
في سوريا، عندما تقع مشكلة صغيرة، لا يحضر معها الحاضر فقط، بل يحضر الماضي أيضاً. لهذا لم تكن أزمة عين منين مجرد خلاف على بئر مياه، ولم تكن مجرد اعتراض على مشروع خدمي، ففي بلد خرج لتوه من سنوات طويلة من الحرب والعنف والانقسام، لا تصل الأحداث إلى الناس مجردة من تاريخها، بل محمّلة بذكريات الخسارات والمخاوف وسوء الظن المتراكم عبر عقود.
في عين منين رأت الجهات المعنية مشروعاً لتحسين الواقع المائي، في حين رأى بعض الأهالي احتمال خطر يهدد موردهم الأساسي. وبين هاتين الروايتين بدأت الأزمة تكبر حتى خرجت من إطارها الخدمي إلى التوتر الأمني.
وربما أول ما تعلمناه من هذه الحادثة أن الناس لا تخاف دائماً من القرار نفسه، بقدر ما تخاف من ألا تعرف حقيقته. عندما تغيب المعلومة، تحضر المخاوف، وعندما يتأخر الشرح، تنتشر الروايات البديلة. وفي بلد اعتاد الناس فيه لسنوات طويلة أن يسمعوا بالقرارات بعد اتخاذها، يصبح من الطبيعي أن يسبق القلق أحياناً الثقة.
لهذا تحتاج سوريا اليوم إلى الشرح أكثر من حاجتها إلى التبرير، وإلى الحوار أكثر من حاجتها إلى البيانات. فمعرفة الناس بما يجري، ولماذا يجري، وما أثره المتوقع عليهم، ليست تفصيلاً إدارياً بل جزءا أساسيا من نجاح أي مشروع.
وكشفت الأزمة أيضاً مشكلة أخرى لا تقل أهمية، وهي غياب الجسر بين السلطة والناس. ففي كثير من المناطق السورية لم تعد هناك شخصيات أو هيئات محلية قادرة على لعب دور الوسيط الذي ينقل المخاوف ويشرح للناس ويقرب وجهات النظر قبل أن تتفاقم الخلافات، وعندما يغيب هذا الدور، يصبح الشارع هو مساحة التعبير الوحيدة، وتصبح السلطة في مواجهة مباشرة مع المواطنين.
وفي هذا السياق يبدو من الضروري التمييز بين الدولة والسلطة. فالدولة ليست السلطة وحدها، كما أنها ليست الناس وحدهم. الدولة هي الإطار الذي يجمع الجميع ويحمي المصلحة العامة. أما السلطة فهي الجهة التي تدير هذا الإطار وتُسأل عن قراراتها وأخطائها.
لذلك فإن الاعتراض على قرار أو المطالبة بتصحيحه لا ينبغي أن يُفهم كخصومة مع الدولة، كما أن معالجة الأخطاء والاستماع إلى مطالب الناس لا ينتقص من هيبة الدولة بل يعززها.
سوريا ما تزال تتعلم أدوات العمل العام بعد عقود طويلة من الغياب القسري للحياة السياسية والمدنية الطبيعية. لذا فإن النقاش حول وسائل الاحتجاج لا يقل أهمية عن النقاش حول أسباب الاحتجاج نفسها
ومن الدروس التي تستحق التوقف عندها أيضاً أن التعامل مع الاحتجاجات والمطالب الخدمية يحتاج إلى أدوات تختلف عن تلك المستخدمة في مواجهة التهديدات الأمنية أو الجرائم. فليس كل تجمع أو اعتراض أو اعتصام مؤشراً إلى خطر أمني، خصوصاً في بلد ما زال يحمل آثار الحرب وانتشار السلاح وثقافة الثأر والخوف المتبادل. ولعل من المفيد أن تتجه المؤسسات المعنية إلى تأهيل وتدريب كوادر متخصصة في إدارة الحشود والخلافات المحلية واحتواء التوتر قبل تصاعده، فنجاح المؤسسة الأمنية لا يقاس فقط بقدرتها على فرض النظام، بل أيضاً بقدرتها على الحفاظ عليه بالحوار والحكمة ومنع الاحتكاكات التي قد تدفع الأمور إلى مسارات لا يريدها أحد.
ومن الجوانب التي تستحق النقاش أيضاً ما رافق الأزمة من دعوات إلى الإضراب وإغلاق الأسواق. فمن حق الناس أن تعترض وأن تدافع عن مصالحها، لكن سوريا ما تزال تتعلم أدوات العمل العام بعد عقود طويلة من الغياب القسري للحياة السياسية والمدنية الطبيعية. لذا فإن النقاش حول وسائل الاحتجاج لا يقل أهمية عن النقاش حول أسباب الاحتجاج نفسها.
الإضراب وسيلة مشروعة في كثير من الحالات، لكنه ليس مجرد تعبير عن الغضب، بل أداة لها آثارها على المجتمع والناس والأسواق. ولهذا فإن فتح الأبواب أمام الاعتراض والتظلم والحوار منذ المراحل الأولى قد يكون أفضل وسيلة لمنع الوصول إلى خطوات أكثر كلفة على الجميع.
ورغم كل ما جرى، يبقى أكثر ما يدعو إلى التفاؤل في قصة عين منين أن الجميع عاد في النهاية إلى الحوار. قد لا تكون كل المشكلات قد حُلّت، وقد تبقى خلافات أو جراح تحتاج إلى وقت، لكن العودة إلى النقاش كانت تذكيراً بأن هناك طريقاً آخر غير التصعيد… وربما يكون هذا هو الدرس الأهم كله.
فسوريا لا ينقصها من يعرف كيف يغضب أو كيف يعترض، وإنما تحتاج أكثر إلى أن تتعلم، سلطة ومجتمعاً، كيف تدير الخلاف قبل أن يتحول إلى أزمة، وكيف تفتح أبواب التعبير المشروع قبل أن يصل الاحتقان إلى الشارع.
ففي سوريا، عندما تقع مشكلة صغيرة، لا يحضر معها الحاضر فقط، بل يحضر الماضي أيضاً. أما التحدي الحقيقي فهو ألا نسمح لهذا الماضي بأن يقرر وحده شكل المستقبل.
المصدر: تلفزيون سوريا






