
تثبت التوترات التي شهدتها بلدة «عين منين» بريف دمشق عقب مساع لنقل حصص مائية من حوضها الجوفي لرفد مناطق مجاورة أن أزمة الجفاف وشح المياه في سوريا تجاوزت كونها مجرد بيانات إحصائية في تقارير مناخية، لترتقي إلى فتيل يهدد باشتعال مواجهات ميدانية مباشرّة.
تُسلّط هذه الواقعة الضوء مجدداً على مدى هشاشة الأمن المائي في سوريا وتكشف كيف يضع تقاطع الجفاف المتفاقم مع النزاعات المحلية على المواردِ السلمَ الأهلي والإدارة الخدمية أمام اختبارات بالغ التعقيد.
وكان الجفاف الذي ضرب سوريا خلال العقد الأول من القرن الحالي وتعامل نظام الأسد معه باستهتارٍ وتجاهل، أحد أبرز الدوافع المحركة للثورة السورية، ولا يزال هذا العامل قائماً ويتفاقم عاماً تلو آخر، ما يجعل التعاطي معه في مقدمة أولويات المرحلة الراهنة، إذ يتفوق برأي على ملف إعادة الإعمار، فمن غير الممكن البدءُ بعمليات البناء والبطونُ خاوية.
لم تكن مشاهد الأرض المتشققة والمحاصيل التالفة التي اجتاحت الجغرافيا السورية، لا سيما في حوض الفرات والجزيرة السورية، مجرد نتاج لتراجع معدلات الهطول المطري أو تقلبات المناخ فقط، بل كانت، في جوهرها العميق، إعلاناً مادياً وقاسياً عن انهيار بنيوي طويل الأمد ضرب جذور الاقتصاد السياسي للزراعة في سوريا. لا يمكن قراءة أزمة الجفاف من زاوية مناخية بحتة فقط، وتجاهل التراكمات التاريخية للسياسات العقارية، والتشريعات الزراعية، والقصور البيروقراطي والفساد الذي حوّل الفلاح السوري من منتج مستقل إلى حلقة ضعيفة في سلسلة إدارية معقدة وفاسدة.
لفهم الانحدار التدريجي للقطاع الزراعي السوري وعجزه عن مواجهة صدمات الجفاف، يجب العودة بالزمن إلى منتصف القرن العشرين، وتحديداً إلى عام 1958، وهو العام الذي شهد ولادة قانون الإصلاح الزراعي. قبل ذلك التاريخ، كانت البنية الزراعية في سوريا تتسم بتركز شديد للملكية، حيث سادت أنماط الإنتاج شبه الإقطاعية، وسيطرت قلة من كبار الملاك على مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة، في حين عملت الغالبية العظمى من الفلاحين كمرابعين أو عمال زراعيين يفتقرون إلى أبسط مقومات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
جاء قانون الإصلاح الزراعي، وما تلاه من تعديلات راديكالية في ستينيات القرن العشرين، ليحمل في طياته أهدافاً اجتماعية وسياسية نبيلة تتمثل في كسر الاحتكار، وتوزيع الثروة العقارية، وتحرير الفلاح. تم تحديد أسقف الملكية، وصودرت الأراضي الزائدة لتوزع على صغار الفلاحين. وعلى الرغم من أن هذه الخطوة أحدثت تغييراً اجتماعياً جذرياً وحققت استقراراً ريفياً في بداياتها، إلا أنها أسست لخلل اقتصادي وتقني عميق تفاقم بمرور العقود.
تجسد هذا الخلل في ظاهرة “تفتت الملكية الزراعية”، فمع مرور الزمن، وتطبيق قوانين الإرث، وتقسيم الأراضي الموزعة أصلاً بمساحات محدودة، تحولت الخريطة الزراعية السورية إلى فسيفساء من “الحيازات القزمية”، وتشير البيانات التاريخية إلى أن الغالبية العظمى من الملكيات الزراعية باتت تقل عن خمسة هكتارات، وفي مناطق واسعة كالجبال والساحل وبعض أجزاء الداخل، انحدرت لتصبح أقل من هكتار واحد.
من منظور الاقتصاد الزراعي، أدى هذا التفتت إلى القضاء التام على ما يُعرف بـ “وفورات الحجم”. إن المساحات الصغيرة جداً تجعل من الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية الحديثة أمراً غير ذي جدوى اقتصادية، فالفلاح الذي يملك هكتارين لا يمتلك القدرة المالية لشراء جرار زراعي متطور، والأخطر من ذلك، أنه لا يستطيع تحمل التكاليف التأسيسية الباهظة لتركيب شبكات الري الحديثة، كالري بالتنقيط أو الرذاذ.
أمام هذا العجز الهيكلي، وجد الفلاح السوري نفسه مجبراً على التمسك بالطرق التقليدية، وأبرزها “الري بالغمر”، وهو الأسلوب الأكثر استنزافاً للمياه على الإطلاق، ومع تزايد الطلب على الغذاء وتراجع الواردات المائية من الأنهار العابرة للحدود، اتجه ملاك الحيازات الصغيرة نحو الحفر العشوائي للآبار الارتوازية. تحولت الأرياف السورية إلى ورشات حفر غير منظمة، مما أدى إلى استنزاف مريع للأحواض المائية الجوفية، وهبطت مناسيب المياه إلى أعماق غير مسبوقة، وجفت الينابيع التاريخية، وباتت الزراعة السورية تقف على أرض هشة، تنتظر أول صدمة مناخية لتنهار، وهو ما حدث بالفعل.
التعاونيات وسقوطها في فخ البيروقراطية والفساد
ولتجاوز المخاطر الكامنة في تفتت الملكية الزراعية، تم طرح “العمل التعاوني” كحل مؤسسي، وكانت الفكرة النظرية تقوم على أن تجميع الفلاحين في “جمعيات تعاونية فلاحية” سيسمح لهم بتوحيد جهودهم، وشراء مستلزمات الإنتاج بأسعار جملة، وتشارك الآليات الزراعية، والتسويق الجماعي للمحاصيل، مما يحقق لهم القوة الاقتصادية التي فقدوها بسبب صغر حيازاتهم.
في المراحل الأولى، لعبت التعاونيات دوراً إيجابياً في تنظيم الريف وتوفير بعض الخدمات، ولكن مع تعمق هيمنة الدولة المركزية السلطوية الفاسدة على مفاصل الاقتصاد، خضعت الحركة التعاونية الفلاحية لعملية تأميم إداري بطيء، وتم دمج التعاونيات ضمن هياكل هرمية صارمة تنتهي بـ “الاتحاد العام للفلاحين”، وتحولت تدريجياً من مؤسسات اقتصادية مستقلة تدار بآليات السوق وتدافع عن مصالح أعضائها، إلى مجرد أذرع تنفيذية وسياسية تخدم النظام.
تجلت مأساة التعاونيات السورية في تجريدها من أي استقلال مالي أو قراري، ولم تعد الجمعية الفلاحية مكاناً للتخطيط الزراعي الاستراتيجي، بل تحولت إلى منفذ إداري لتوزيع الحصص المقننة من الأسمدة والبذور المدعومة، ومركزاً لتسهيل استلام مؤسسات الدولة للمحاصيل الاستراتيجية كالقمح والقطن بأسعار تُفرض من الأعلى، ونادراً ما كانت تعكس الكلف الحقيقية للإنتاج.
هذا الشلل المؤسسي جعل التعاونيات عاجزة تماماً عن قيادة أي تحول تكنولوجي أو مائي. لم نشهد قيام التعاونيات ببناء سدود تجميعية محلية، ولم تنجح في تأسيس شبكات ري تعاونية حديثة تديرها بشكل جماعي، ولم تقدم برامج إرشاد زراعي حقيقية للتعامل مع التغير المناخي، وتحولت إلى هياكل بلا قيمة، وأذكر كيف عاملني رئيس الجمعية بجلافة حين أرسلني أبي لإحضار سماد دفعنا ثمنه مقدماً، حتى ظننته عنصر أمن أو مخابرات.
وحين ضربت دورة الجفاف القاسية سوريا بين عامي 2006 و2010، والتي تركزت بشكل مدمر في المنطقة الشرقية (الرقة، دير الزور، والحسكة) وأتبعها النظام برفع الدعم عن المازوت، سقطت ورقة التوت عن المنظومة التعاونية. لم تمتلك هذه الجمعيات أي صناديق للطوارئ أو أنظمة تأمين زراعي لتعويض الفلاحين، وتُرك الفلاحون يواجهون قدرهم فرادى، فجفت محاصيلهم، ونفقت مواشيهم، وتراكمت ديونهم، مما أدى إلى واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي في التاريخ السوري الحديث، حيث غادرت مئات الآلاف من العائلات قراها لتستقر في أحزمة الفقر حول المدن الكبرى.
حوكمة المياه بوصفها ديمقراطية وظيفية
إن الإخفاق السوري في إدارة الموارد المائية والزراعية يفرض علينا البحث عن نماذج مؤسسية نجحت في ترويض الطبيعة عبر الحوكمة الرشيدة.
تشاهد في شوارع هولندا مركبات تشبه سيارات الشرطة، وتتمتع بأولوية في الطريق كالإسعاف والإطفاء، لكنها لا تتبع للحكومة؛ فهي تتبع لمجالس المياه التي تُعد حكومة ثانية شبه مستقلة داخل الدولة، وتُعتبر أقدم نموذج حوكمة ديمقراطي في أوروبا.
وتعتبر هذه المجالس كواحدة من أعظم الإنجازات البشرية في الهندسة المؤسسية والهيدرولوجية (علم المياه). فرغم أن المعضلة السورية هي “الندرة والجفاف”، والمعضلة الهولندية التاريخية كانت “الوفرة والفيضانات” بحكم وقوع أجزاء واسعة من البلاد تحت مستوى سطح البحر، إلا أن المبادئ الإدارية لإدارة المورد المائي واحدة.
أدرك الهولنديون أن مواجهة المياه لا يمكن أن تدار بقرارات مركزية من سلطة حاكمة بعيدة، بل يجب أن تدار من قبل الأشخاص الذين تلامس أقدامهم الطين. هكذا ظهرت “مجالس المياه” (Waterschappen) التي تُعدّ من أقدم مؤسسات الإدارة العامة في العالم، إذ تعود جذورها إلى العصور الوسطى عندما فرضت الطبيعة المنخفضة للأراضي الهولندية على السكان التعاون في إنشاء السدود وشبكات تصريف المياه لحماية الأراضي الزراعية من الفيضانات. وبدأت بظهور مجلس راينلاند عام 1255، يليه مجلس دلفلاند عام 1289، وتوسعت صلاحيات هذه المجالس مع مشروعات استصلاح الأراضي الكبرى كالبيمستر سنة 1612. ومع قيام الدولة الحديثة، رسخ دستور 1848 استقلالها اللامركزي، وشهد القرن التاسع عشر تنظيمها بقانون، وفصل صلاحياتها القضائية، واعتماد نظام انتخابي لأعضائها. وفي القرن العشرين، تعزز دورها بإنشاء الاتحاد الوطني عام 1927 وبنك المياه سنة 1954، إضافة إلى عمليات الدمج الهيكلي الكبرى إثر فيضانات 1953، ليقتصر النظام المعاصر اليوم على 21 مجلسًا متخصصًا يتولى مسؤوليات الحماية من الفيضانات، وإدارة مستويات المياه، ومعالجة مياه الصرف، والمحافظة على جودة المياه.
بُني هذا النظام العريق على ثلاث ركائز أساسية تشكل بمجملها الوصفة الناجحة لإدارة الموارد:
الركيزة الأولى هي “اللامركزية الهيدرولوجية”: لا تُقسم مجالس المياه في هولندا بناءً على الحدود السياسية أو الإدارية للمقاطعات والمدن، بل تُقسم بناءً على حدود “الأحواض المائية” والتضاريس الطبيعية. كل مجلس يتمتع بالسيادة على حوض مائي معين، مما يسمح له بتصميم سياسات تتطابق تماماً مع الطبيعة البيولوجية والهيدرولوجية لمنطقته، بعيداً عن التعميمات الوزارية الخاطئة.
الركيزة الثانية هي “الاستقلال المالي التام”: لا تنتظر مجالس المياه ميزانيتها من وزارة المالية في لاهاي، بل تمتلك سلطة قانونية وتشريعية لفرض “ضرائب مائية” وجمعها مباشرة على كل من يعيش أو يعمل في نطاق الحوض المائي. هذا الاستقلال يضمن أن مشاريع صيانة السدود، وتطوير البنية التحتية، وإدارة المياه لا تتأثر أبداً بالتقلبات السياسية أو عجز الموازنة العامة للدولة. المورد المالي متاح دائماً ومخصص حصراً للهدف الذي جُمع من أجله.
الركيزة الثالثة، وهي الأهم، تتمثل في “الديمقراطية الوظيفية” (Functional Democracy) ومبدأ أصحاب المصلحة. إدارات مجالس المياه لا تُعين بقرارات حكومية، بل يتم انتخابها بشكل مباشر. من يحق له الانتخاب؟ هم أصحاب المصلحة المباشرين: المزارعون، أصحاب الصناعات، والسكان المحليون. القاعدة الهولندية الذهبية تقول: “المصلحة، الدفع، التمثيل” (Belang, Betaling, Zeggenschap)، أي أن من لديه مصلحة في المياه، ويدفع الضرائب من أجلها، يجب أن يكون له مقعد وقرار في إدارتها. هذا يضمن حوكمة شفافة، كفؤة، وخالية من الفساد البيروقراطي.
المجلس الأعلى للجفاف في سوريا
استمرار الاعتماد على الهياكل التقليدية المتمثلة في وزارتي الزراعة والموارد المائية والإدارة المحلية لن يؤدي إلا إلى تعميق الكارثة في سوريا، ويتطلب الواقع السوري الراهن تدخلاً جراحياً مؤسسياً يتمثل في تأسيس “المجلس الأعلى للجفاف وإدارة الموارد المائية”.
يجب أن يُصمم هذا المجلس ككيان مستقل كلياً، يخرج بملف الجفاف والزراعة المروية من أقبية الروتين الحكومي، ليضعه في أيدي الخبرات العلمية وأصحاب المصلحة الحقيقيين، وذلك عبر تبني الهيكلية والآليات التالية:
اللامركزية وتأسيس مجالس الأحواض المائية: يجب أن يتخلى المجلس المقترح عن المركزية الإدارية العمياء، ليعتمد التقسيم الهيدرولوجي. يضم المجلس الأعلى تحته “مجالس أحواض مائية” لامركزية (مثل: مجلس حوض الفرات ودجلة، مجلس حوض العاصي، مجلس حوض اليرموك، ومجلس أحواض الساحل). إن تحديات الجفاف وملوحة التربة في سهل الغاب تختلف جذرياً عن تحديات نضوب المياه الجوفية في درعا، ولا يمكن التعامل معهما بخطة واحدة تُكتب في دمشق. يمتلك كل مجلس حوض صلاحيات تنفيذية كاملة لإدارة موارده وفقاً لخصوصيته البيئية.
الديمقراطية الوظيفية: لضمان نجاح المجلس، يجب تطبيق الديمقراطية الوظيفية. تُدار مجالس الأحواض عبر لجان مختلطة تضم خبراء هيدرولوجيين، وعلماء مناخ، جنباً إلى جنب مع ممثلين منتخبين مباشرة من قبل الفلاحين وأصحاب الصناعات الغذائية. وفي هذا السياق، يجب تفكيك الهيكل البيروقراطي الحالي للجمعيات الفلاحية وإعادة هيكلتها لتصبح “نقابات زراعية اقتصادية” حرة. يكون دور هذه النقابات الجديدة هو الدفاع عن مصالح الفلاحين واختيار ممثليهم الأكفاء للجلوس في مجالس الأحواض المائية، ليكونوا صناع قرار حقيقيين يحددون استراتيجيات الري وتوزيع المياه، وليسوا مجرد متلقين للأوامر.
الصندوق السيادي للجفاف: لضمان فعالية المجلس الأعلى للجفاف، يجب منحه استقلالاً مالياً مطلقاً يحميه من ترهل الموازنة العامة. يتحقق ذلك عبر تأسيس “صندوق سيادي لمواجهة الجفاف”. تُمول إيرادات هذا الصندوق عبر آليات مستلهمة من التجربة الهولندية، تشمل: فرض رسوم وضرائب تصاعدية على الاستهلاك المائي الصناعي والتجاري الكثيف، تخصيص نسبة من الضرائب العقارية في المناطق المستفيدة من المشاريع المائية، واستقطاب وتوجيه المنح والتمويلات الدولية المخصصة للتكيف مع التغير المناخي والبيئة. تُحظر دستوريةً مصادرة أموال هذا الصندوق لصالح سد عجز الخزينة العامة، ويُقيد الإنفاق منه حصرياً في مسارات التحديث المائي، مثل: تمويل تحول الفلاحين نحو أنظمة الري المغلق والذكي، بناء محطات متطورة لمعالجة مياه الصرف الزراعي والصحي لإعادة استخدامها، توفير التأمين الزراعي ضد الجفاف، وتمويل مراكز البحوث لاستنباط أصناف نباتية مقاومة للإجهاد المائي.
هندسة الاستثمار وتوحيد الحيازات تشغيلياً: لمواجهة المعضلة التاريخية المتمثلة في الحيازات القزمية وتفتت الملكية، دون المساس الحساس بحقوق الملكية الفردية، يجب أن يتبنى المجلس الأعلى للجفاف سياسات تشريعية تهدف إلى “توحيد الاستثمار الزراعي” وليس “توحيد الملكية”. يمكن للمجلس رعاية تأسيس شركات مساهمة زراعية صغيرة على مستوى القرى، يتم فيها دمج الأراضي المتجاورة كمساحات استثمارية واسعة النطاق تخضع لإدارة موحدة. هذا الدمج التشغيلي سيخلق وفورات الحجم المفقودة، مما يسمح للمجلس بتمديد شبكات ري حديثة وواسعة، واستخدام الميكنة الثقيلة، وإدارة الدورة الزراعية بكفاءة عالية، على أن يتم توزيع العوائد المالية في نهاية المواسم على صغار الملاك كحصص أرباح تتناسب مع مساحات أراضيهم الأصلية المدمجة في المشروع.
السلطة: لإنهاء عقود من الفوضى والاستنزاف، يجب أن يتمتع المجلس الأعلى للجفاف بسلطات الضابطة العدلية المستقلة، بحيث يمتلك جهازاً تنفيذياً قادراً على فرض سيادة القانون المائي بحزم. يتولى هذا الجهاز المراقبة الصارمة للآبار الجوفية، وإغلاق الآبار العشوائية غير المرخصة، وتجريم الهدر المائي في القطاعين الزراعي والصناعي، بعيداً عن شبكات المحسوبية والفساد المحلي التي شلت قدرة مؤسسات الدولة التقليدية على إنفاذ القانون البيئي.
ختاماً، إن إرساء بنية إدارية وتشريعية رشيدة يشكل المدخل التنموي الأنجع لإعادة إحياء قطاع الزراعة، وهو قطاع حيوي لا يستدعي ضخ استثمارات رأسمالية مليارية، ولا يتطلب قوى عاملة فائقة التخصص. بيد أن مخرجاته قادرة على تلبية الاحتياجات المحلية الحرجة للأمن الغذائي، وتأسيس قاعدة متينة لصناعات زراعية تحويلية تمتلك مقومات المنافسة في الأسواق الإقليمية، لا سيما مع استمرار تصاعد مؤشرات أسعار الغذاء عالمياً. وفي ميزان الفرص البديلة، يبدو الرهان على هذا القطاع خياراً استراتيجياً لا غنى عنه، إذ إن محاولة بناء قطاعات صناعية سورية قادرة على مزاحمة القدرات التنافسية القائمة في دول الجوار، كتركيا والأردن ودول الخليج، ستستنزف عقوداً من الزمن ورؤوس أموال ضخمة تتردد إلى الآن في دخول البلاد.
المصدر: تلفزيون سوريا






