
تفترض الصداقات البشرية عدم وجود غاية مبيتة، أو هدف مغرض لأحد الأطراف، لأن هذا الأمر في حال حصوله، يعني الأنانية التي لا تفسد الصداقة وحسب، بل تنسف الأسس التي تنشأ عليها، أما العلاقات بين الدول، فهي على العكس تماماً، فهي تستند في مطلق الأحوال على ما يسمى المصالح المشتركة، التي لو انتفت لانتهت الصداقة لانعدام أسبابها، وإذا انطلقنا من هذه الفكرة، سنصل حتماً لاستنتاج يقول: إن علاقات الصداقة والود بين الدول مهما توطدت وتعززت، فإنها تخفي دائماً في طياتها مستويات من نرجسية تحافظ الشعوب بواسطتها على مصالحها وأهدافها، صحة هذا القانون وشموليته لا تمنع وجود حالات شاذة هنا وهناك، وتبرم الدول صداقات مع الآخرين استناداً لأولويات أخرى غير مصالحها، في الحالة العربية، أو السورية تحديداً التي تؤكد قاعدة الخروج عن المألوف في الأعراف الدولية، تندرج العلاقة السورية الجديدة مع الولايات المتحدة خصوصاً، والغرب عموما في الضمانات التي تقتضيها العلاقة أو الصداقة بين أميركا من جهة وأي نظام عربي من جهة أخرى.
تفسير العلاقة السورية الأميركية، ورد في إجابة الرئيس السوري أحمد الشرع في برنامج المقابلة على قناة الجزيرة، و كانت متعلقة بالضمانات المقدمة من جانب سوريا لأميركا والغرب، بما يخص قبول التعامل مع السلطات السورية الجديدة ورفع العقوبات عنها، أن لا تكون سوريا مأوى للإرهاب، وأن لا تدعم الفصائل و”التنظيمات الإرهابية ” الفلسطينية، التي كان النظام المخلوع يدعمها وبسببها فرضت عليه عقوبات، وروجت فيما بعد سورياً بأن سوريا تتعرض لعقوبات وحصار بسبب دعمها للقضية الفلسطينية ورفعها شعار المقاومة، وفي المضمون لم ينقطع التعاون الاستخباري بين نظام الأسدين والسي آي إيه، مقابل تمكين النظام من بسط سيطرته على كمل المجتمع السوري طوال عقودٍ طويلة، وهنا يدخل مصطلح الدعم كبديل عن الاتجار بالشعارات التي سوقها النظام المخلوع في العلن، وقدم ضمانات في الخفاء لضرب وتحجيم منظمة التحرير و الفصائل الفلسطينية عبر محطات عدة خلال عقود تسيد الأسدين الحكم في سوريا.
وضمانة الرئيس أحمد الشرع واضحة، وتختلف عن ضمانة نظام الأسدين، بأنها منزوعة من شعار دعم المقاومة، لكنها تتقاطع بالجوهر مع ما هو مطلوب من العلاقة مع سوريا، وبنفس درجة الابتزاز الذي بات مألوفاً في العلاقات العربية الأميركية التي تسمو على المصلحة والغاية حتى لو طبشت كفتها لصالح الاحتلال، الأمر الذي بات أكثر من مفضوح في سياسة النظام الرسمي العربي، والذي بات يطرح أسس تشجيعه دعمه لبعضه البعض في التسابق والتفاخر من زواية أيهما أقرب في العلاقة مع أميركا لتلبية شروط واملاءات هذه العلاقة بجعل ما كان غير مألوف “طبيعي” في سياق بناء علاقة قوية مع الإدارة الأميركية والغرب.
هذا بالضبط هو المبدأ الذي تسير عليه السياسة السورية الجديدة بهديه، تصفير المشكلات العالقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب، كي لا تعكرها حسابات وأنانية ونرجسية، فالصداقة هنا، من دون أي جدال حقيقية ظاهرياً، رغم أن الغرب وأميركا وإسرائيل، يتعاملون مع سوريا الجديدة بشيء من النفاق والطمع الواضحين، بينما الرد السوري عليها خلال عام ونصف اتسم “بالحسنى” وبكرمٍ سيسجله التاريخ حتماً، لأنه شمل التبرؤ من دعم التنظيمات “الإرهابية” الذي شمل الفلسطينية منها بالتصنيف المألوف عند البعض، التي كان يستخدمها نظام الأسد وما الى ذلك، فإذا كانت سوريا في عقود الأسدين متهمة أميركياً وغربياً وإسرائيلياً، بأنها راعية لـ”الإرهاب الفلسطيني” فذلك لم يطهر النظام المخلوع في الشارع السوري والفلسطيني، لافتضاح هذا التصنيف وزيفه، مع الدور والتعهد المقدم لإسرائيل هدوءً على جبهة الجولان، و للإدارات الأميركية المتعاقبة في احتواء دور المقاومة الفلسطينية، وفي فرض القمع والاستبداد الداخلي على المجتمع السوري، وتبلور هذا الدور في تطويب وزيرة خارجية أميركا السابقة مادلين أولبرايت لبشار الأسد عقب توريثه حكم أبيه، وهناك شواهد وبينات لا ينقصها وضوح عن الشوط الذي قطعه نظام الأسدين لتنفيذ استحقاقات مطلوبة منه لتعزيز سلطته التوريثية.
من الواضح أن فترة العسر التي تمر بها الآن سوريا، قد تُقلل، لكن بالتأكيد لن تمنع من تقديم الضمانات والتطمينات للأميركيين والإسرائيليين الذين يعيشون ظروفاً صعبة في المنطقة، فالولايات المتحدة مثلاً تمر بأوضاع قاسية في المنطقة وكذلك إسرائيل التي تتجاوز لياقة تسميتها “بالجار” بديل الاحتلال أو “العدو” المتوغل اتساعاً على الجفرافيا السورية وفي مدن فلسطين المحتلة، ولا تكتف بذلك، بل تجهر أطماعها في الجنوب السوري وتدخلها المباشر، وفرض الابتزاز والضغط بواسطة الإدارة الأميركية لعقد صفقات أمنية لدرء خطر تمدد الاحتلال وتهديد وجود السلطة في دمشق، مقابل منح سوريا طاقة الفرج المنتظرة.
طبعاً الحديث السوري عن الحاجة لصداقة أميركية متبادلة، وكذا الحديث الغربي عن العلاقة مع سوريا ما بعد الأسد، ليس له قيمة حقيقية إلا في النقطة التي أشار إليها الرئيس الشرع، أي المقابل لذلك، فلا “ثرثرة” حول حقوق الإنسان، أو أسئلة عن إشاعة الأجواء الديمقراطية والمشاركة السياسية والمواطنة، في علاقات الصداقة ومصالحها ومتطلباتها العربية الغربية، هناك ثوابت بديلة ربط القضية الفلسطينية بالإرهاب، واستعادتها الاستعمالية من منظور إنساني وشعار مخفف الوطأة في الخطاب العام، وربطه بما تجمع عليه العلاقة العربية التي لا غنى عنها مع الولايات المتحدة والقبول بشروط هذه العلاقة بكل سخاء تضعه تل أبيب.
يمكن للبعض اعتبار وصف درس الصداقة السوري مع الولايات المتحدة، على أنه يصدر من أصحاب النوايا السيئة، أو من الذين لا يعرفون معنى الصداقة بنوايا قبيحة، وهي أوصاف تنطبق بالمطلق على تجريب الرهان على مرامي وأهداف أميركية لتذليل العقبات أمام توسع الاحتلال وتمدده وبقاء وجوده، والتي من أجلها تستطيع القيادة الأميركية أن تعبث بالمنطقة كلها لأجل هذا الهدف أيا تكن تسمية النتائج المترتبة عليه..
في هذا الخلط تصبح الصداقة أو العلاقة بين النظام العربي والغرب، لا تقوم على توفير حياة لائقة للسوري واللبناني والمصري والتونسي والخليجي والمغربي والليبي والعراقي، وفق معايير الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير والمشاركة السياسية وشفافية اقتصادية واحترام المواطنة والدستور والعدالة والتداول السلمي للسلطة، بل من خلال تعبيرات رائجة عن الاستعداد لمكافحة الإرهاب، و بتصنيف النضال الفلسطيني ضمنه، ذلك يقرب النظام العربي من بعضه البعض، ومن واشنطن وتل أبيب، ففلسفة القضية الفلسطينية وعدالتها وحقها ومشروعية نضال شعبها، كانت السبب في خراب “علاقة جوار” و منع إقامة صداقة علنية وعلاقة متينة مع أميركا للتطبيع مع إسرائيل، تكون بببلورة صورة نقيضة عن القضية الفلسطينية، ومرة أخيرة، الشواهد لا تعوزنا لتأكيد ذلك في دروس صداقتها العربية.
المصدر: تلفزيون سوريا






