عراقجي و”الثقة الوظيفية”

  إبراهيم فريحات

تناقلت وسائل إعلام عن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قوله إن بلاده لا تعتبر دول الجوار أعداء لها، وإن تحرّكاتها موجهة ضد الولايات المتحدة، مؤكداً أنها تعتزم، بعد انتهاء الصراع، مواصلة الحوار مع دول الجوار والعمل على “إعادة بناء الثقة” معها. وليست أهمية هذه التصريحات فقط في حديث صاحبها عن إعادة بناء الثقة، وإنما في إقراره الضمني بأن الحرب أحدثت أزمة ثقة حقيقية بين إيران ودول الجوار، خصوصاً دول الخليج. فإعادة البناء تعني، في جوهرها، أن رصيداً من الثقة كان موجوداً قبل الحرب ثم تعرّض لضررٍ خلالها، خصوصاً بعد انتقال آثار المواجهة العسكرية إلى البيئة الخليجية. وهذا بحد ذاته تحوّل مهم في توصيف طهران علاقتها بجيرانها.

يحاول عراقجي أيضاً إعادة تعريف حدود الصراع: خصم إيران، وفق روايته، هو الولايات المتحدة وليس دول الجوار. وهذه الرسالة مهمّة لأنها تعكس، على الأرجح، قلقاً إيرانياً يتجاوز الحرب الحالية إلى شكل البيئة الأمنية الإقليمية التي ستنشأ بعدها. فالحروب تنتهي، لكن آثارها الأمنية قد تستمر سنواتٍ أو عقوداً، وأن على إيران التعايش معها بحلوها ومرّها.

من المنظور الايراني، يكمن الخطر في أن تخرج دول الخليج من الحرب وهي أكثر قلقاً تجاه إيران وأقلّ ثقة بها، فتتجه إلى بناء ترتيبات أمنية وعسكرية أكثر صرامةً لاحتوائها مما كان عليه الحال قبل هذه الحرب. عندها قد تجد إيران نفسها، حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية، في بيئة إقليمية أكثر عدائيةً مما كانت عليه قبل الحرب، فالتخوّفات الأمنية التي سادت قبل الحرب تحولت الى صواريخ طائرة تتساقط في أنحاء الخليج خلال الحرب. ولذلك لا يتحقّق الأمن الاستراتيجي الإيراني فقط من خلال القدرة على مواجهة الهجوم العسكري الأميركي عليها حالياً، بل أيضاً بوجود بيئة إقليمية أقل عدائية تجاه طهران، ولذا إعادة بناء الثقة بعد انتهاء الحرب ضرورية للأمن الإيراني، كما توحي به تصريحات سيد الدبلوماسية الإيرانية.

بناء الثقة عملية تراكمية تبدأ في أثناء الصراع، ثم تتعمق وتتحوّل إلى ترتيبات أكثر استدامة بعده

ولكن هنا تظهر الإشكالية الأساسية في تصريحات عراقجي: لماذا تنتظر إيران انتهاء الحرب لكي تبدأ إعادة بناء الثقة؟

فإجراءات بناء الثقة المتعارف عليها عالمياً في مناطق الصراع لا تأتي بالضرورة نتيجة للسلام بعد تحقيقه، وإنما بالعادة تكون أداة للوصول إليه وإدارة الطريق نحوه. وتزداد أهميتها تحديداً عندما تكون الثقة السياسية شبه معدومة. ففي أثناء الحرب، لا يكون الهدف بناء علاقات ودّية أو تحقيق المصالحة، وإنما منع سوء الحسابات، واحتواء التصعيد، ووضع حدود لسلوك الأطراف، وإثبات النيات من خلال أفعال قابلة للاختبار، فيتم اللجوء الى إجراءات بناء الثقة للتغلّب على هذه الحسابات التي قد تشعل الصراع. أما إذا أُجّل ذلك كله إلى ما بعد الحرب، فمن الطبيعي أن تتساءل دول الخليج: لماذا ينبغي لنا أن نثق بالتطمينات الإيرانية في حين أنها لن تكون مقرونة بالفعل خلال الحرب.

لهذا السبب، بناء الثقة عملية تراكمية تبدأ في أثناء الصراع، ثم تتعمق وتتحوّل إلى ترتيبات أكثر استدامة بعده. وفي هذا السياق، يمكن الحديث عن مفهوم مهم، “الثقة الوظيفية” (Functional Trust). والمقصود بها ببساطة إيجاد نوع من التنظيم للخصومة في أثناء الحرب، وبناء حد أدنى من القدرة على توقع سلوك الطرف الآخر في قضايا عملية ومحدّدة، من دون اشتراط حل الخلافات الاستراتيجية أو إنهاء الصراع. أي أن تثق الأطراف المتنازعة بعضها ببعض بالقدر الذي يسمح لها بالتعاون أو الالتزام بقواعد محددة في ملفات معينة، حتى لو استمر الصراع بينها ولم تتحقق المصالحة. وهنا أيضاً ينبغي التمييز بين “الثقة” (Trust) المرتبطة بالاطمئنان للنيات والعلاقة السياسية الأوسع، و”الثقة” (Confidence) المرتبطة بإمكانية توقع السلوك: هل سيلتزم الطرف الآخر بما تعهّد به في مسألة محدّدة أم لا؟

ما تحتاج إليه إيران ودول الخليج هو الثقة بأن الطرف الآخر سيلتزم بقواعد محددة متفق عليها بين الطرفين لإدارة الخصومة ومنع توسعها

يمكن تطبيق هذا النوع من الثقة الوظيفية بين إيران وجيرانها العرب في أثناء الحرب على عدّة مستويات، مرتبة بحسب درجة صعوبتها: أولاً، تحييد المنشآت والبنية التحتية المدنية عن الصراع، والالتزام بعدم استهداف محطات المياه والكهرباء والمستشفيات والمطارات والموانئ والمنشآت الدبلوماسية. هذه قاعدة يجب احترامها أصلاً وفق القانون الدولي الإنساني، لكنها، في الوقت نفسه، توفر معياراً واضحاً يمكن من خلاله اختبار الالتزام وضبط التصعيد. ويمثل الالتزام بها شكلاً من اشكال الثقة الوظيفية.

ثانياً، فصل العلاقات الخليجية-الإيرانية قدر الإمكان عن الحرب الأميركية الإيرانية. خصم إيران هو الولايات المتحدة كما يؤكد عراقجي لا دول الخليج، وهذا الفهم يساعد على إيجاد نقطة انطلاق باتجاه الفصل ما بين العلاقتين. فلا تنظر إيران إلى جيرانها باعتبارهم امتداداً لخصمها الأميركي وبالتالي تتوقف عن مهاجمتهم، وفي المقابل، يتم العمل على تفاهمات قابلة للتحقق لطمأنة إيران بعدم استخدام أراضي دول المنطقة لشن هجمات عليها.

ثالثاً، يمكن بناء ترتيبات وظيفية حول مضيق هرمز من دون انتظار حل الخلاف الاستراتيجي بشأن أمن المضيق والسيادة عليه. وقد تشمل هذه الترتيبات إخطاراً مسبقاً ببعض التحركات، وممرّات آمنة، وآلية اتصال بحري مباشر، وضمانات بعدم استهداف سفن دول المنطقة. وقد تحدّث عراقجي نفسه سابقاً عن ضرورة أن يكون هرمز “ممرّاً مائياً سلمياً”، في وقت طالبت فيه دول خليجية بأن تكون جزءاً من أي ترتيبات تتعلق بمستقبل المضيق.

التصريحات وحدها غير كافية لإحداث تحوّل في العلاقات الإقليمية ما لم ترتبط بأفعال وإجراءات عملية يمكن اختبارها على الأرض

رابعاً، والأهم، الانتقال من الأقوال إلى إجراءات قابلة للتحقق. فبدلاً من الاكتفاء بإعلان الرغبة في إعادة بناء الثقة بعد الحرب، تستطيع إيران تقديم التزامات محددة لفترة أسبوعين أو شهر مثلاً: عدم مهاجمة دول الخليج، وعدم تهديد البنية المدنية، والإخطار بالحوادث البحرية، والالتزام بقنوات اتصال لمنع سوء الفهم. وفي المقابل، تتخذ دول الخليج إجراءات مقابلة، وتحديداً للتأكّد من عدم استخدام أراضيها لمهاجمة إيران، وهو موقف أعلنته دول الخليج رسمياً بأنها ليست جزءاً من هذه الحرب، ولا تستخدم أراضيها لمهاجمة إيران. وهكذا تصبح عملية بناء الثقة تدريجية وتبادلية وقابلة للقياس.

في الحقيقة، لا تحتاج إيران ودول الخليج أثناء الحرب إلى أن تثق إحداهما بالنيات الاستراتيجية للأخرى؛ فهذا هدف طموح وغير واقعي في ظل الصراع. ما تحتاج إليه هو الثقة بأن الطرف الآخر سيلتزم بقواعد محددة متفق عليها بين الطرفين لإدارة الخصومة ومنع توسعها. ولذلك، يضع إعلان عراقجي أن إيران ستعمل على إعادة بناء الثقة بعد الحرب أمام طهران مهمّة أكثر إلحاحاً الآن: بناء الحد الأدنى من “الثقة الوظيفية” مع دول الجوار في أثناء الحرب نفسها. فهذه الثقة يمكن أن تشكل القاعدة التي تُبنى عليها ترتيبات أمنية وسياسية أوسع بعد توقف القتال. بناء “الثقة الوظيفية” مع دول الجوار الآن فرصة لإيران للانخراط مع جيرانها في الخليج بعد الحرب لبناء ثقة استراتيجية، وإهدار هذه الفرصة الآن سيجعل من مهمته أصعب للغاية مستقبلاً.

وفي النهاية، تبقى التصريحات وحدها غير كافية لإحداث تحوّل في العلاقات الإقليمية ما لم ترتبط بأفعال وإجراءات عملية يمكن اختبارها على الأرض. الثقة السياسية قد تنتظر نهاية الحرب، أما الثقة الوظيفية فيجب أن تبدأ في أثنائها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى