العائدون إلى سوريا.. بين واجب التكافل وحدود الاستحقاق

فاطمة عبود

ارتبطت صورة الوطن في المخيلة بمجموعة من العلاقات الإنسانية والقيم الاجتماعية والتجارب الشخصية والذكريات؛ فمن منَّا لم يستحضر وجوه أحبائه في وجوه المارَّة، ولم يسمع أصواتهم في همسات العابرين، ولم يبحث عن رائحة الوطن في نسيم المدن البعيدة كلَّما داهمه الحنين؟

لقد اصطدمت هذه الصورة المثالية للاغتراب وحلم العودة إلى الوطن والحنين إليه بتجربة كثير من السوريين الذين عادوا إلى بلادهم خلال السنوات الأخيرة بعد سقوط النظام البائد، سواء بهدف الاستقرار الدائم أو الزيارة المؤقَّتة، حيث كشفت هذه التجربة عن فجوة واسعة بين صورة الوطن التي احتفظت بها الذاكرة وبين والواقع الاجتماعي الذي تشكَّل خلال سنوات الحرب والأزمات الاقتصادية والتحوُّلات السياسية.

​وقد تجاوزت صدمة شعر بها العائدون إلى سوريا حجم الدمار المادي، لتصل إلى التغيرات العميقة في منظومة العلاقات الاجتماعية وأنماط السلوك والقيم، التي تنظم التفاعل بين الأفراد، فقد عاش المغتربون سنوات طويلة في مجتمعات تعتمد على مؤسسات مستقرة، يحترم فيها الفرد القانون، الذي ينظِّم الحياة العامة، وبعد عودتهم تفاجؤوا بحقيقة واقع بلادهم، التي ما زالت تحاول التعافي من آثار حرب طويلة استنزفت الإنسان قبل أن تستنزف البنية التحتية.

ولهذا أصبحت العودة تجربة معقَّدة تحمل في طياتها مشاعر الفرح باللقاء، وفي المقابل هناك شعور لا يحتمل بالغربة داخل المجتمع الذي يفترض أنَّه يمثِّل الامتداد الطبيعي لهويتهم.

آلاف السوريين بدؤوا حياتهم في بلدان اللجوء من نقطة الصفر، بعد أن فقد كثير منهم ممتلكاتهم ومدخراتهم ومهنهم ووظائفهم..

ومن أبرز الظواهر التي يتحدَّث عنها كثير من العائدين الصورة النمطية التي تشكَّلت عن السوري المقيم في الخارج، فقد ترسَّخت لدى شريحة من المجتمع داخل سوريا قناعة تامَّة بأنَّ الإقامة خارج البلاد تعني بالضرورة تحقيق الاستقرار المادي والمعنوي، مع تجاهل اختلاف الظروف التي غادر فيها السوريون من وطنهم، والمخاطر التي هدَّدت حياتهم في أثناء رحلة اللجوء الصعبة، وتباين البيئات الاقتصادية والقانونية في الدول المستقبِلة، فضلاً عن التحدِّيات اليومية التي يواجهها اللاجئ في سبيل تأمين متطلبات حياته الأساسية.

ففي الحقيقة أنَّ آلاف السوريين بدؤوا حياتهم في بلدان اللجوء من نقطة الصفر، بعد أن فقد كثير منهم ممتلكاتهم ومدخراتهم ومهنهم ووظائفهم، وهذا ما تطلَّب منهم سنوات طويلة من العمل المتواصل، للتأقلم مع لغات وثقافات مختلفة والخضوع لقوانين وأنظمة جديدة.

تنعكس هذه الصورة الذهنية على طبيعة العلاقات الاجتماعية التي تجمع العائد بأقاربه وأصدقائه ومعارفه. فبدلاً من أن تشكِّل العودة مناسبة لإحياء الروابط الأسرية والاجتماعية، تتحوَّل في بعض الحالات إلى سلسلة من التوقعات الاقتصادية التي تبدأ بطلب المساعدات البسيطة، ثمَّ تتوسَّع لتشمل طلبات القروض وتمويل المشروعات أو تحمُّل نفقات مختلفة.

فيشعر العائد تدريجياً بأنَّ قيمته الاجتماعية أصبحت مرتبطة بقدرته على تقديم الدعم المالي أكثر من ارتباطها بحضوره الإنساني، وهو شعور يترك آثاراً نفسية عميقة ويؤثِّر في جودة العلاقات التي كان يتطلَّع إلى استعادتها.

ومع تكرار هذا النمط من التفاعل، يتولَّد لدى بعض العائدين شعور بأنَّ قصتهم الإنسانية لم تعد تحظى بالاهتمام ذاته الذي تحظى به قدرتهم المالية، وأنَّ سنوات الكفاح التي عاشوها في الغربة أصبحت تختزل في النتيجة التي وصلوا إليها، فيبدأ تدريجياً بإعادة النظر في طبيعة علاقاته الاجتماعية، ويصبح أكثر حذراً في الحديث عن أوضاعه المادية أو نجاحاته المهنية خشية أن تؤدِّي إلى رفع سقف التوقعات.

ونتيجة لذلك، تفقد بعض العلاقات شيئاً من عفويتها، ويحلُّ محلَّها التحفُّظ والحسابات المسبقة، وهو ما ينعكس سلباً على الإحساس بالألفة الذي كان أحد أهم الدوافع وراء قرار العودة.

ومع ذلك، فإنَّ تحميل المجتمع داخل سوريا وحده مسؤولية هذه الظاهرة لا يقدِّم تفسيراً موضوعياً لها، فالمقيمون في الداخل عاشوا سنوات طويلة من التدهور الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة حتى أصبحت تلبية الاحتياجات الأساسية تمثل تحدياً يومياً لكثير من الأسر.

وفي ظلِّ هذه الظروف، يبدو العائد من الخارج، في نظر البعض، الشخص الأكثر قدرة على تقديم المساعدة، ومن جهة أخرى، يستند هذا التصوُّر إلى ثقافة اجتماعية راسخة تقوم على التكافل الأسري، حيث اعتادت العائلات أن يتقاسم أفرادها الأعباء في أوقات الشدة على اعتبار أنَّ هذا السلوك يعدُّ التزاماً أخلاقياً.

وهنا تنشأ المفارقة؛ فالعائد ينظر إلى ما يطلب منه على أنَّه استنزاف لجهده وثمرة سنوات طويلة من العمل والاغتراب، بينما يرى المقيم في الداخل أنَّ ما يطلبه لا يتجاوز حقاً تمليه روابط القرابة والظروف الاستثنائية التي يعيشها الجميع.

ومن هنا يبدو أنَّ المشكلة تكمن في اختلاف التجارب، فكلُّ طرف ينظر إلى الآخر من خلال معاناته الخاصة؛ العائد يستحضر سنوات الغربة والكفاح التي لم يشهدها أحد، والمقيم يستحضر سنوات البقاء في وطن أنهكته الحرب والأزمات الاقتصادية.

وبين هاتين التجربتين تتشكَّل فجوة في الفهم المتبادل، تجعل كلاً من الطرفين يشعر بأنَّ الآخر لا يدرك حقيقة ما مرَّ به، فيصبح سوء الفهم نتيجة طبيعية لاختلاف الظروف أكثر من كونه نتيجة لاختلاف النيات.

تمتد هذه الظاهرة إلى قرارات العائدين المتعلِّقة بعلاقتهم المستقبلية بالوطن. فقد يعود بعض السوريين وهم يحملون رغبة حقيقية في الاستقرار النهائي، أو في نقل جزء من أعمالهم واستثماراتهم وخبراتهم إلى بلدهم، أو على الأقل في بناء حضور دائم داخل مجتمعهم بعد سنوات طويلة من الغياب.

فالتكافل الاجتماعي يظلُّ قيمة راسخة ومطلوبة، غير أن استدامته تقتضي احترام ظروف جميع الأطراف وإدراك أنَّ العائد مثل المقيم يحمل أعباءً ومسؤوليات وتحدِّيات قد لا تكون ظاهرة للآخرين..

غير أنَّ تكرار الضغوط الاجتماعية ذات الطابع الاقتصادي قد يدفع بعضهم إلى مراجعة هذه الخطط، نتيجة شعورهم بأنَّهم مطالبون بأدوار تفوق قدراتهم الفعلية أو تتجاوز ما كانوا يتوقَّعونه عند العودة، وقد يفضِّل بعضهم تقصير مدة الزيارة، أو تقليل عدد اللقاءات الاجتماعية، أو تأجيل فكرة الاستقرار إلى أجل غير معلوم، تجنُّباً للإحراج الذي يرافق الاعتذار عن تلبية طلبات متكررة.

إنَّ نجاح تجربة العودة يتطلَّب إعادة بناء العلاقة بين السوريين في الداخل والخارج على أساس من الفهم المتبادل والواقعية في التوقعات، فالتكافل الاجتماعي يظلُّ قيمة راسخة ومطلوبة، غير أن استدامته تقتضي احترام ظروف جميع الأطراف وإدراك أنَّ العائد مثل المقيم يحمل أعباءً ومسؤوليات وتحدِّيات قد لا تكون ظاهرة للآخرين، وعندما تستعيد العلاقات الإنسانية توازنها بعيداً عن هيمنة الاعتبارات الاقتصادية، تصبح العودة فرصة حقيقية لاستعادة الانتماء بدلاً من أن تكون شعوراً جديداً بالاغتراب.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى