عنوان المرحلة: توسّع إسرائيلي “أصفر”

   محمود الريماوي

بينما وصف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الاتّفاق على جمع أسلحة المقاومة وتخزينها في قطاع غزّة بأنّه “تاريخي”، عمدت حكومة بنيامين نتنياهو إلى الاعتراض على الانسحاب التدريجي للقوّات الغازية إلى “الخطّ الأصفر”، الذي يقتطع قرابة نصف مساحة القطاع، وتحدّي ما اتُّفق عليه بعد مباحثات طويلة مع حركة حماس (أجراها بصورة مباشرة وغير مباشرة الوسطاء الأربعة: أميركا ومصر وتركيا وقطر)، بالقول إنّ القوات الإسرائيلية لن تنسحب إلى الخطوط إلا بعد نزع كامل لأسلحة الحركة. وهو ما يخالف مفهوم الانسحاب التدريجي الذي يعني انسحابات متزامنة مع التقدّم في جمع الأسلحة. وقد اعتبرت الفصائل موقف نتنياهو تهديداً للاتّفاق، خصوصاً مع اقتران هذا الموقف بارتكاب جملة من جرائم القتل الإضافية في حقّ المدنيين، وتدمير مستودع للأدوية.

ينبغي للوسطاء أن يتطلّعوا إلى أداء دور سياسي أكبر يتجاوز دور التوسّط إلى بناء كتلة سياسية وعسكرية تعيد التوازن إلى المنطقة

وقد سعى المدير التنفيذي لـ”مجلس السلام” نيكولاي ملادينوف، في لقائه نتنياهو (الاثنين الماضي)، إلى حمله على التعامل الإيجابي مع الاتّفاق، والتوقّف عن شنّ الاعتداءات على القطاع المنكوب. وخرج ملادينوف من الاجتماع مصرّحاً إنّ الانسحاب الإسرائيلي سيتمّ بعد نزع السلاح، في توافق مُستغرَب مع نتنياهو، وبما يخالف مضمون الاتّفاق. وهو ما ردّ عليه ملادينوف بقوله إنّه حرص خلال الاجتماع على دفع نتنياهو إلى التوقّف عن شنّ الغارات، وهو ما تحقّق جزئياً في اليومين التاليين، قبل أن يستأنف نتنياهو جرائمه في اليوم الثالث بقتل أربعة مدنيين.
وحقيقة ما حدث، أنّ مدير “مجلس السلام” عمل لمقايضة قبوله الامتناع الإسرائيلي عن الانسحاب بتوقّف الغارات، ولو جزئياً. وهي طريقة في العمل يسعى صاحبها إلى حلّ مشكلة بإدامة مشكلة أخرى من دون حلّ حتّى تاريخه. أمّا نتنياهو، وفي أجواء الحملة الانتخابية التي بدأت مبكّراً، فإنّه يسعى إلى نزع أسلحة المقاومة، مع وضع العراقيل تباعاً أمام سحب قواته إلى ما يسمّى “الخط الأصفر” فقط، بحيث تتركّز الجهود اليوم وغداً وبعد غد في هذا الانسحاب المحدود إلى “الأصفر”، مقابل انتزاع كلّ شيء من الطرف الآخر.
وعلى غرار ما يحدث في جنوب لبنان، وفي المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، تتركّز الجهود في توسيع ما تسمّى “المناطق التجريبية”، وتعني المناطق التي سيخليها جيش الاحتلال ويفسح المجال أمام سيطرة الجيش اللبناني عليها. وهذه مناطق محدودة تعني، في كلّ مرّة، قريةً أو قريتَين من عشرات القرى التي احتلّها ودمّرها كلياً أو جزئياً الجيش الغازي، فيجري طمس الانسحاب الكامل من الجنوب والقفز عنه، والاستعاضة عنه بانسحاب محدود في كلّ مرّة، مع السعي إلى البقاء في منطقة يسمّونها “عازلة”، ويحدّها خطّ أصفر، كما في غزّة. ويجري، مع ذلك، وضع العقبات على الدوام أمام هذه الانسحابات المحدودة. فإذا عزّ اختراع عقبة ما، أعلن الطرف القائم بالاحتلال تأجيل النظر في الأمر برمّته إلى إشعار آخر. ويعمل الاحتلال، في هذه الأثناء، على تعميق وجوده داخل الأراضي السورية، فإذا ما جرت مفاوضات مع دمشق، فإنّه يستبق ذلك بوضع خطّ أصفر واحتسابه حدوداً جديدةً لكيانه.
على هذا النحو، وضمن استراتيجية التجزئة وهدر الوقت، يُعامَل الاتفاق “التاريخي”، إذ ينتقي الطرف المحتلّ بنداً واحداً يتعلّق بالسلاح، مع محاولة دفع الوسطاء إلى نسيان ما اتُّفق عليه سابقاً، أي المرحلة الأولى من خطّة ترامب، وبخاصّة الاتّفاق على إدخال 600 شاحنة مساعدات يومياً من مواد الإغاثة. ويُستغلّ انشغال إدارة ترامب بتطوّرات الحرب والمفاوضات مع إيران لتكريس واقع مريع في قطاع غزّة، وهو واقع يثلج صدور العنصريين أعضاء حكومة نتنياهو. وفي إطار وضع العقبات، وهو تكتيك تقليدي لنتنياهو، تجري إثارة مشكلات مثل الاعتراض على جهود تركيا وقطر في الوساطة سعياً إلى أن يصرف أيّ نقاش حول هذه المسألة الاهتمام عن الاتّفاق نفسه، بل عن خطّة ترامب ذات العشرين نقطة التي أُعلنت في سبتمبر/ أيلول الماضي، على الرغم من أنّ الخطّة تصبّ في صالح الطرف الذي شنّ حرب الإبادة على مدى 33 شهراً.
وحسناً يفعل الوسطاء حين لا ينساقون وراء تخرّصات نتنياهو، ويتمسّكون بوقف الحرب وإغاثة القطاع على جميع المستويات. غير أنّ المشكلة تكمن، بعدئذ، في نفوذ أنصار نتنياهو داخل الإدارة الأميركية، الذين يدفعون سيّد البيت الأبيض إلى التجاوب مع نتنياهو، حتّى حين يخرق اتّفاقاً سعى إليه البيت الأبيض. وفي كلّ مرّة يُنتهَك الاتفاق، كما في الموقف من استحقاقات المرحلة الأولى من خطّة ترامب، التي يتمرّد نتنياهو على تنفيذها، ولا يتورّع عن القول، في كلّ مرّة، إنّه متوافق في موقفه مع الرئيس ترامب، أي إنّه متوافق معه، بحسب ادّعائه، على نقض الاتفاق الذي أطلقه وتبنّاه الرئيس نفسه.

