مليشيات العراق… الإزاحة من الداخل أم من الخارج؟

أحمد سعداوي            

أفكّر دائماً، في مقاربة الحالة العراقية الراهنة، في مثال الاحتلال الياباني لكوريا الذي امتدّ 35 عاماً (1910– 1945)، حين أنشأ اليابانيون جهازاً إدارياً واسعاً عماده كوريون شباب درّبوهم وأعادوا تشكيلهم ثقافياً ووظيفياً داخل النموذج الإمبراطوري الياباني، ثمّ استعانوا بهم لإدارة المؤسّسات المحلّية في كوريا وتنفيذ سياسات طوكيو. كان هؤلاء كوريين، لكنّ وظيفتهم السياسية والإدارية جعلتهم يابانيين يحكمون بلادهم من الداخل لمصلحة قوّة خارجية.
تشبه هذه الصورة حال العراق اليوم في علاقته بإيران من دون أن تتطابق معها؛ فاليابان كانت قوّة احتلال مُعلَنة تدير كوريا استعمارياً بصورة مباشرة. أمّا في العراق، فالدولة قائمة دستورياً، والانتخابات تُجرى، والحكومات تتعاقب، لكنّ المليشيات الموالية لإيران تستطيع اختراق مؤسّساتها والتحكّم في جزء من القرار الأمني من داخل النظام نفسه.
ربّما يكون النموذج الأقرب ما جرى في تشيكوسلوفاكيا بعد الحرب العالمية الثانية. بين عامي 1945 و1948، شارك الحزب الشيوعي في الحكومة والبرلمان ضمن نظام تعدّدي ظاهرياً، لكنّه استثمر علاقته بالاتحاد السوفييتي للسيطرة تدريجياً على وزارة الداخلية والشرطة وأجهزة الأمن، واحتفظ بمليشيات حزبية تتدخّل حين تعجز الآليات الدستورية عن تحقيق غاياته.
تدريجياً وباستخدام مؤسّسات الدولة، وضع الحزب قدماً في الحكومة وأخرى في المليشيا، واستمدّ شرعيته من الانتخابات، مع احتفاظه بقوّة مسلّحة وولاء استراتيجي لموسكو. وحين حاول خصومه إيقاف تمدّده داخل أجهزة الأمن، حرّك الشرطة والمليشيات والشارع حتّى فرض حكومته في انقلاب شباط 1948 وأنهى التعدّدية السياسية. يشبه هذا المسار ما حصل في العراق: دولة دستورية يُفرَّغ قرارها الأمني من مضمونه تدريجياً من خلال أحزاب مسلّحة ذات ظهير خارجي، تجمع بين المشاركة في الحكومة والقدرة على تعطيلها أو إخضاعها بالقوّة. لكنّ تشيكوسلوفاكيا شهدت حزباً مركزياً ومليشيا موحَّدة، فيما تتوزّع القوّة في العراق بين فصائل تتنافس على النفوذ والموارد، وتتضامن حين تُهدّد مصالحها أو علاقتها بإيران.
أمّا المثال الذي يكاد يتطابق مع الحالة العراقية فهو حزب الله في لبنان. والسبب في التشابه واضح جدّاً: إنّها إيران التي حاولت تكرار تجربتها اللبنانية في العراق بتوحيد المليشيات ضمن قوّة واحدة، لكنّها لم تنجح. وأسهمت التداعيات السياسية والأمنية منذ مقتل قاسم سليماني في تعطيل المشروع أو تعديله بما يلائم واقع العراق؛ فهو أكبر وأكثر ثراءً، كما ينعكس تنوّعه الاجتماعي بصورة مختلفة على العملية السياسية.
التعديل الأهمّ أنّ إيران اتّجهت، بدلاً من التعويل على فصيل واحد خالص الولاء، إلى تكثير المليشيات وإعادة تشكيل جماعات جديدة، أقلّ انغماساً في التعقيدات الاقتصادية والسياسية العراقية، وأكثر استعداداً لتنفيذ ما يُطلب منها. وهذا ما تردّد أخيراً في الأنباء عن جماعات متخصّصة في مهاجمة الخليج ودول عربية أخرى. وبذلك يصبح إنكار المليشيات المعروفة صلتها بالهجمات مفهوماً، فيما يؤدّي عقاب الجماعات الجديدة المتورّطة والفصائل القديمة غير المتورّطة، على حدّ سواء، إلى توحيد الصفّ المليشياوي وزيادة التعبئة المطلوبة إيرانياً.
لا يتعلّق الحضور المليشياوي في العراق بالسلاح وعدد الأفراد وحدهما، وإنّما بسردية تربط التراث الديني الشيعي بتصوّرات أيديولوجية حديثة وتفسيرات سياسية للمجريات على الأرض، وقنوات إعلامية وتعبئة في مواقع التواصل لنشر هذه السردية. لذلك، تتطلّب مواجهتها نشوء ما يمكن تسميته، استناداً إلى منطق إرنست غيلنر، “الضدّ النوعي” من داخل الحاضنة الشيعية. وقد يصحّ القول إنّ هناك اليوم أشكالاً متعدّدة لهذا الضدّ، لكنّها لم تملك القوّة الكافية، أو لم تنضج بعد لتتعامل مع المليشيات بوصفها خطراً على العراق، وما تزال تراهن على إمكان استيعابها وترويضها.
في المثالين الكوري والتشيكوسلوفاكي كان العامل الخارجي حاسماً. فقد أنهت هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية سيطرتها على كوريا، كما أدّى تراجع القبضة السوفييتية ورفع الحماية عن الأنظمة التابعة لموسكو إلى تسريع الانتفاضة الشعبية في تشيكوسلوفاكيا سنة 1989.
ومن المعطيات المتاحة، يبدو أنّ الوضع العراقي، حتّى مع وجود “ضدّ نوعي” شيعي مستعدّ لملء الفراغ الناجم عن تراجع المليشيات، لا يزال مرتبطاً بالعامل الخارجي. والرهان على تراجع القوّة الإيرانية المهيمنة أكبر من التعويل على بناء قوّة داخلية تزيح المليشيات وتفكّك سطوتها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى