رغم إرث الصراع.. هل تدفع حسابات السياسة للقاء بين القيادة السورية و”حزب الله”؟

باسل المحمد

بعد سنوات من الصراع السياسي والعسكري والخلافات العقائدية، تعود العلاقة بين سوريا وحزب الله إلى دائرة الضوء، مع حديث عن إمكانية فتح قنوات تواصل بين الطرفين، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات كبرى تعيد ترتيب أولويات القوى الإقليمية وحساباتها.

وقال الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم إن الحزب منفتح على عقد لقاء مع القيادة السورية عندما يرى الطرفان أن الظروف أصبحت مناسبة، مؤكدًا أهمية الحفاظ على علاقة إيجابية وتعاونية بين لبنان وسوريا. وتأتي هذه التصريحات بعد مواقف للرئيس أحمد الشرع قال فيها إنه لا يمانع الجلوس مع حزب الله على طاولة الحوار، إذا كان ذلك يحقق مصلحة سوريا ولبنان.

لكن أي تقارب محتمل بين الطرفين يفتح ملفات شائكة مرتبطة بسنوات الثورة السورية، حين وقف حزب الله إلى جانب النظام المخلوع عسكريًا، وهو الدور الذي ترك تداعيات سياسية وشعبية واسعة داخل سوريا، ورسّخ خلافات عميقة ما تزال حاضرة في العلاقة بين الطرفين.

فهل تفرض متطلبات المرحلة المقبلة فتح باب الحوار بين سوريا الجديدة وحزب الله؟ وهل يمكن أن تتغلب حسابات السياسة على آثار سنوات المواجهة والخلاف؟

ما دوافع حزب الله للقاء القيادة السورية؟

في ظل تعثر الحلول داخل لبنان وتصاعد الضغوط الدولية والإسرائيلية، أثار إعلان حزب الله استعداده للقاء المسؤولين السوريين تساؤلات حول دوافع الانفتاح على دمشق، وما إذا كان يعكس قبولاً بدور سوري محتمل في معالجة الأزمة وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية.

وتعليقاً على هذا الجانب، يرى الأكاديمي السوري عبد الرحمن الحاج أن انسداد آفاق الحل في لبنان، وتزايد الضغوط الدولية على الحكومة اللبنانية، إلى جانب التصعيد الإسرائيلي المستمر والعنيف في جنوب البلاد، دفعت حزب الله إلى اختبار النوايا السورية وإعادة النظر في إمكانية انخراط دمشق في مسار سياسي قد يخفف من حدة الضغوط القائمة.

ويقول الحاج لموقع تلفزيون سوريا إن الحزب، وخلفه إيران، وجد أن سوريا قد تمثل مخرجاً محتملاً من هذه الضغوط، ولا سيما في ظل الإشارات المتكررة إلى أن المقاربة السورية تقوم على مبدأ “رابح–رابح”، بما يحقق مكاسب للحكومة اللبنانية وللحزب في آن واحد، ويهدف في نهاية المطاف إلى حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية.

ويضيف أن هذه المعطيات دفعت الحزب إلى “الذهاب خطوة إلى الأمام”، من خلال إعلان إمكانية لقاء مسؤولين سوريين، معتبراً أن هذه الخطوة تشكل، في دلالاتها السياسية، قبولاً ضمنياً بإمكانية اضطلاع سوريا بدور في معالجة الأزمة اللبنانية.

وكانت مصادر خاصة لموقع تلفزيون سوريا قد كشفت، قبيل زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان في حزيران الماضي، أن دمشق تعتزم طرح مبادرة سياسية لمساعدة الدولة اللبنانية على الوصول إلى حصر السلاح بيدها عبر مسار سياسي توافقي، يجنّب البلاد أي مواجهة داخلية أو انقسام أمني.