خطّة إسرائيلية منهجية لتدمير المخيّمات في الضفة الغربية، لما تحمله هذه التجمّعات من قيمة رمزية تحيل على نكبة اقتلاع الفلسطينيين

ويحدث بعدئذ أن ينشغل الرئيس بمَن يفوز في الترشيحات الداخلية للحزب الديمقراطي لولاية ميشيغن أو غيرها لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، أو ينهمك في تطوّرات الوضع في مضيق هرمز، بينما يدخل نتنياهو على الخطّ في تلك الجبهة بالتصريح بعدم استبعاد العمل العسكري الإسرائيلي المنفرد ضدّ إيران، إذ لن تتوقّف حكومة المستوطنين في تل أبيب عن استعراضات القوّة هنا وهناك، وبخاصّة في الأجواء المحمومة للانتخابات المقرَّرة في 27 أكتوبر/ تشرين الأوّل المقبل.
وفيما تتلاعب حكومة نتنياهو بخطّة ترامب بشأن غزّة، وتواظب على ارتكاب جرائم القتل اليومية وتجفيف موارد الحياة في القطاع، فإنّها تنفّذ خطّة منهجية لتدمير المخيّمات في الضفة الغربية لما تحمله هذه التجمّعات من قيمة رمزية تحيل على نكبة اقتلاع الفلسطينيين من وطنهم في مايو/ أيار 1948. ويجري هذا جنباً إلى جنب مع تعاون بين قوّات الشرطة وغُلاة المستوطنين في استباحة بلدات والتنكيل بسكّانها، وجعل الحياة فيها أكثر صعوبةً من المعتاد.
وسط هذه التوتّرات المستمرّة، لا بديل، في هذه المرحلة، عن استمرار جهود الوسطاء في مصر وتركيا وقطر، إذ تنال جهودهم دعماً عربياً وإقليمياً واسعاً، مع التطلّع إلى أداء دور سياسي أكبر يتجاوز دور التوسّط إلى بناء كتلة سياسية وعسكرية تضمّ الوسطاء وغيرهم، تعيد التوازن إلى منطقتنا، وتضع حدّاً للتغوّل الإسرائيلي، وتمنع هذا الكيان المارق من امتلاك أسلحة نووية، ومن تحدّي القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وإلّا فإنّ دولاً وشعوباً إضافية ستقع، في الأمد المنظور، ضحيةً للتوسّع الإسرائيلي.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى