هل تنفجر انتفاضة فلسطينية ثالثة؟

لميس أندوني

اقتحام آلاف المستوطنين يتقدمهم الوزير المتطرف إيتمار بن غفير ونواب إسرائيليون المسجد الأقصى بحراسة مشددة من جيش الاحتلال الإسرائيلي الأربعاء الفائت حدث غير مسبوق من حيث أعداد المستوطنين والجنود، لكنه كان متوقّعاً. فقد تتالت الاقتحامات بدون رد فعل قوي حقيقي من العالمين العربي والإسلامي وتجاهُل الجميع، ويبدو أن بعض الحكومات العربية لا تعي أن تهويد الأقصى عنوان تهويد فلسطين، فالأقصى بالنسبة لإسرائيل أحد أهم عناوين هوية الأرض، وهوية فلسطين… نعم، للأقصى مكانة دينية وتاريخية، وللأسف تم تجاهل ذلك كله في السنوات الأخيرة خاصة في السنتين الأخيرتين.

ليست المسألة حرباً دينية، وإن تريدها إسرائيل كذلك، لكنها استباحة صارخة لثالث الحرمين الشريفين، وهذا يمسّ المسلمين جميعاً، بل كل فلسطيني وعربي مسيحي ومسلم، وكل الإنسانية. وإذا لم نفهمها كذلك فهناك خلل في الوعي والأخلاق… وتركيز المشروع الصهيوني على الأقصى لم يأت من فراغ؛ فهذا المشروع مبنيٌّ على سرقة الأرض وسرقة هوية الأرض، وإذا لم يكن إنهاء وجود أبناء الأرض بالإبادة والتهجير يكون بإبادة الهوية. وهذه بداية تنفيذ رؤية “الحسم” التي وضعها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش في عام 2017، وينفذها هو وشريكة وزير الأمن الإسرائيلي بن غفير. فالاقتحام المسعور للمسجد الأقصى، بقيادة بن غفير نفسه، يتزامن مع هجمة شرسة ضد مدن الضفة الغربية وقراها، وتوسيع رقعة السيطرة الإسرائيلية في غزّة المرافقة لدعوة (بل وعد) سموتريتش ببناء مستوطنات في غزّة، وهو الذي جمع أموالاً قبل أشهر لبناء “ريفييرا” غزّة، للمستوطنين، بجانب ريفييرا الرئيس الأميركي دونالد ترامب الموعودة لمليارديرات العالم من أقرانه. أي إن الهجمة الحالية أخطر من سابقاتها، ليس فقط في الحجم والشراسة والمضي في توسيع الاستيطان وشطب أي سلطة إدارية أو أمنية محدودة للسلطة الفلسطينية. ولكن آن الأوان من منظور كل من سموتريتش وبن غفير لبعث رسالة واحدة، أنه لا مكان لمن يؤمن بحلم قومي غير الحلم “القومي” اليهودي الصهيوني، فالتمهيد للاستيلاء على الأقصى، وحتى هدمه، خطوة ضرورية للقول إنه لا مكان لغير الوطن اليهودي في ما يسمى أرض الميعاد، ولا يمكن رؤية العدوان على الأقصى وتهديد وجوده خارج سياق إنهاء هوية المكان ليناسب الرواية الصهيونية. هذا ليس مبالغة، فإهمال العالم العربي للاعتداءات المستمرة على الأقصى، وأسلوب التعامل معها بات روتيناً أو طقساً من طقوس يوم الجمعة. فقد مضى خبر أو حدث سيطرة الإسرائيليين على الحرم الإبراهيمي في الخليل مرور الكرام، أو حتى إنه كان هامشياً، فتشجع الجيش والمستوطنون وكل من سموتريتش وبن غفير، وشنّوا هجمتهم ضد الضفة الغربية والمسجد الأقصى، وكلها جزء من هجمة تتوافق مع خطة الحسم التي وضعها سموتريتش عام 2017، التي لا ترى وجوداً لغير الهوية اليهودية الصهيونية على أرض فلسطين.

الأقصى بالنسبة لإسرائيل أحد أهم عناوين هوية الأرض، وهوية فلسطين

من الخطأ الاعتقاد أن سموتريتش وبن غفير مهتمان بتأسيس نظام فصل عنصري أو بترسيخه في فلسطين، كل فلسطين، فهذا النظام يعترف بوجود “آخَر” أقل رتبة وأقل قيمة، مجتزأَ الحقوق الإنسانية ومحروماً من حقوقه الوطنية وهويته. لكن ذلك كله ليس كافياً لدى الرؤية الصهيونية الأكثر تطرّفاً، الأصدق تعبيراً عن الرؤية الصهيونية التي ترى وطناً قومياً لليهود لا يمكن تحقيقه أو انتصاره النهائي بدون اقتلاع أصحاب الأرض الأصليين. أعتقد أننا دخلنا هذه المرحلة.

الحقيقة أن سموتريتش الذي لم يعرف سوى عقلية المستوطن الذي يريد أن يروّض الأرض وأهلها، هو الأكثر واقعية وصدقاً في رؤيته لطريق انتصار المشروع الصهيوني والقضاء على كل مقاومة أو رفض أو حتى حلم لأصحاب الأرض. وإذا عدنا إلى رؤية سموتريتش المسمّاة “خطة الحسم”، فهي تمثل مرحلة متقدّمة، وحتى نهائية من المشروع الصهيوني، فلا ينادي سموتريتش بإبادة جميع الفلسطينيين وتهجيرهم، إذ يعرف أنّ ذلك صعب. لكنه يقول بوضوح إنّ من يبقى لا يستطيع البقاء بدون التخلي عن حلمه أو اعتقاده القومي المغاير لحلم القومية اليهودية، فلا مكان لمن لا يلتزم بالقومية اليهودية، ويجعل هذا يبدو خياراً حرّاً وليس ذريعة للتهجير أو التنكيل والقتل. لحظة الحسم التي يتحدث عنها سموتريتش، جاءت مع إطلاق حرب الإبادة ضد أهل غزّة. ولكن بالنسبة لسموتريتش وحتى الصهاينة الأقل تطرّفاً منه لا يتحقق انتصار المشروع الصهيوني بدون الضفة الغربية، خاصة القدس، فجزء من “أرض الميعاد” تحوّل من مسمّى فلسطين إلى مسمّى فُرض بالقوة هو دولة إسرائيل.

جزء من “أرض الميعاد” تحوّل من مسمّى فلسطين إلى مسمّى فُرض بالقوة هو دولة إسرائيل

صحيح أن ما يحدث حالياً حدث مرّات عديدة من حيث الهجمات على الضفة الغربية ومدنها وقراها والقتل والحرق ولم يبدأ الآن، بل نحن نرى تكملة لما بدأ بعد الاحتلال الإسرائيلي للضفة والقدس. لكننا دخلنا مرحلة جديدة؛ مرحلة “الحسم”..

وبما أنها مرحلة الحسم لن يكون هناك تردد في الاستيلاء على المسجد الأقصى، وسكوت العالم عن حرب الإبادة هو الذي جعل كل شيء ممكناً. ولا يمكن فهم مخطّط الاستيلاء على الأقصى هدفاً دينيّاً أو توراتياً بحتاً، فالحجة الدينية وسيلة لكسب اليهود في العالم، ولكن الهدف الحقيقي سياسي استعماري بحت، فهذا جوهر المشروع الصهيوني منذ نشأته.

ليس الحديث هنا عن خلل في اليهود كيهود، لكن أي حركة استعمارية عنصرية لا بد أن تستعمل التفوّقين، الديني والعنصري، لتبرير إبادة الشعوب، فكل حركة تبني دولة كولونيالية عنصرية استيطانية تستوجب القضاء على سكان الأرض الأصليين، أي الشعب الفلسطيني هنا، فمحاولة تصفية الشعب الفلسطيني بدأت منذ بدأت الحركة الصهيونية بناء المستوطنات على أرض فلسطين في عام 1920، لكن القيادات الإسرائيلية تعتقد أنها اللحظة المناسبة لتصفية الهوية والقضية بكل علانية وبفخر واعتزاز، فالإرادة مستمرّة بدون تدخّل أو عقاب، وهناك عجلةٌ في إسرائيل لتكملة الجريمة لاعتقادهم أن الفرصة مواتية جداً الآن، وربما لن تتوافر مستقبلاً.

إذا كانت حرب الإبادة واقتحام آلاف المستوطنين والجنود المسجد الأقصى لم توقِفا التطبيع الإسرائيلي العربي، فماذا يمنع استباحة الضفة الغربية؟

الوضع شبيه بعشية الانتفاضة الأولى عام 1987، واقتحام أرييل شارون المسجد الأقصى أشعل الانتفاضة الأقصى عام 2000، لكن الوضع حالياً مختلفٌ من حيث الوحشية الإسرائيلية، وطبيعيٌّ أن يخاف أهل الضفة الغربية والقدس من إطلاق حرب إبادة شبيهة لما يحدث في غزّة، لكن الشرارة عادة تأتي من رفض الموت والإصرار على الحياة، فالانتفاضة لا تنطلق بكبسة زر. ولست هنا في معرض الدعوة إلى انتفاضة، ودعوتي غير مهمّة ولستُ صاحبة حقٍّ في الدعوة إلى انتفاضة، أتحدّث عن بدء انتفاضة ثالثة في سياق التحليل وليس التشجيع أو الحماس.. قد لا يكون ممكناً منع الانفجار، فمن الصعب التعبير عن الأمل حين يكون الثمن دماراً وموتاً يشاهده العالم ولا يوقفه أحد.

في تصريح أخير لسموتريتش، قال إنه لا يريد أن تشارك إسرائيل أميركا حربها ضد إيران، وإن الأفضل أن تحارب واشنطن طهران، فذلك يخدم إسرائيل. وطبيعي أن يقول هذا؛ ففيما أميركا منغمسة “بالقضاء” على ما يعتبره الخطر الخارجي ضد إسرائيل، ينتقل سموتريتش وبن غفير إلى مرحلة أخرى من خطّة الحسم في الضفة الغربية.

لم يعد هناك ما يقال، فإذا كانت حرب الإبادة واقتحام آلاف المستوطنين والجنود المسجد الأقصى لم توقِفا التطبيع الإسرائيلي العربي، فماذا يمنع استباحة الضفة الغربية؟

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى