سبتة بين التاريخ والجغرافيا والخبث الإسرائيلي

جيرار ديب

أعلنت إسبانيا، مساء الجمعة 31 الشهر الماضي (يوليو/ تموز)، انتهاء تدفق عشرات آلاف المهاجرين إلى مدينة سبتة. وقال وزير الخارجي الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، إن جميع المهاجرين الذين وصلوا إلى سبتة “تقريباً” عادوا الآن إلى المغرب، معلناً الانتهاء الفعلي للأزمة بعد تدفق ما لا يقل عن 50 ألف شخص.

يحتاج ألباريس إعلان هذا، فالرجل يعمل جاهداً على إصلاح خطين: الأول، داخلي. وهناك تخوف جدّي من إسقاط حكومة بيدرو سانشيز، الذي يتولى المنصب منذ 2018، بعد خروج مظاهرات ندّدت بسياسات حكومته. وخارجيّ بعدما سارعت دول الجوار الأوروبي إلى المطالبة بعزل إسبانيا عن أوروبا من خلال فكّ الارتباط باتفاقية شنغن بسبب الأزمة، كما طالبت ونفذت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني مباشرة بعد مشاهد الاقتحام هذه.

“تقريباً”، بهذه العبارة حاول خوسيه استيعاب أزمة ليست ظرفيّة على ما يبدو، في الوقت الذي يشاهد العالم دخول الآلاف برّاً وبحراً وربما جوّاً، وانتشارهم داخل المدينة، على نحوٍ سريع ومنظم. هذا ما قد يأخذ بعضهم للاعتقاد بأنّ كلمة “تقريباً” التي ذكرها، تؤكد أنّ الأزمة طويلة، وتتداخل فيها عناصر الجغرافية والتاريخ، إضافة إلى عنصر المؤامرات، تحديداً الإسرائيلية.

أعادت موجة العبور الجماعي أخيراً إلى إسبانيا ملفَّ سبتة ومليلية إلى واجهة الأحداث، إثر عبور نحو 50 ألف مهاجر، وغرق ما لا يقل عن 34 شخصاً في السواحل المغربية يوم 30 الشهر الماضي (يوليو/ تموز). هذا الملف الذي ارتبط بسقوط بني الأحمر عام 1415 على يد البرتغاليين، إذ ضمّت سبتة إلى مستعمراتها، وظلت تحت هذا الحكم إلى عام 1580 عندما قامت إسبانيا بضم المدينتَين إلى ملكيتها.

يعتبر بعضهم أن تحرّك آلاف المهاجرين بهذه الطريقة المتناسقة والسريعة ليس عفوياً، بل هو مدروس أو على الأقل فإنّ الأرضية مهيأة له، ما دام المغرب لم يزل يعتبر المدينتَين من أراضيه، وأنّ الوجود الإسباني يعتبر من مخلفات الاحتلال المتوارث. لهذا وضع بعضهم هذه الموجة تحت خانة “الاستفاقة المغربية”، التي عملت على الاستفادة من عاملين: يرتبط الأول بالفوضى العارمة في منطقة الشرق الأوسط، وانشغال أوروبا في حرب أوكرانيا، كي تقدم الرباط على “جسّ النبض” في عملية تسهيل مرور الآلاف إلى المدينتَين في محاولة وضع مدريد تحت الأمر الواقع.

الأزمة طويلة، وتتداخل فيها عناصر الجغرافية والتاريخ، إضافة إلى عنصر المؤامرات، تحديداً الإسرائيلية

ليس هذا وحسب، فحكومة بيدرو سانشيز تتعرّض لهجوم مزدوج أميركي إسرائيلي على خلفيات مواقفها الصارمة تجاه إسرائيل وما تفعله الأخيرة في قطاع غزة ومطالبة دول الاتحاد الأوروبي بوقف التعامل مع تل أبيب. لكن موجات الهجرات جاءت بنتائج عكسية، تمثلت في مطالبة دول أوروبية، منها بولندا، بعزل الاتفاقيات مع إسبانيا وتعليقها. هذا في وقتٍ تتعرض إسبانيا فيه لأعنف هجوم ترامبي وصل إلى حدَّ المطالبة بطردها من حلف شمال الأطلسي (الناتو).

لا تخلو القضية من مؤامرة، فما كتبه وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، بطريقة ساخرة، على منصة “إكس”، يؤكد هذا. إذ دعا حكومة سانشيز التي تفتح أبوابها للمهاجرين بهدف إيجاد التنوع البشري، إلى استقبال هجرات الغزّيين لتحقيق ذلك. تقاطع هذا مع دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتكرّرة التي دعا فيها إلى ترحيل الغزّيين إلى مناطق مثل أرض الصومال أو المغرب في تلميح واضح إلى سبتة ومليلية.

تعدّ سبتة مدينة ذات حكم ذاتي تديرها إسبانيا، وتشكل إضافة إلى مليلية جيباً إسبانيّاً

“تقريباً” التي قالها وزير الخارجية الإسباني تعني أنّ الأمور ذاهبة نحو عدم الحلّ، وأنّ الاندفاع الواسع للمهاجرين لا يعني أنّ الأمور ستسير على ما يرام. فالموضوع يتخطى لمن يعود حق ملكية المدينتَين، ليصل إلى إسقاط الحكومة وهذا هدف تل أبيب وواشنطن حتماً من إسكات معارض آخر بعد سقوط حكومة كير ستارمر البريطانية في وقت سابق من الشهر الماضي. وربما يصبّ هذا في مصلحة الرباط، على اعتبار أنها ستعيد مناطق حيوية تربط أفريقيا بأوروبا عبر مضيق جبل طارق. هذا ما يحتاجه اليوم المغرب في وقت يغرق فيه العالم في حروب المضائق مع تصاعد الحديث عن الاستفادة من الضرائب من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب، ولِمَ لا يكون مضيق جبل طارق كذلك تحت حكم مغربي؟

تعد سبتة مدينة ذات حكم ذاتي تديرها إسبانيا، وتشكل إضافة إلى مليلية جيباً إسبانيّاً في شمال أفريقيا. يشكل الموقع الجغرافي مجالاً في تحديد أمن الدول القومية، وعالمنا يشهد موجة واسعة من المطالبة بـ”الضم”؛ فالحرب الأوكرانية وعملية ضمّ مقاطعات أوكرانيا، والصين وسعيها لضم جزيرة تايوان، ومطالبة واشنطن بضمّ جزيرة غرينلاند، وربما تركيا لجزيرة قبرص، فهل سيكون الضم المغربي تحت غطاء دعم أميركي وتشجيع إسرائيلي استعداداً لموجات “الترانسفير” من غزّة؟ أم أنّ العملية لا تعدو ردّة فعل جماهيرية غاضبة على زمن الاستعمار الإسباني؟

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى