الزيدي بين الرياض والحشد وواشنطن

فارس الخطاب

لم يكن إلغاء رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي زيارته (المرتقبة) الرياض مجرّد تعديل في جدول الأعمال الدبلوماسي، بل جاء إعلاناً لدخول العراق مرحلةً سياسيةً وأمنيةً أكثر تعقيداً بعد الغارات الجوّية المشتركة التي نفّذتها الولايات المتحدة والسعودية، واستهدفت مواقعَ تابعةً للحشد الشعبي في عدّة محافظات عراقية، في تطوّر غير مسبوق في طبيعة المواجهة الإقليمية داخل الأراضي العراقية.

كان الزيدي يستعدّ لزيارة تحمل أكثر من عنوان، فالعلاقات العراقية السعودية شهدت، عقب تولّي الزيدي رئاسة الحكومة، مؤشّرات تقارب سياسي واقتصادي وأمني بين البلدَين، كانت الرياض خلالها تنتظر من بغداد خطوات أكثر وضوحاً في موضوع منع استخدام الأراضي العراقية منصّةً لاستهداف دول الجوار، وخصوصاً السعودية – الخليجية، لكن استمرار هذه الاستهدافات ثم الغارات الأميركية – السعودية غيّرت كلّ شيء.

وجد الزيدي نفسه أمام معادلة لا يُحسد عليها. فمن جهة، هو رئيس حكومة يسعى إلى بناء علاقات متوازنة مع دول الجوار وأهمها السعودية وتركيا، إضافة إلى الولايات المتحدة. كما أنه يقود حكومةَ محاصصة تضمّ قوىً سياسيةً بعضها يرى في الحشد الشعبي مؤسّسة رسمية لا يجوز المساس بها، ويعتبر أيّ استهداف لها اعتداءً مباشراً على سيادة الدولة العراقية. وهو ما حدث فعلاً بعد الاستهداف السعودي والأميركي، فبات موقف الزيدي أصعب من مجرّد قرار إلغاء زيارته الرياض.

واشنطن والرياض لم تعودا مستعدّتَين لقبول استمرار الهجمات المنطلقة من الأراضي العراقية ضدّ المملكة

نعم، إنّه قرار صعب جدّاً لأنّه يتعلّق بمستقبل سياسة العراق الخارجية بأكملها؛ فالضربة الجوّية حملت رسائلَ متعدّدةً في توقيت حسّاس. الأولى: أنّ واشنطن والرياض لم تعودا مستعدّتَين لقبول استمرار الهجمات المنطلقة من الأراضي العراقية ضدّ المملكة، وأنهما مستعدّتان للانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة الردّ المباشر إذا اعتقدتا أنّ التهديد مستمرّ، وقد برّرت الدولتان غاراتهما على مواقع تابعة للحشد بأنّها جاءت ردّاً على هجمات بطائرات مسيّرة أطلقتها فصائل عراقية موالية لإيران على مصالح اقتصادية داخل السعودية خلال الأيّام السابقة.

داخلياً، ترى الفصائل الموالية لإيران وأنصارها أنّ الغارات الجوّية التي استهدفت مقارّهم دليل جديد على هشاشة السيادة العراقية، بما يعني زيادة الضغط على الزيدي لاتخاذ مواقف أكثر تشدّداً تجاه واشنطن والرياض، وربّما للمطالبة بإعادة النظر في العلاقات الأمنية مع الولايات المتحدة. لا أحد يدري إن كان الزيدي سيدرك أنّ الانفعال السياسي قد يكسبه نقاطاً مؤقّتة في الداخل، إلّا أنّه قد يدفع العراق إلى عزلة إقليمية لا يحتملها اقتصادٌ يعاني أصلاً من تحدّيات كبيرة، ولا تتحمّلها دولةٌ ما زالت تعتمد على شبكة واسعة من العلاقات الدولية لضمان استقرارها المالي والأمني. وفي الوقت نفسه، سيضع تجاهل الغضب الشعبي والسياسي الزيدي في مواجهة مباشرة مع قوى تمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً لا يمكن التقليل من تأثيره.

هل تستطيع بغداد الاستمرار في سياسة التوازن التقليدية بين واشنطن وطهران والرياض بوجود الحشد الشعبي؟

لذلك، لم يكن إلغاء الزيارة موجّهاً ضدّ السعودية بقدر ما كان محاولةً لامتصاص صدمة الداخل، ومنح الحكومة مساحةً زمنيةً لإعادة ترتيب أولوياتها قبل العودة إلى طاولة الحوار. ومع هذا، لا يتعلق السؤال الحقيقي بإلغاء الزيارة، وإنّما بما بعدها: هل تستطيع بغداد الاستمرار في سياسة التوازن التقليدية بين واشنطن وطهران والرياض بوجود الحشد الشعبي؟

توحي الأحداث أخيراً بأنّ مساحة المناورة للزيدي تضيق بسرعة، فلم يعد العراق مجرّد ساحة تتقاطع فيها المصالح، بل أصبح طرفاً يُطلب منه اتخاذ خيارات أكثر وضوحاً. وكلّما تصاعدت المواجهة الإقليمية بين الولايات المتحدة وإيران، تقلّصت قدرة الحكومة العراقية على الوقوف في المنطقة الرمادية. كما أنّ الغارات الجوية أعادت إلى الواجهة قضيةً لطالما حاولت الحكومات العراقية تأجيلها، وهي احتكار الدولة قرار السلم والحرب، وحصر السلاح بيدها.

كلّما تصاعدت المواجهة الإقليمية بين الولايات المتحدة وإيران، تقلّصت قدرة الحكومة العراقية على الوقوف في المنطقة الرمادية

ومن الناحية الإقليمية، قد تكون هذه التطوّرات بداية مرحلة جديدة في العلاقات السعودية العراقية. فالرياض، التي استثمرت خلال السنوات الماضية في إعادة بناء جسور الثقة مع بغداد، لن تتراجع بسهولة عن مطلبها الأساس المتمثّل في ضمان عدم استخدام الأراضي العراقية لاستهداف أمنها القومي. وفي المقابل، فإنّ بغداد ستسعى إلى تجنّب القطيعة، لأنّها تدرك أهمّية السعودية في معادلات الاقتصاد والطاقة والاستثمار العربي.

لهذا، قد تتحوّل الأزمة الحالية، على الرغم من خطورتها، إلى محطّة لإعادة صياغة قواعد العلاقة بين البلدَين، إذا نجحت الدبلوماسية في احتواء تداعياتها. ويبقى الزيدي هو المعني بإثبات أنّ الدولة العراقية قادرة على حماية سيادتها، وفي الوقت نفسه، قادرة على منع أراضيها من التحوّل إلى منصّة لتصفية الحسابات الإقليمية، وأنّها لن تقع في فخّ التورّط في خطط طهران بتوسيع دائرة الحرب مع واشنطن. ذلك هو القرار الصعب.

ليس المطلوب أن يختار العراق بين الرياض والحشد، ولا بين واشنطن وطهران، وإنّما أن يختار بين منطق الدولة ومنطق ساحات الصراع المفتوحة. وإذا أخفقت بغداد في هذا الاختبار، فإنّ الغارات أخيراً قد لا تكون سوى بداية فصل جديد من المواجهات التي ستدفع الدولة العراقية ثمنها قبل أيّ طرف آخر.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى