن خلال السنوات الماضية مجرّد منشأة عسكرية، بل كان مركزاً رئيسياً للحضور الروسي في سورية، وأيّ تقليص لعدد الطائرات أو للقوات الروسية، أو تحويل جزء من المنشآت إلى وظائف تدريبية وتأهيلية مشتركة، سيعني أنّ دمشق وموسكو انتقلتا من نموذج القاعدة الروسية إلى نموذج مختلف يقوم على التعاون العسكري والتدريب وتبادل الخبرات.
والمعادلة في طرطوس أكثر تعقيداً، فالقيمة الحقيقية للموقع بالنسبة إلى موسكو تتجاوز الجانب العسكري المباشر، إلى الموقع الجغرافي الذي يمنح روسيا منفذاً استراتيجياً على المتوسّط. ولهذا من الصعب تصوّر تخلّي موسكو بسهولة عن كلّ حضور لها هناك، حتّى إذا تغيّرت طبيعة هذا الحضور أو تقلّص حجمه. وتكتسب الأشهر الثلاثة التي حدّدتها المذكّرة لتنفيذ التفاهمات أهمّيةً خاصّةً، فالمدّة ليست طويلةً، ما يشير إلى رغبة دمشق في الانتقال سريعاً من مرحلة التفاوض إلى مرحلة التنفيذ، وعدم ترك مستقبل المنشآت الروسية في إطار ترتيبات مؤقّتة أو غير واضحة. وفي الوقت نفسه، تمنح هذه المهلة موسكو فرصةً لإعادة ترتيب قوّاتها ومعدّاتها واحتياجاتها اللوجستية بما يتناسب مع الصيغة الجديدة.
لكنّ الاختبار الحقيقي لن يكون في نصّ المذكّرة، وإنّما فيما سيحدث على الأرض خلال هذه الأشهر، فإذا شهدنا خروج أعداد كبيرة من القوات والطائرات والمعدّات الروسية، فسيكون من الصعب وصف الأمر بأنّه مجرّد إعادة تنظيم، وسنكون أمام تقليص حقيقي للوجود العسكري الروسي، أمّا إذا بقيت البنية اللوجستية والعسكرية الأساسية، وإن تغيّرت التسميات والوظائف، فإنّ الأمر سيكون أقرب إلى إعادة تموضع روسي منه إلى انسحاب.
ليس خروجاً روسياً من سورية بقدر ما هو خروج من الصيغة القديمة للوجود الروسي
الأهمّ أنّ هذه التفاهمات لا تعني بالضرورة تراجع العلاقة الاستراتيجية بين دمشق وموسكو، بل على العكس، قد تكون مقدّمةً لإعادة بنائها على أسس جديدة. تريد دمشق علاقة مع روسيا لا تقوم على امتيازات المرحلة السابقة، وإنّما على احترام السيادة السورية والمصالح المتبادلة. وتريد موسكو الحفاظ على موقعها في سورية، لكنّها تدرك أنّ ذلك يتطلّب التكيّف مع الواقع السياسي الجديد. وتكمن المصلحة الروسية في قبول صيغة جديدة بدلاً من الدخول في مواجهة حول شكل الوجود. فروسيا لا تحتاج بالضرورة إلى عشرات الطائرات أو إلى انتشار عسكري واسع كي تحافظ على نفوذها، فوجود أصغر حجماً، لكنّه مرتبط بالتدريب والتعاون العسكري واللوجستي، سيكون أكثر قابلية للاستمرار، وأقلّ كلفةً سياسياً. في المقابل، تمنح هذه الصيغة دمشق فرصةً لاستعادة مساحة أكبر من القرار السيادي، من دون قطع أحد أهمّ خطوطها مع قوّة دولية تمتلك خبرةً عسكريةً وحضوراً سياسياً مهمّاً.
ويبقى القول إنّ ما يجري لا يبدو خروجاً روسياً من سورية، بقدر ما هو خروج من الصيغة القديمة للوجود الروسي. دمشق تريد السيادة، وموسكو تريد الحفاظ على النفوذ، ومذكّرة التفاهم الجديدة تحاول رسم حدود جديدة تتيح للطرفَين تحقيق جزء من مصالحهما.
أسفل النموذج
المصدر: العربي الجديد






