
دأبت بعض القوى الإرهابية المتموضعة ضمن الجغرافيا السورية ومنذ مدة، أي بعد سقوط نظام الفاشيست الأسدي على الاشتغال حثيثًا ومستمرًا، من أجل انفراط تماسك الوضع الأمني في سوريا، ومن ثم بعثرة الواقع السوري وتشظيه على كل الصعد، ومن ثم منع حالة الاستقرار في الوطن السوري، من أن يكون لها أي حيز جدي وواضح في التواصل والاستمرار.. فبعد 54 عامًا من العنف والقمع الأسدي، (أي منذ انقلاب حافظ الأسد في صبيحة يوم 16 تشرين ثاني/نوفمبر )1970 وكذلك الخراب الكبير الذي طال كل شيء في سوريا، ها هي بعض أدوات واستطالات الإرهاب، تعيد الكرة وتنتج حالة جديدة من العسف والضياع واللا استقرار في الجغرافيا السورية على امتدادها.
من هنا فإن تفجير جرمانا اليوم، يأتي ضمن هذه السياقات وليس خارجها، ثم يلقي بظلاله المقيتة والصعبة على الوضع السوري برمته. وإذا كان هناك في سوريا اليوم، وما حولها أيضًا من لا يريد لسوريا الجديدة أن تستقر، أو أن يعيش الناس في سوريا، حياة جديدة مستقرة، فإن مستقبل سوريا الجديدة المتطلعة نحو المستقبل، لا يمكن أن يسير أو أن يتحرك باتجاه الأفضل، إلا إذا انتهت سوريا وأطبقت أو أجهزت حقيقة وليس تصريحات، على كل حالات العنف والإرهاب، وعادت نحو بناء الدولة الوطنية السورية، وأنتجت العقد الاجتماعي السوري الجامع.
مع ذلك فإنه وخلال تناولنا لهذه الحيثيات، في هذه اللحظة الزمنية من تاريخ سوريا، لا بد من أن نطرح السؤال المهم والقائل: مَن مِن مصلحته الآن أن تدخل سوريا في حالة من الفوضى واللا استقرار؟ ثم من يريد لسورية (الخارجة من ثورة طالت أكثر من 14 عامًا ونيف)، أن تكون دولة مفتتة هلامية بلا تماسك مجتمعي وتعاضد، ووحدة أنساقية منسجمة فيما بينها على جميع الصعد؟
وضمن إطار الإجابة عن ذلك، وعن جل هذه التساؤلات المحقة، تتمظهر حالات الاحتمالات الممكنة لمن وقف وراء هذا التفجير الإرهابي الذي أصاب أكثر من 15 إنسانًا سوريًا في بلدة جرمانا وسواه وما قبله من التفجيرات الإرهابية التي حاولت بث الفتن وتمزيق المجتمع السوري.
جاء هذا التفجير في جرمانا بعد ساعات معدودة من إصدار البيان المهم الذي صدر في بلدة جرمانا عن كثير من الفعاليات الدينية من شيوخ العقل والوجهاء، البيان المهم الذي أكد في صياغته الدقيقة، على أهمية التماسك المجتمعي السوري، والالتفاف حول سوريا كدولة وطنية لكل السوريين لا تستثني أحدًا منهم، لا طائفيًا ولا عرقيًا ولا أيديولوجيًا.
كل هذا الذي جرى يدفعنا إلى الاعتقاد والجزم أن هناك من يريد حقيقة أن يعيد إشعال الفتنة وتمزيق عرى المجتمع السوري، ومنع أو إعاقة قيام الدولة الوطنية السورية الواحدة الموحدة التي يتطلع إليها كل السوريين، العاقلين الوطنيين، بلا استثناء أو مواربة.
كما أن تنظيم داعش الإرهابي من مصلحته تفتيت المجتمع السوري، وإفشال الدولة الجديدة، هذا التنظيم الإرهابي الذي يقوم وعلى الدوام بتكفيرها دائمًا.
بمعنى آخر لابد للآلام التي خلفها التفجير الإرهابي في جرمانا من أن تكون مدخلًا وبوابة جدية متوازنة ورصينة للعمل الوطني التآلفي المنسجم والعاقل
الوطن السوري اليوم (وقبل كل شيء) يحتاج من الجميع إلى مزيد من التآلف والتعاضد والدفع بمسارات أنساق جدية للعدالة الانتقالية، من الممكن أن تعيد إنتاج آليات المجتمع السوري على أسس جديدة وعصرية، تمنع التغول على حقوق الناس، وهذا ليس ملقى على عاتق الدولة السورية فحسب، بل يحتاج إلى جهود جمة وعمل مستمر من العقلاء ولجان المجتمع المدني وناشطيه، لتضميد الجراح، والإسراع في إنتاج قوانين جديدة قادمة تسد الثغرات وتملؤها ، تبني ولا تفتت، ثم تشيد بنيان الوطن السوري، ولا تسمح للعابثين أبدًا من أن يعبثوا في حيوات الناس في سوريا.
وفي هذا السياق الدراماتيكي يصعد إلى المخيال الوطني الجدي لدى كل السوريين السؤال التالي: لماذا كل هذا التأخير في إنهاء حالة ومعضلة محافظة السويداء، من دون مداواتها أو اجتراح الحلول الوطنية لها، لتعود إلى سوريا، بكل وضوح وبكل بصراحة وواقعية من دون أي عمليات تطمير على آلام الناس، أو السماح للبعض، في العمل وفق آليات استغلال تلك الجراح، بما يسمح لإسرائيل في التدخل.
وبعد هذا التفجير الإرهابي الخطير لا بد من جلسة مصارحة من قبل الحكومة السورية الجديدة، تفتح فيها أبوابها للجميع، وتعيد محافظة السويداء إلى الوطن السوري، حيث لا يمكن لسوريا أن تحيا، من دون مجتمع سوري مهم في جبل العرب والسويداء، وكل ما يقال غير ذلك، وخارج سياقاته الوطنية هو ضياع وعدم جدوى. أهل السويداء هم أهلنا وناسنا وهم أيضًا جزء مهم من نسيج سوريا الحديثة والقديمة، وهم لب المجتمع السوري الأصيل الذي لا يمكن أن يناله متأخر أو عميل، شاء من شاء وأبى من أبى.
بمعنى آخر لا بد للآلام التي خلفها التفجير الإرهابي في جرمانا من أن يكون مدخلًا وبوابة جدية متوازنة ورصينة للعمل الوطني التآلفي المنسجم والعاقل.. بحق فإنه لا بديل عن العقلانية السياسية في التعاطي مع ملف الجنوب السوري، والغوص في تلافيف الواقع المجتمعي الوطني في السويداء وجبل العرب، ضرورة حياتية أساسية لكل السوريين بلا استثناء. لا ضير في ذلك، ولا خروج عنه، هذا إن أردنا أن تعود سوريا الوطن الحالم بمستقبل أفضل، كما كانت في خمسينيات القرن الفائت، أي قبل أن يخطفها نظام الأسد وعصاباته.
فهل نشهد تحركًا حكوميًا ومجتمعيًا جديدًا وجديًا، من أجل حل مشكلة السويداء، وتضميد الجراح؟ أم أننا سنبقى مهملين محصورين في عنق الزجاجة، من غير قدرة على الخروج نحو سوريا الواحدة الموحدة.؟ مازال الأمل متوفرًا في الواقع السوري نحو بناء مداميك جدية، بأسوار عالية.. لتكون سوريا الكبيرة والعظيمة الخالية من الإرهاب.
المصدر: تلفزيون سوريا






