ثمن الفراغ السياسي

معقل زهور عدي

للوهلة الأولى تشعر السلطات السياسية في العالم الثالث بالارتياح حين تتسلم بلدا يتصف بحياة سياسية فقيرة أو معدومة حيث لا وجود لأحزاب سياسية ولا لنقابات ذات حضور اجتماعي – سياسي ولا لبرلمان منتخب قادر على التأثير الفعلي في السلطة التنفيذية، وحيث النخب السياسية معزولة عن المجتمع تعيش في أبراجها العاجية.

من حيث المظهر يبدو كل شيء هادئا، وتبدو البلاد حديقة مهذبة الحشائش والأشجار.

تخفي هذه الصورة أزمة كامنة تتفاعل لتنفجر فجأة كما تنفجر البراكين وتطيح بكل المشهد دون مقدمات.

فالفراغ السياسي قنبلة موقوتة , فهو يظهر صورة مزيفة تغري بالحرص على إبقائه ومنع تغييره , ويمنح قوى اجتماعية تنتمي للماضي وتتصف بانعدام الوعي العصري الفرصة لتستعيد بناء شبكات اجتماعية غير مرئية وبالتالي لاتتيح للمجتمع معرفة ماهيتها وأهدافها , ولا تتيح للسلطات معرفة مدى فعاليتها وخطرها .

بالنسبة للمجتمع ذاته فهي يمكن أن تشكل مراكز استقطاب اجتماعي سياسي في ظل عدم وجود خيارات سياسية واضحة تعمل ضمن أطر شرعية وعصرية .

تستثمر مراكز الاستقطاب هذه في ضعف الوعي والمشاركة السياسية للمجتمع , وتستعيد أفكارا شعبوية وعاطفية بلباس ديني تارة وبلباس طائفي أو عشائري تارة أخرى . وفي مرحلة لاحقة قد تتحول إلى خزان للعنف .

تبدو الحياة السياسية وكأنها عامل انقسام ضمن المجتمع , لكنها في أسوأ حالاتها تظهر على السطح الانقسامات الموجودة أصلا والتي تحتاج لمعالجتها , كما تفتح الطريق لذلك عبر النقاشات العلنية والحوار الوطني , وهي تحصن المجتمع ضد استقطابات ماقبل وطنية يمكن أن تنفجر في أي وقت .

إنها تقدم للجيل الجديد أقنية مكشوفة للمشاركة في السياسة بصورة شرعية وعصرية وبذلك فهي تضع أفكارها وممارساتها أمام النقد والمراجعة واستخدام العقل الذي هو أثمن منحة منحها الله لللانسان .

وفي المقابل تبحث القوى الأخرى التي تعمل تحت الأرض عن الأفكار والنزعات التي تثيير الغرائز والتعصب ونزعات مثل الثأر والانتقام والخوف من الآخر والكراهية المنتزعة من التاريخ البعيد . كغذاء لصناعة شبكاتها ووجودها الاجتماعي .

الحياة السياسية تعني الخروج للعمل فوق الأرض وتحت الشمس , وهذا بحد ذاته ضمان للسلم الاجتماعي ومحاربة الحياة السياسية لاتعني إنهاء وجود التيارات السياسية في المجتمع ولكنها تعني إتاحة الفرصة للقوى التي يناسبها العمل تحت الأرض للنشوء والتمدد بانتظار الفرصة لتنفجر فجأة في وجه المجتمع والسلطة في لحظة غير متوقعة.

إنه المظهر الكاذب للاستقرار السياسي والهدوء الذي يخفي وراءه الأزمات.

استقرار المجتمعات المتقدمة يعود إلى وجود حياة سياسية منظمة وفاعلة، ومهما تعرض النظام السياسي هناك للنقد، أو حدثت اضطرابات اجتماعية فالنظام السياسي قادر على احتوائها بفضل المؤسسات الديمقراطية والحياة السياسية.

لكن في دول العالم الثالث يعيش الناس بين حدين هدوء صامت مطلق أو انفجار يمكن أن يتحول للعنف ويدمر أسس المجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى