
لا يمكن النظر إلى “اتفاقية مكّة للدفاع المشترك” خطوةً مفاجئةً أو متسرّعةً، كما قد يرى بعضهم، بل كانت متوقّعةً في سياق ما أفرزته تداعيات حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران التي لم تنتهِ بعد. ويبدو أنّ الاتفاقية طُبِخت على نار هادئة، لكن ما كان مفاجئاً أنّها بين السعودية وتركيا وباكستان من دون دول خليجية أخرى كان يُفترض أن يكون لها مكان في الاتفاقية، لكنّها لم تفعل، وقد تكون لها أسبابها أو قد تنضمّ إليها لاحقاً ما دامت تلتقي في سياساتها، على نحو أو آخر، مع الدول الموقِّعة التي تركت الباب مفتوحاً أمام الدول التي ترغب في الانضمام إليها.
وعلى الرغم من أنّ هدف الاتفاقية المُعلَن “تعزيز الردع المشترك ضدّ أيّ اعتداء”، و”أنّ أيّ هجوم مسلّح على أيّ من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع”، وفي ذلك ما يكفي من الوضوح، إلّا أنّ ثمّة أفكاراً تراود المرء وهو يتابع ما يجري على المسرح الإقليمي الذي تنشط فيه الدول الثلاث منطلقةً من رؤى تبدو مختلفةً، لكنّها، في المحصلة، تتقاطع فيما بينها ويكمل بعضها بعضاً.
حرصت أنقرة على أن ترسل رسالة طمأنة إلى طهران بأنّ الاتفاقية الجديدة لا تستهدف إيران
يخالج السعودية إحساس بأنّ ثمّة متغيّراً جدّياً طرأ على مستوى علاقتها بالولايات المتحدة في ظلّ تطوّرات الحرب الماثلة، وقد ظهر أنّ أميركا في نظرتها الجديدة إلى المنطقة يهمّها أن تأخذ أكثر ممّا تعطي، وهذا ما دفع السعودية إلى أن تستبق أيّ حدث قد ينعكس على واقعها الأمني، ما استوجب انفتاحها على خيارات أخرى، وواحد من هذه الخيارات الوصول إلى صيغة “حلف دفاعي” مع دولتَين مهمّتَين في المنطقة تجمعها بهما “مصالح استراتيجية مشتركة، وتعاون دفاعي وثيق”. وضمن هذا التوجّه سبق للسعودية أن أقامت في الشهر الماضي (يوليو/ تمّوز) “تحالفاً بحرياً دفاعياً” بقيادتها ضمّ 13 دولة، بهدف تعزيز أمن الممرّات المائية، وحماية خطوط التجارة، وتأمين الطاقة، ومواجهة التهديدات الأمنية في المنطقة. وبالطبع، أشرس تهديدَين تواجههما السعودية هما من إسرائيل ومن إيران. وحتّى قبل هذا بعشر سنوات، قادت تحالفاً عسكرياً لدعم الشرعية في اليمن، وصدّ اعتداءات الحوثيين وكلاء إيران. وهكذا جاءت اتفاقية مكّة الجديدة خطوةً أخرى نحو تعزيز هذه الاستراتيجية التي تضمن للسعودية أمناً مستداماً، إضافةً إلى دور مؤثّر على المستويين، الإقليمي والدولي.
أمّا بالنسبة إلى تركيا، فلها رؤيتها المنطلقة من سعيها إلى توسيع نفوذها في الشرق الأوسط وشرق المتوسّط لتأمين الوصول إلى طرق التجارة ومنابع الطاقة، معتمدةً على قوّتها الذاتية، وهي تواجه النفوذ الإسرائيلي المتزايد في المنطقة، وترى فيه تهديداً لمصالحها، وتطمع في أن تحقّق لها الاتفاقية ثقلاً أكبر لحضورها، ولتوسيع علاقاتها التجارية بالسعودية، ومن ورائها دول الخليج، بخاصّة في ما يتعلّق بالصناعات العسكرية المتقدّمة مثل المسيّرات والصواريخ الباليستية والسفن الحربية والمركبات المدرّعة وأنظمة الدفاع الجوي. وتتنافس تركيا مع إيران على إيجاد مواقع نفوذ لهما في المنطقة، وثمّة تبادل حذر بين الدولتَين، ولذلك حرصت أنقرة على أن ترسل رسالة طمأنة إلى طهران بأنّ الاتفاقية الجديدة لا تستهدف إيران، وهذا ما قاله وزير خارجيتها هاكان فيدان. وهذا لا ينفي هاجس تركيا من أن تسبّب الحرب الماثلة انهيار نظام “الجمهورية الإسلامية” أو إضعافه على الأقلّ، وما قد يتبع هذا من عواقب بعضها قد يصل إلى الدول المجاورة على قاعدة تساقط أحجار الدومينو.
ظهر أنّ أميركا في نظرتها الجديدة إلى المنطقة يهمّها أن تأخذ أكثر ممّا تعطي
كذلك باكستان لها رؤيتها الاستراتيجية التي يفرضها موقعها الجيوسياسي الذي جعل منها لاعباً محورياً مهمّاً أهّلها لعقد شراكات مع دول خليجية وعربية، لكنّ صراعها التاريخي مع الهند (أربع حروب كبرى، وحروب أصغر منذ الاستقلال عام 1947) شكّل “عقب أخيل” بالنسبة إليها، وهي تحاول التعويض عن ذلك بممارسة دور دبلوماسي نشيط في المنطقة، وساطتها بين الولايات المتحدة وإيران صورة لهذا الطموح، كذلك إنّ تماهيها مع القضية الفلسطينية، وعدم اعترافها بإسرائيل، أعطياها نوعاً من الثقة والقبول لدى الدول العربية والإسلامية، وباعتبارها دولة نووية امتلكت عامل ردع مؤثّراً.
إلى ذلك، وبصرف النظر عن الرؤية الاستراتيجية لكلّ دولة من الدول الثلاث الموقِّعة على اتفاقية مكّة، فإنّ المعادلة التي طرحتها الاتفاقية تقوم على خلق توازن بين المخاوف والآمال، المخاوف من أن تتعرّض المنطقة إلى توتّرات وتداعيات أكثر خطورة ممّا هي عليه الآن، بخاصّة إذا ما استمرّت الحرب الماثلة على إيران، والآمال في أن يوفّر التحالف الدفاعي الجديد إمكانية درء تلك المخاطر ومعالجتها، التي قد تراها كلّ دولة من زاويتها الخاصّة ووفق استراتيجيتها العامّة.
المصدر: العربي الجديد