وفي هذا السياق أوضحت دراسة سابقة لمعهد الشرق الأوسط للدراسات الدولية أكدت أن زيادرة الشيباني إلى بيروت تمثل تحولًا في طبيعة الوجود السوري في لبنان. إذ تسعى دمشق إلى إقامة شكل من أشكال النفوذ يقوم على التقارب السياسي، والتعاون الاقتصادي، وتشابك المصالح، بدلًا من النفوذ الأمني والعسكري الذي اتسم به عهد نظام الأسد حتى عام 2005.

سلاح حزب الله بين الضغط ووساطة دمشق

يرى الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان أن تصريحات الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم تعكس توجهاً نحو “الانحناء للعاصفة”، في ظل إدراك قيادة الحزب حجم المخاطر المتصاعدة والضغوط المتزايدة التي تحيط به على المستويين اللبناني والإقليمي.

ويشير علوان في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إلى أن الحزب تلقى خلال الفترة الأخيرة رسائل متعددة، من بينها الضربة السعودية التي استهدفت الحشد الشعبي في العراق، وزيارة رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني إلى دمشق، إلى جانب التهديدات والضغوط المتصاعدة داخل لبنان وخارجه، فضلاً عن حالة الاستنفار السوري.

وبحسب تقدير علوان فإن قيادة الحزب خلصت إلى أن دمشق يمكن أن تكون مستعدة للتفاعل مع أي طلب رسمي من الحكومة اللبنانية يتعلق بإزالة سلاح الحزب أو تفكيك بنيته بالقوة. ويضيف أن هذا التقدير عزز شعور الحزب بوجود خطر حقيقي، ودفعه إلى تبني خطاب أكثر مرونة، في محاولة لاحتواء الضغوط وتجنب انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر تصعيداً.

وفي سياق متصل، يرى الباحث عبد الرحمن الحاج أن حزب الله يمثل تهديداً لأمن سوريا واستقرار حدودها، من خلال رعاية فلول النظام المخلوع، وتهريب الأسلحة، وزرع خلايا تابعة له داخل الأراضي السورية، بما يهدد الاستقرار ويحوّل بعض المناطق إلى منصات يمكن استخدامها لاستهداف جهات خارج الحدود، بما يخدم أهدافاً إيرانية.

وبحسب الحاج، فإن هذه الاعتبارات تجعل سوريا معنية بملف نزع سلاح حزب الله، انطلاقاً من رؤيتها بأن استقرار المنطقة يرتبط بمعالجة مصادر التهديد العابرة للحدود. لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن الحكومة السورية لا تبدو متجهة نحو تدخل عسكري مباشر داخل لبنان لنزع سلاح الحزب بالقوة، بل تطرح مساراً سياسياً يمكن أن تؤدي فيه دور الوسيط، عبر نقل الملف من دائرة التفاوض مع أطراف خارجية إلى حوار لبناني-لبناني، برعاية سورية وضمانات أميركية.

وكان الرئيس أحمد الشرع، قد أكد في تصرحات صحفية أن سوريا لا تعتزم القيام بأي تدخل عسكري في لبنان، مشدداً على أن معالجة الأزمة اللبنانية لا تقتصر على المقاربة الأمنية، بل تتطلب حلاً شاملاً يعالج مختلف أبعادها.

بين ذاكرة الصراع وبراغماتية المستقبل

رغم الإرث الثقيل الذي خلّفه تدخل حزب الله إلى جانب النظام المخلوع منذ عام 2013، ومشاركته في قمع الثورة السورية والعمليات العسكرية التي شهدت انتهاكات ومجازر ذات أبعاد طائفية في مناطق عدة، بينها الحولة والقصير، فإن الحديث عن إمكان التواصل بين دمشق والحزب يعكس مقاربة سياسية تتجاوز منطق القطيعة المطلقة، من دون أن تعني تجاوز مآسي الماضي أو إسقاط مسؤولياته.

