
عندما كتبت قبل أيّام نصّاً مختصراً عن التغيّر المناخي في أوروبا، تردّدت كثيراً قبل نشره. فعالمنا، ومنطقتنا على وجه الخصوص، مشغولان بحرب ضروس تجاوزت آثارها ميادين القتال إلى الاقتصاد والطاقة وحياة الناس في كلّ مكان. وقلت في نفسي: أليس الحديث عن المناخ في مثل هذا الوقت ابتعاداً عن أولويات اللحظة؟ بل شعرت بشيء من الجرأة، وتوقّعت أن يعترض بعضهم قائلاً: ليس هذا وقته، فلدينا ما هو أشدّ إلحاحاً. لكنّني فوجئت بالعكس. فقد لقي النصّ تفاعلاً واسعاً، وتلقّيت رسائل واتصالات من متابعين طالبوني بكتابة مقال متكامل عن هذه الظاهرة. أدركت عندها أنّ التغيّر المناخي لم يعد شأناً مؤجّلاً إلى ما بعد الحروب والأزمات الاقتصادية، بل أصبح جزءاً من قلق الناس، لأنّ آثاره باتت تمسّ حياتهم وأمنهم واقتصادهم.
ولعلّ وجود الإنسان في مكان ما يجعله أكثر تفاعلاً مع أحداثه. وقد شاءت الظروف أن أقضي جزءاً من هذا الصيف في أوروبا، وهي القارة التي عرفتها جيّداً منذ سبعينيّات القرن الماضي سفيراً مقيماً وغير مقيم، وزائراً على امتداد عقود. جئت إليها هذا الصيف أستعيد صورتها التي بقيت في الذاكرة، فإذا بي أتابع عن قرب تغيّراً مناخياً واضحاً، وحرائق متلاحقة، وقلقاً أوروبياً يتسع يوماً بعد يوم.
كان المناخ المعتدل جزءاً من طبيعة الحياة الأوروبية، كما كانت المباني والمدن وأنماط العيش مصمّمة على أساسه
كانت أوروبا، كما عرفتها، قصّة نجاح اقتصادي، وملاذاً للباحث عن العمل، ووجهةً سياحيةً يقصدها العالم. وعندما عشت في باريس سفيراً لبلادي بين عامَي 1979 و1984، لم يخطر ببالي قط أن أسأل عن التكييف في منزل أو مكتب أو فندق، حتّى في ذروة الصيف. كان المناخ المعتدل جزءاً من طبيعة الحياة الأوروبية، كما كانت المباني والمدن وأنماط العيش مصمّمة على أساسه. أمّا اليوم، فقد تغيّر المشهد. أصبحت موجات الحرّ تتكرّر وتشتدّ، وغدا التكييف حاجةً ملحّةً في قارة لم تُبنَ مساكنها ومؤسّساتها وشبكات طاقتها على هذا الأساس. ولا يتعلّق الأمر بتركيب أجهزة في بعض البيوت، بل بإعادة تكييف مدن كاملة: مبانٍ قديمة، وفنادق، ومطاعم، ومتاحف، ومؤسّسات تجارية، ومرافق عامة، وشبكات كهرباء. وهذه عملية تتطلّب استثمارات هائلة، وتفرض على أوروبا أعباءَ جديدةً في وقت تواجه فيه أصلاً تحدّيات اقتصادية وتكاليف متزايدة في مجال الطاقة.
وكنت في صحبة أصدقاء أوروبيين، وطرحت عليهم فكرة أن أكتب مقالاً عن التغيّر المناخي في أوروبا. فرحّبوا بالفكرة، وعدّوها مساهمةً في تسليط الضوء على ظاهرة وصفوها بالخطيرة. وكان بينهم عدد من الشباب، وقد بدت عليهم الدهشة عندما أخبرتهم أنّني عشت في باريس سنواتٍ ولم تكن فكرة التكييف تخطر ببالي أصلاً. بدا لهم ذلك وكأنّه حديث عن زمن بعيد، مع أنّ بضعة عقود ليست زمناً طويلاً في عمر الأمم. ومن حديثهم أدركت حجم القلق الذي بات يحيط بهذه القضية. فهم لا ينظرون إلى التغيّر المناخي بوصفه أمراً بيئياً فحسب، بل خطراً يمسّ الاقتصاد والسياحة والاستثمار ونمط الحياة ذاته، ويضع أوروبا أمام كلفة يصعب تقدير حدودها. وقد رأى بعضهم أنّ هذا التحدّي لا يقلّ خطورةً عن الحروب أو الأزمات الاقتصادية الكُبرى؛ لأنّه لا يضرب قطاعاً واحداً، بل يفرض تغييراً واسعاً في البنية التي قامت عليها الحياة الأوروبية الحديثة.
ولم تكن هذه المخاوف نظرية. فقد شهدت إسبانيا وفرنسا واليونان، خلال هذا الصيف، حرائق واسعة، غذّتها الحرارة الشديدة والجفاف والرياح القوية، وأتت على مساحات شاسعة من الغابات، وأدّت إلى إجلاء أعداد كبيرة من السكّان، وألحقت خسائرَ بالطبيعة والممتلكات، وأثّرت في النشاط السياحي، واستدعت تعبئة موارد ضخمة لمواجهتها. وما كدت أفرغ من ترتيب أفكاري حتّى جاءت الأنباء عن امتداد الحرائق إلى مناطق قريبة من أثينا. وكأنّ الأحداث نفسها كانت تؤكّد أنّ ما سمعته من أصدقائي الأوروبيين لم يكن مبالغةً، بل تعبيراً عن واقع يتغيّر بسرعة، وعن خوف من ألّا تكون هذه الموجات طارئةً، بل بدايةً لمسار أشدّ قسوة.
وقد لفت نظري أيضاً خبر إرسال دولة قطر فِرقاً من رجال الإنقاذ للمشاركة في دعم جهود إسبانيا في مواجهة الحرائق. ولم أتعامل مع الخبر بوصفه خبراً عابراً، بل رأيته دليلاً على أنّ الكوارث المناخية لم تعد شأناً محلّياً، وإنّما أصبحت تحدّياً عالمياً، يستدعي تضامناً بين الدول كما يحدث في الكوارث الإنسانية الكُبرى.
وقد يظن بعضهم أنّ الحديث عن المناخ يبعدنا عن الحرب الدائرة في منطقتنا، غير أنّ الأزمة الراهنة، وما صاحبها من مخاوف على أمن الطاقة، وما ترتّب عليها من آثار اقتصادية على أوروبا، تؤكّد أنّ الحرب والطاقة والاقتصاد والمناخ لم تعد ملفّاتٍ منفصلةً، بل أصبحت حلقاتٍ في سلسلة واحدة، يؤثّر بعضها في بعض.
لم تعد أوروبا تنظر إلى المناخ بوصفه شأناً بيئياً، بل هاجس استراتيجي وخطر لا يقلّ عن الحروب أو الأزمات الاقتصادية
إنّ ما يحدث في أوروبا يدعو مَن لا يزالون يقلّلون من شأن التغيّر المناخي إلى إعادة النظر. كما يسلّط الضوء على الثمن الباهظ للتردّد في تنفيذ الاتفاقات الدولية ذات الصلة، أو التأخّر في توفير الموارد المالية اللازمة للتكيّف مع آثاره والحدّ من أخطاره. ولا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أنّ الدول الصناعية الكُبرى، التي كان لها النصيب الأكبر في مسيرة التصنيع والانبعاثات عبر عقود طويلة، تتحمّل في تقديري مسؤوليةً خاصّةً في مواجهة هذه الظاهرة، ليس بالاعتراف بها فحسب، بل بالإسهام بما يتناسب مع إمكاناتها ومسؤوليتها التاريخية في تمويل جهود التكيّف والحدّ من آثار التغيّر المناخي، ولا سيّما في الدول الأكثر تعرّضاً لأضراره.
ولعلّ من الخطأ أن ننظر إلى ما يجري في أوروبا وكأنّه شأن أوروبي خالص. فالتغيّر المناخي لا يعترف بالحدود، وما نشهده اليوم هناك ينبغي أن يدفعنا، في عالمنا العربي، وفي الخليج خاصّةً، إلى أن نمنح هذه القضية ما تستحقّه من اهتمام واستعداد، فالتحدّيات المقبلة ستكون مشتركةً، وإن اختلفت صورها من منطقة إلى أخرى.
لقد عرفتُ أوروبا وهي تبني ازدهارها، وتستقطب الباحثين عن العمل والسائحين من أنحاء العالم، وأراها اليوم تخوض معركةً لحماية هذا النجاح من تحدٍّ لم تكن مدنها ولا اقتصاداتها مهيّأةً له. ولا أدّعي أنّني أكتب بوصفي خبيراً في المناخ أو الاقتصاد، وإنّما بوصفي شاهداً عرف هذه القارّة بالأمس، ويعيش فيها اليوم، ويرى حجم التحوّل بعينه. وخرجت من هذه الزيارة بانطباع لم يفارقني: أنّ أوروبا لم تعد تنظر إلى المناخ بوصفه شأناً بيئياً، بل هاجس استراتيجي وخطر لا يقلّ عن الحروب أو الأزمات الاقتصادية؛ لأنّه يضع قدرتها على التكيّف أمام اختبار غير مسبوق، ويعرّض بنيتها الاقتصادية ونمط حياتها ومستقبل أجيالها لتحدّيات لا تحتمل الإنكار أو التأجيل.
المصدر: العربي الجديد






