بحر قزوين ينضم إلى الميادين السابقة للحروب

بسام مقداد

الهجوم الذي شنته أوكرانيا على سفن إيرانية في بحر قزوين في 15 المنصرم، فجّر اشتباكاً دبلوماسياً بين الدولتين، وفيضاً من التوقعات بتوسيع جغرافية الحرب لتشمل القارتين الأوروبية والآسيوية. وبعد قصف ميناء دمياط في مصر أواخر الشهر المنصرم، انضمت إفريقيا أيضاً إلى القارتين السابقتين. وهذا التوسع الجغرافي المتسارع لرقعة الحربين الأوكرانية والإيرانية اللتين تجريان في ظل الصراع الأكبر على ريادة العالم بين كل من الصين وروسيا من جهة والولايات المتحدة والغرب من جهة أخرى، يعزز المخاوف من تحولهما إلى حرب عالمية ثالثة.

بحر قزوين الذي كان حتى الآن بحيرة داخلية معزولة تتقاسم النفوذ عليه الدول الخمس الموجودة على سواحله، حوله القصف الأوكراني للسفن الإيرانية، ولأول مرة، إلى نقطة تقاطع بين الحروب الإقليمية والصراعات الدولية. وانضمام قزوين إلى البحار الأخرى، الأسود والأحمر والمتوسط والخليج العربي، إضافة إلى مأزق هرمز واحتمال إقفال باب المندب، يطرح السؤال ما إن كانت خطوط النقل البحرية العالمية قد أصبحت ساحة الحرب الجديدة.

إضافة إلى هذا السؤال المطروح على جميع الأطراف المنخرطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالحربين الأوكرانية والإيرانية، يطرح حدث بحر قزوين أسئلة محددة على كل من إيران وروسيا. فقد تحولت إيران من مورد للسلاح لروسيا في حربها على أوكرانيا، إلى ساحة عمليات لهذه الحرب، إذ قد تتحول خطوط تجارتها الخارجية وإمداداتها عبر قزوين إلى أهداف دائمة للقصف. وعلى الرغم من عدم وجود تحالف عسكري رسمي مع روسيا، قد تجد الأخيرة نفسها مضطرة إلى حماية خطوط النقل مع إيران واعتبار هذه الحماية جزءاً من أمنها القومي. كما قد تجد نفسها مضطرة لزيادة وجودها العسكري في هذا البحر، تحسباً لاحتمال مواجهة خطرتوسيع الضربات الأوكرانية للبنية اللوجستية الروسية خارج البحر الأسود. وأكدت صحيفة الكرملين vz في 29 المنصرم أن وزارتي الدفاع في كل من روسيا وإيران على تواصل دائم بشأن الوضع في بحر قزوين.

من الطبيعي أن تبدي روسيا اهتماماً متزايداً في حادثة بحر قزوين، فالضجة السياسية والإعلامية التي أثارتها الحادثة تتعلق بعدوها الأوكراني الذي تخوض معه حرباً منهكة منذ أربع سنوات ونيف، بعد أن كانت تراهن على هزيمته خلال 72 ساعة.

في هذا السياق قامت وكالة نوفوستي، عملاق البروباغندا الروسية إلى جانب RT، بنشر مقالة في 30 المنصرم للمعلق السياسي البارز فيها بيوتر أكوبوف (كانت له إطلالات عديدة في “المدن” قبل حظرها في روسيا إثر غزو أوكرانيا في العام 2022). عنون المعلق نصه بالقول: “حربان في واحدة: إستدراج آسيا وأوروبا إلى الحرب”.

يستهل المعلق نصه باتهام الرئيس الأوكراني بجنون العظمة، ويقول إن لدى زيلينسكي طموحات عالمية، وكلما طال أمد الحرب الأوكرانية، ازدادت مظاهر هذا المرض النفسي. وهدف زيلينسكي ليس إنقاذ أوكرانيا، بل إقناع العالم بأن روسيا تشكل تهديدًا للجميع، وأنه لذلك لا بد من تشكيل جبهة موحدة لمواجهتها: إنقاذ العالم بأسره من روسيا وحلفائها في ما يُسمى “محور الشر”. ويرى أن زيلينسكي يكرر الخطاب التقليدي للتيارات الغربية المعادية لروسيا. لكن عندما تقترن الدعاية باستفزازات ميدانية، يصبح من الواضح، برأيه، أن الرئيس الأوكراني لا يعرف أي حدود لكبح تصرفاته. ولا يقتصر الأمر هنا على الهجمات التي تصفها موسكو بأنها أعمال إرهابية داخل روسيا، بل يتعداه إلى محاولات توسيع رقعة العمليات العسكرية، وعلى نطاق عالمي.

أشار أوكوبوف إلى القصف الأوكراني للباخرة (البواخر) الإيرانية، وقال إن زيلينسكي صرح في اليوم عينه بأن كوريا الشمالية تستعد لإرسال 30 ألف مقاتل إلى الجبهة الأوكرانية. وفي تفنيده لما جاء في تصريح زيلينسكي، يعترف أوكوبوف بمشاركة الكوريين الشماليين في الحرب ضد أوكرانيا، لكن في العام 2025، وباعداد لا تزيد عن 10 آلاف، ولم يقاتلوا في المناطق الأوكرانية التي ضمتها روسيا إليها.

ينفي أوكوبوف حاجة روسيا إلى المقاتلين الكوريين الشماليين الآن، وأشار إلى تصريح لزيلينسكي، ورأى أن الرئيس الأوكراني أراد أن يقول إن روسيا تساعد كوريا الشمالية على خوض الحرب وتطوير أسلحتها، وتنقل إليها الخبرة العملية باستخدامها. وكل هذا يمثل تهديداً لكل من يتواجد في مدى الصواريخ الكورية الشمالية في آسيا. ويرى أن الغاية من ذلك، هي إفهام اليابان وكوريا الجنوبية أن أوكرانيا تحارب الآن عدوهم الرئيس، وأن عليهما أن يقدما كل المساعدات الممكنة.

صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية، وكما نقلت عنها في 29 المنصرم وكالة الأنباء الإسرائيلية الناطقة بالروسية cursor، تتخوف من أن يؤدي الوضع بين أوكرانيا وإيران إلى حرب عالمية ثالثة. وتشير إلى أن محللين يرصدون تقاربًا خطيرًا بين أربع دول، هي: موسكو وبكين وطهران وبيونغ يانغ، التي تشكل ما يُسمى “محور الخصوم”.

رأى المحلل في الصحيفة غيديون راخمان أن النزاعات المسلحة في أوكرانيا والشرق الأوسط وآسيا، لا يزال كل منها يدور في مسار مستقل نسبيًا، غير أن ثمة خطرًا حقيقيًا يتمثل في تحولها إلى صراع عالمي واحد. وأثار هذه المخاوف الحادثٌ الذي وقع مؤخرًا في بحر قزوين، عندما استهدفت القوات الأوكرانية سفنًا إيرانية كانت تنقل شحناتٍ مخصصة للجيش الروسي. وكانت هذه أول مواجهة مباشرة بين كييف وطهران.

أشار المحلل إلى أن الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي سبق أن وصف إرسال وحدات كورية شمالية إلى جبهة الحرب الروسية الأوكرانية بأنه “الخطوة الأولى نحو حرب عالمية”. ويرى أن المواجهة مع إيران تمثل الآن مرحلةً ثانية مماثلة من التصعيد. وقال بأن دول “محور الخصوم” يجمعها هدفٌ استراتيجي مشترك، يتمثل في تسريع وتيرة إضعاف النفوذ الأميركي وترسيخ هيمنتها في مناطقها الإقليمية. وفي المقابل، تؤدي الخلافات الداخلية في المعسكر الغربي، بما في ذلك موقف ترامب غير القابل للتنبؤ به والعزلة التي تواجهها إسرائيل، إلى تعقيد الجهود الرامية إلى تشكيل جبهة موحدة للتصدي لهذا التحالف.

في تفسيره للهدف الأوكراني من قصف السفن الإيرانية في بحر قزوين، رأى راخمان أنه، بالإضافة إلى الانتقام من إيران بسبب تزويدها روسيا بالطائرات المسيّرة الهجومية، تسعى أوكرانيا إلى قطع طريق لوجستي ونفطي بالغ الأهمية، يساعد طهران على الالتفاف على العقوبات ودعم اقتصادها. كما تحاول أوكرانيا أن تُبرز أمام واشنطن العلاقة العسكرية الوثيقة بين روسيا وإيران، من أجل تعزيز مكانتها لدى الإدارة الأميركية.

على الرغم من أنه ما من تحالف عسكري رسمي بين دول “محور الخصوم”، إلا أن تنسيقها الخفي يلعب دورًا حاسمًا، برأي راخمان. فالصين تساعد روسيا على استعادة قدراتها العسكرية بوتيرة أسرع، كما تزود إيران ببيانات من الأقمار الصناعية ومكونات ذات استخدام مزدوج. ويبقى العامل الأخطر، برأيه، هو سعي بكين إلى إزاحة الولايات المتحدة عن موقع الزعامة العالمية. ورغم أن واشنطن وبكين تحاولان تجنب المواجهة المباشرة، فإن المسار الحالي يخلق أسبابًا جدية للقلق.

قد يصح ما يراه البعض في حادثة بحر قزوين من أنها قد لا تكون مجرد عملية عسكرية ناجحة أو فاشلة، بل قد تمثل لحظة انتقال نوعية في طبيعة الصراعات المعاصرة. فالحروب لم تعد محصورة داخل حدود الدول أو الجبهات التقليدية، وإنما باتت تنتقل مع طرق التجارة وسلاسل الإمداد والموانئ. وإذا استمر هذا المسار، فإن السؤال لن يكون أين تدور الحرب، بل أي الممرات الاقتصادية ستكون ساحة المواجهة التالية.

 

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى