
لا يؤمن كثيرون بفكرة المُنقذ، ولهم كامل الحق في هذا، بعد أن وثّق التاريخ تحوّل منقذين كثيرين إلى جلّادين، بل تحوّلوا إلى عقبة في وجه المستقبل، ولكن ما الذي يجعل من “جيل زد” حالياً وعياً بشرياً مهمّاً، يستدعي الاهتمام والدراسة؟
يعي الجميع، إلى حدود الملل، أنّنا نغرق في عالم يستمتع بتعذيب نفسه وإفساد مستقبله إلى حدود السخرية، عالم مكبّل اليدين تجاه هذا الانجرار كلّه نحو الهاوية، فأخبار الحرائق لا تكاد تفارق إعلام أي بلد اليوم في كلّ القارات، ومشكلات البيئة أصبحت عبئاً يُضاف إلى حسابات الأُسر، إلى جانب ما يعانونه من انحدار مهول في نسب الرفاهية والعيش الكريم. أمّا الطبقة الوسطى التي كانت حصان طروادة حمل أحلام كثيرين نحو التحقّق، فقد تقلّصت إلى حد فقدانها الأثر الذي كانت تحدثه في المجتمعات، وأمّا المناخ السياسي، فهو محاصر برهاب القومية واليمينية العمياء وأشباح النازية التي تطلّ في كلّ مكان، وغيرها من مآسٍ لا داعي لجردها.
وإذا كان الوضع العالمي اليوم هو هذا، فهل يمكن القول إنّ “جيل زد” صورة سلبية ونتيجة طبيعية بائسة لفشلنا العالمي هذا؟ قبل أن نتسرّع في الإجابة، تُفاجئنا إحصاءات كثيرة بما هو عكس هذا تماماً، ولكن وعينا بعنصر المفاجأة هنا محكوم بشرط تخلّينا عن تعلّقنا المرضي بعالمنا التقليدي المغلّف ببريق الذكاء الاصطناعي اليوم، والسماح لأنفسنا بالتأمّل في الأسباب الكثيرة خلف النتائج المسجّلة، والتحلّي بنسب كبيرة من التفلسف تجاه ما قد يعنيه ذلك بالنسبة إلى مستقبلنا العالمي.
عالم يستمتع بتعذيب نفسه وإفساد مستقبله إلى حدود السخرية
وُفِّقت إلى حدّ كبير الكاتبة إيمي نيتفيلد في مقالتها “جيل زد مُعرِضون عن حبّ العمل… ولا ألومهم” (“نيويورك تايمز”، 23/7/2026)، في تجميع أكبر قدر ممكن من سمات جيل زد، مستعينة بإحصاءات عالمية، ومقابلات ميدانية مع طلبة الجامعة في الولايات المتحدة، فكانت النتيجة قناعات جديدة، لم يألفها كائن الألفية ومن كان قبله من البشر. أوّلها: أنّ العمل اليوم لم يعد مهماً لنعرّف الإنسان أو نراه من خلاله. والمستقبل تغيّرت نظرتهم إليه، فلم يعد من المنطقي في نظرهم أن نمنحه أكثر ممّا يستحقّ من الاهتمام، بالأخصّ بعد لحظة كوفيد- 19، بل إنّهم لا يقبلون تقديم إجابات تحمل شيئاً يقينياً عن هذا المستقبل، أو تتسم بالطموح والتفاؤل، ويرون أنّ التفكير في المستقبل نفسه، بشكل دائم ومركّز، قد يكون في الحقيقة ضارّاً بالصحّة النفسية التي يحرصون على سلامتها بشدّة. ورغم شدّة الإحباط التي تخيّم على عالمهم، فإنّ اللافت، بحسب الكاتبة، أنّ الطموح على طريقة جيل الألفية، ومن كان قبلهم، لم يعد منطقياً أو واقعياً. فهم لم يعودوا يثقون في شيء من هذا العالم، وإنّما يرونه أشبه بضربات الحظّ في “الكازينو”، فصار الاستعداد للغد عندهم، بتعبير الكاتبة، ضرباً من العبث وعملاً بلا جدوى.
أعرف أنّك في هذه اللحظة تُحدّث نفسك بأنّ هذه الخلاصات هي استنتاجات توصّلت إليها بعامل الزمن، وكثرة ما أصابك من خيبات الأمل، ولا تزال متردّداً تحت تأثير عقيدتك الحياتية القديمة بالتسليم بها، لكنّ “جيل زد” يرى نفسه فاقداً للرفاهية الزمنية التي قد تجعله يستغرق في التفكير والتردّد، ما دامت الأجيال التي يرونها أمامهم تقدّم خلاصات واقعية تزكّي العديد من رؤاهم حول العالم الكلاسيكي المتهاوي. أمّا صلة هذا الجيل بالمال ووقت الفراغ، فتشغل الحيّز الأكبر ضمن أولوياتهم، وتفوق أهميتها بالنسبة إليهم المناصب الوظيفية. وبحسب خلاصة الكاتبة، فهم يراهنون على تحقيق الثروة من دون المراهنة على الترقّي الوظيفي.
سياسيونا اليوم لا يزالون بعيدين عن هذا الجيل وغير قادرين على الإجابة عن أسئلته، إن كان في مقدورهم هذا أصلاً
أمّا صلتهم بالزواج وتكوين أُسرة، فعلى الرغم من أنّهما هدفان لا يقعان ضمن أولوياتهم، لكنّهما لا يزالان يحظيان بالأهمّية عندهم، بل يرون الأُسرة شيئاً مهمّاً، ولكن بعد تحقيق الاستقرار المالي وامتلاك ثروة تكفي فلا يضطرون للعمل ثانية، لأنّهم ببساطة لا يؤمنون بالعمل الدائم، والارتهان مدى الحياة لوظيفة ما. وهذه صيغة جديدة، كما تقول الكاتبة، لفكرة “امتلاك كلّ شيء” عندهم، وهي مناكفة منطقية منهم لواقع الندرة الاقتصادية التي تطبع عالمنا، وتشبّث بمبدأ تحقيق الخيارات الشخصية لا المجتمعية، ولذا فهم، بحسب هذه السمات، يرفضون التعلّق بحافز ما، لتصير علاقتهم بالعمل علاقة تعاقدية صِرفة، ويصير عندهم رفض الكدح المستمرّ ثقافة حياتية، ولنقل: ذكاء اجتماعياً عملياً. ولعلّ عنوان هذه السمات مجتمعة أنّ الثمن الذي يقدّمه الإنسان في سبيل النجاح لا ينبغي أن يتجاوز حدّاً معيّناً.
والسؤال هنا، ما الذي يعنيه لنا هذا كلّه، ولعلّ الجواب الأوّلي ما يحدث في الهند اليوم، من تمرّد حركة حزب شعب الصراصير، بقيادة الشاب أبهيجت ديبكي (30 عاماً)، على السياسيين وقيمهم، سواء اليمينية أو التحكّمية الانتهازية. ولعلّ هذه الخلاصات تفسّر أيضاً كثيراً من المطالب وأسباب خرجات “جيل زد” العالمية في السنة الماضية. وتكشف بوضوح أنّ سياسيينا اليوم لا يزالون بعيدين عن هذا الجيل وغير قادرين على الإجابة عن أسئلته، إن كان في مقدورهم هذا أصلاً، لأنّ الهواجس السابقة التي قُدّمت في شكل خلاصات إنّما هي تمرّد عالمي على نمطٍ حياتي كئيب ومنغلق، وربّما يكونون في وارد تحقيق بعض الانفراج المستقبلي في زحزحته عن مكانه، وربّما لا يملك الإجابة إلّا هم.
من سمات “جيل زد” اعتقادهم أنّ الثمن الذي يقدّمه الإنسان في سبيل النجاح لا ينبغي أن يتجاوز حدّاً معيّناً
ولك أن تتأمّل أيضاً في الحملات الانتخابية الحالية في منطقتنا العربية الإسلامية (المغرب مثالاً) لتجد أنّ أغلب الفاعلين في الأحزاب لا يزالون مصرّين على الالتزام بالقواعد القديمة (لأنّهم لا يعرفون غيرها، وغير مستعدّين للتعلّم أصلاً): فكرة الأعيان، والتزكيات الانتخابية المدفوعة، والمراهنة على الخطاب الذي أكل نفسه، قبل أن يستمع إليه جيل لا يستهلك إلّا خطاباته (عبر وسائل التواصل الاجتماعي المشفّرة) التي تنتمي إلى قاعدة مبادئه الحياتية سالفة الذكر.
ورجوعاً إلى الولايات المتحدة، ربّما ينبغي لسياسيين كثر التفكير في (والتعلّم من) ظاهرة عمدة نيويورك زهران ممداني (المسلم)، الذي حوّل حملته الانتخابية والسياسة نفسها إلى مغامرة، وضربة حظّ، قد تستنجد بصور القطط (استخدمها بكثرة في حملته)، أو باللباس شبه الرسمي (يجمع بين الرياضي والعملي البسيط والأنيق في آن)، والمشكّك في جدوى الرسميات في الأصل، الذي لا يزال مستعصياً على أفهام سياسيي الجيل الآخذ في الانقراض، وقد تأتي عبر التشبث بالهُويّة المتعدّدة والعالمية، إن شئنا القول، أو بالقفز في مسبح بلدي ومعايشة الجماهير على طريقتهم، أو بالحديث عن الخيارات الشخصية من دون هواجس (حديثه عن الإبادة الإسرائيلية في غزّة من دون تحفّظ)، ولسان حاله يخاطب الجميع، في كلّ ما يصنع، ثمّ ماذا بعد؟
المصدر: العربي الجديد






