هل تدار سوريا بسياسات تمييزية؟

عبد الرحيم خليفة

تتعدد أمراضنا الاجتماعية، ولعل أخطرها انحدار مستوى التفكير في القضايا الوطنية إلى اعتبارات مناطقية أو محلية، بحيث تصبح قراءة المشكلات محكومة بحدود الجغرافيا الضيقة، لا بمنظور وطني شامل، ويظهر ذلك في انزلاق بعض النخب والمثقفين إلى مقاربات لا تتجاوز حدود الحي الذي ينتمي إليه، أو الزقاق الذي يقطنه، عند تشخيص أزمات واقعنا المعقدة، بدل وضعها في سياقها الموضوعي قبل البحث عن حلولها، في واحدة من تجليات “سيكولوجية الإنسان المقهور”.

وفي كثير من الأحيان، يتحول النقد إلى خطاب شعبوي يفتقر إلى المنهجية، فيُوجَّه للدولة السورية اتهاماً باتباع سياسات تمييزية بين المحافظات دون الاستناد إلى وقائع أو أدلة كافية، وخلال مشاركتي في أحد البرامج التلفزيونية، وجّه أحد الضيوف هذا الاتهام صراحة، معتبراً أن بعض المناطق لا تنال ما تستحقه من اهتمام، وأن الإدارة الجديدة تواصل نهج النظام السابق في التمييز بينها.

كان الحوار ومنطلق هذه الاتهامات هو الحادث المروري الذي وقع على طريق دير الزور – دمشق، وأودى بحياة 35 شخصاً إضافة إلى عدد كبير من الجرحى والمصابين، وهو ما أدى إلى ردود فعل غاضبة من أبناء المحافظة، وعموم المنطقة الشرقية، على وسائل التواصل الاجتماعي.

السؤال: هل توجد بالفعل سياسات تمييزية ممنهجة؟ وهل تعاني بعض المناطق من مظلومية خاصة بسبب توجهات الدولة، أم أن ما نراه هو انعكاس لتعقيدات المرحلة الانتقالية وإرث سنوات طويلة من الحرب والانهيار؟ إن الادعاء بوجود سياسات تمييزية ليس اتهاماً عابراً، بل يعني أن الإدارة الجديدة تنتهج سياسات غير وطنية، وهو استنتاج مجحف يحتاج إلى أدلة واضحة، خاصة أن الإدارة تعلن سعيها إلى بناء مؤسسات وطنية تقوم على مبدأ المساواة بين المواطنين، بعيداً عن أي تمييز مناطقي أو طائفي.

كما أن هذا الطرح يوحي، بصورة غير مباشرة، بأن شيئاً لم يتغير بين مرحلة حكم النظام السابق والمرحلة التي أعقبت تضحيات ملايين السوريين، وهو حكم لا ينبغي التسليم به دون براهين موضوعية.

وفي المقابل، فإن تحميل الدولة مسؤولية جميع الاختلالات يتجاهل التركة الثقيلة التي خلّفها النظام السابق، وما سببه من انهيار اقتصادي وإداري وخدمي، فضلاً عن التحديات التي تواجه أي عملية انتقال وإعادة بناء، كما يغفل آثار العقوبات والعزلة التي كبّلت الدولة سنوات طويلة، ولا تزال تلقي بظلالها على إمكانيات الإدارة الجديدة.

لا شكّ أن لكل السوريين مظلومياتهم الخاصة، وهذا أمر لا يمكن إنكاره، لكن القضية ليست في المزايدة على حجم المظلومية، بل في تحويلها إلى مدخل لحلول عادلة وعملية، بعيداً عن الاتهامات المسبقة والانقسامات المناطقية التي لا تخدم إلا تعميق الشرخ الوطني.

ومن المهم أيضاً أن نتذكر أن عمر الإدارة الجديدة لا يزال قصيراً، ومن المبكر الحديث عن سياسات مستقرة ونهائية، أو إصدار أحكام قاطعة بشأنها، فلا تزال مؤسسات الدولة في طور إعادة البناء، وتواجه تحديات استثنائية تتطلب وقتاً وجهداً قبل أن تستقر ملامحها بصورة كاملة.

إن النقد حق لا غنى عنه، لكنه يفقد قيمته عندما يتحول إلى أحكام مسبقة لا تستند إلى أدلة، فيما المطلوب هو نقد مسؤول وموضوعي يقرأ الواقع في سياقه، بعيداً عن الانفعال أو الشعبوية. سوريا اليوم بحاجة إلى خطاب وطني يجمع ولا يفرق، ويُخضع الوقائع للتحليل المتوازن، ويمنح المرحلة الانتقالية فرصة عادلة قبل إطلاق الأحكام النهائية. فلنتروَّ في إطلاق الأحكام والاتهامات، ولنجعل المصلحة الوطنية هي البوصلة التي توجه مواقفنا وقراءتنا للواقع.

المصدر: صحيفة الثورة السورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى