
جاء قرار لجنة حماية الصحافيين حذف أسماء قتلى من الصحافيين الفلسطينيين، بحجّة أنّهم مرتبطون بجماعات مسلّحة أو حرّضوا على العنف، ليزيد من هشاشة وضع صحافيي غزّة، وأيّ صحافي ينشط في مناطق النزاعات. ماذا لو كان “متحيّزاً”؟ ماذا لو عبّر عن دعم لهذا الطرف أو ذاك؟ ماذا لو أرسل تغريدات تحتوي على مضمون قبيح فتحرّض مباشرةً على العنف؟ ماذا لو كانت له “خلفية عسكرية”؟… كما جاء في بعض البيانات التحريضية التي قد تحمل بعض الصحّة، بمعنى أنّ الصحافي تلقّى تدريباً عسكرياً، أو أنّه ارتبط مباشرة أو بشكل غير مباشر، أيديولوجياً أو اجتماعياً، بفصيل محارب.
احتفت إسرائيل بقتل عشرات الصحافيين الفلسطينيين الذين سجّلتهم في لوائح القتل، وبعضهم لا يزال ينتظر حكم الإعدام بحقّه، وباتت حياته أشبه بكابوس متواصل. أن تعيش وأنت تتوقّع القتل كلّ يوم يعني أن تعيش ميتاً. في لبنان، قتلت إسرائيل مصوّر وكالة رويترز عصام عبد الله في قصف استهدف مجموعةً من الصحافيين في الأسابيع الأولى للمعارك. كانت شارات الصحافة ظاهرة بوضوح للقوات الإسرائيلية. بات استهداف الصحافيين لاحقاً، في حادثة قتل طاقم تلفزيون الميادين، والقصف المتعمّد للمجمع السكني للصحافيين لاحقاً في حاصبيا الذي راح ضحيته ثلاثة من الصحافيين والعاملين الإعلاميين، تطبيعاً لفكرة استهداف الصحافي عقاباً على الخطّ التحريري لوسيلة الإعلام أو مواقف الصحافي الشخصية. في حالة قتل الصحافيتَين اللبنانيتين فاطمة فتوني وآمال الخليل، كان تعمّد القتل واضحاً من دون لبس. قرار بارد بالإعدام من دون مسوّغ سوى إلغاء الصوت الصحافي. وما كانت الصحافيتان قد كتبتاه في التغطية المهنية أو في مواقع التواصل أمر لا يمكن أن يكون مسوّغاً للقتل باعتبارهما مصدري “خطر”.
سعى الجيش الإسرائيلي إلى نزع المشروعية المهنية عن الصحافيين الذين قتلهم أو استهدفهم
بلغت حالات القتل التي رصدتها لجنة حماية الصحافيين (CPJ) خلال الحرب في غزّة والضفّة الغربية ولبنان وإسرائيل واليمن وإيران 263 عملية قتل، إلّا أنّ المنظّمة الأميركية التي تعرّضت لحملة من الانتقادات بسبب تغطيتها الحثيثة لهذه الحالات، عادت لتراجع الرقم بعد تقارير إعلامية إسرائيلية، بحجّة أنّ قنوات التواصل للأجنحة العسكرية في حركتي حماس والجهاد الإسلامي نشرت نعوات لبعض الصحافيين، الأمر الذي اعتُبر دليلاً على تجنيدهم. الأمر نفسه ينطبق على حالة الصحافيتَين آمال الخليل وفاطمة فتوني، وقد رُفعت أعلام حزب الله في تشييعهما. هل يُعتبر انتماؤهما الأيديولوجي دليلاً على “خطر” أو “تجنيد” لهما في المعارك ما يبرّر قتلهما؟
انتُقدت المنظّمة، التي تُعتبر من بين المنظّمات الأكثر نفوذاً ومصداقية، لأنّ آلية المراجعة ركّزت حصراً على الصحافيين الفلسطينيين واللبنانيين العاملين في وسائل إعلام محلّية أو مموّلة من حكومات أو أطراف مشاركة في الحرب، في حين أنّ التصنيف نفسه لم يُعتمد في حالة الصحافيين الإسرائيليين أو الغربيين “المرافقين للجيش الإسرائيلي” (Embedded)، فيما يُعتبر ممارسةً غير أخلاقية، في وقت يرتكب الجيش عمليات قتل واسعة وإبادة في غزّة.
بدا التعامل خاصّاً وتمييزياً، في وقت شاهدنا تحوّل الإعلام الإسرائيلي إلى منصّات للتحريض على القتل. رافق بعضهم القوّات الإسرائيلية في عملياتها، وانتشر، فيما انتشر، فيديو سجّله صحافي إسرائيلي وهو يشارك في عملية تفجير منزل في جنوب لبنان، محتفياً بالإبادة العمرانية على يد القوات الإسرائيلية.
دافعت لجنة حماية الصحافيين عن قرارها سحب حالات من قائمة ضحايا الصحافة شارحةً أنّ إعداد لوائح القتلى من الصحافيين يخضع لعملية دقيقة ذات معايير واضحة. كذلك، قالت مديرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظّمة، سارة القضاة، أن القرار لم يأتِ نتيجة أي تدخل من الإدارة، بل استند إلى منهجية معلنة على موقع المؤسّسة ومتاحة للتدقيق من الجميع (“ليس لدينا ما نخفيه: حين تصبح الحقيقة هدفاً للتشكيك“، “العربي الجديد”، 2/7/2026). في الوقت نفسه، نشر موقع الانتفاضة الإلكترونية تحقيقاً لم يتسنّ التأكّد من محتواه، استناداً إلى شهادات مسرّبين، أفاد بأنّ إدارة اللجنة ألغت في وقت سابق “مؤشّر الإفلات من العقاب العالمي” الذي تنشره منذ 2008، تجنّباً لاحتساب “إسرائيل” في صدارة قائمة الدول التي تمارس قتل الصحافيين من دون محاسبة. هل جاء حذف أسماء هؤلاء الصحافيين من باب التنازلات التي تقدّمها المنظّمة لقاء استمرارها في مهامها؟ لا مجال لتأكيد أو دحض فرضية كهذه.
التضامن اليوم مطلوب أكثر من أيّ وقت، وقد يكون طوق النجاة الوحيد للصحافيين الميدانيين في مواجهة رعب آلة القتل الإسرائيلية
أثار قتل الصحافيين في حرب الإبادة على غزّة ولبنان جدلاً أكثر مما أثار تضامناً واسعاً من مجتمع الصحافة العالمي، باستثناء بيانات التضامن من المنظّمات المتخصّصة. الاتهامات المباشرة أو المبطّنة التي طاولت دور هؤلاء في الحرب تتغاضى عن طبيعة الإعلام في منطقتنا، إذ تمتلك بعضَ وسائل الإعلام الخاصّة جهاتٌ مرتبطةٌ مباشرة أو بشكل غير مباشر بأحزاب سياسية مثل حزب الله أو “حماس”، ويحمل هُويَّتَين سياسية وعسكرية. لكن هل يمارس كلّ صحافي يعمل في وسائل إعلام مملوكة لجهة سياسية أو عسكرية، بالضرورة، دوراً تحريضياً أو حتّى عدائياً إلى درجة حمل السلاح أو ممارسة مهمّات لمصلحة هذه الجهة إلى جانب دوره الإعلامي؟
تعمّد الجيش الإسرائيلي التعتيم الإعلامي عبر منع الصحافة الدولية من الوصول إلى ساحة الخبر أولاً. وثانياً عبر نزع المشروعية المهنية عن المراسلين المحلّيين، ونشر لوائح قتل الصحافيين التي احتفى بها القاتل من دون محاسبة. عمّم نموذج القتل على صحافيي لبنان في حربَي الإسناد الأولى والثانية، عبر تعمّد قتل بعضهم بدم بارد، كما حصل خصوصاً في حالة الصحافيتَين آمال الخليل وفاطمة فتوني. من هو صحافي ومَن لا يستحق اللقب؟ في حين تقتل إسرائيل الصحافيين وهم في أسرّة المستشفيات أو في مقارّ التغطية وهم نيام، ما يسهم في تهميش هؤلاء وتعميق هشاشتهم في ميدان يفوق خطورةً كلّ ما شهدناه سابقاً. التضامن اليوم مطلوب أكثر من أيّ وقت، وقد يكون طوق النجاة الوحيد للصحافيين الميدانيين في مواجهة رعب آلة القتل الإسرائيلية.
المصدر: العربي الجديد