وفي هذا السياق، يرى الأكاديمي عبد الرحمن الحاج أن سوريا “تنظر إلى المستقبل وتحاول تأجيل استحقاقات الماضي إلى وقتها”، موضحاً أن أولويتها تتمثل في التعافي بعد ثورة أعقبتها حرب مدمرة، وأن جزءاً من هذا التعافي يرتبط بإعادة بناء علاقاتها الإقليمية وتحصين نفسها من المخاطر والتهديدات الخارجية.

ويشير الحاج إلى أن سوريا لا تضع الانتقام على سلم أولوياتها، بل تركز على حماية مشروع بناء الدولة، ولذلك قد يلتقي مسؤولون سوريون بممثلين عن حزب الله لتحقيق غرض محدد، من دون أن يعني ذلك إقامة علاقة سياسية مباشرة وعلى مستوى متقدم مع الحزب.

وفي موازاة ذلك، أشار معهد السياسة والمجتمع، في تقرير سابق، إلى أن التغير في لهجة حزب الله تجاه سوريا يعكس تحولاً من منطق التوافق الأيديولوجي التقليدي إلى “براغماتية دفاعية” تسعى إلى الموازنة بين الحفاظ على النفوذ وإدارة المخاطر. وبين مشروعه السابق للتوسع الإقليمي وإعادة تقييمه الحالية التي تهدف إلى تقليل انكشافه السياسي والأمني، يبدو أن الحزب يعيد رسم حدوده الاستراتيجية ويعيد تعريف نطاق تحركاته في ظل مشهد إقليمي متقلب.

ما موقف إيران؟

بعد أن فقدت إيران أحد أهم مرتكزات نفوذها الإقليمي بسقوط النظام المخلوع وخروج سوريا من دائرة نفوذها المباشر، تكتسب أي خطوة محتملة للتواصل بين حزب الله والقيادة السورية أهمية تتجاوز العلاقة الثنائية، لتصبح مرتبطة بحسابات طهران ومصالحها في المنطقة. وبينما يطرح الحزب إمكانية اللقاء، يبقى موقف إيران عاملاً حاسماً في تحديد مدى جدية هذا الانفتاح وحدوده، ولا سيما في ظل الارتباط العضوي بين الطرفين وتزايد الضغوط على أذرع طهران الإقليمية.

وفي هذا السياق، يرى الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان أن حديث الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم ما يزال ضمن إطار عام، مشيراً إلى أن الانتقال إلى التفاصيل قد يجعل موقف الحزب مختلفاً ويحد من قدرته على الالتزام بما قد يُطرح خلال أي تواصل محتمل.

ويقول علوان إن الحزب يبدو وكأنه يتقدم خطوة إلى الأمام، لكنه في الوقت نفسه يسعى إلى كسب الوقت، بانتظار اتضاح حجم الدعم الذي تستطيع إيران تقديمه له، خصوصاً مع تشديد الرقابة الأمنية على محاولات تهريب السلاح عبر العراق، وارتفاع مستوى الضغوط على طهران وأذرعها خلال الأشهر الماضية.

وبحسب علوان، أسهم هذا الضغط، إلى جانب تصاعد استشعار الخطر لدى إيران وحلفائها، في إنتاج موقف جديد من حزب الله يختلف عن سرديته التقليدية، لكنه يستبعد أن يكون موقفاً جاداً يمكن البناء عليه لاحقاً؛ إذ إن الدخول في التفاصيل قد يدفع الحزب إلى مزيد من التشدد، في ظل استمرار ارتباطه العضوي بإيران.

ويضيف أن طهران قد تحاول الالتفاف على ما يوحي به خطاب الحزب الحالي، عبر توظيف أذرعها الإقليمية، بما فيها الميليشيات العراقية، لخلق حالة من الفوضى والضغط في المنطقة، ولا سيما إذا تصاعدت الضغوط عليها أو برزت تهديدات أميركية جديدة باستئناف الحرب ضدها.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى