
عساف سلامة السلمان
بعد آلاف السنين، قررت الآلهة أخيرا أن تثبت أنها تحترم حقوق الإنسان.
افتتحت مكتبا لاستقبال الشكاوى.
في اليوم الأول، اصطف المظلومون أمام الباب، بينما دخل الأقوياء من المدخل الجانبي.
دخلت كاساندرا أولا.
قال الموظف: “ما هي شكواك؟”
قالت: “أبولو وعدني أن يهبني موهبة التنبؤ، ثم طلب مني ثمنا لا علاقة له بالنبوءة. وحين رفضت، لم يسترد هبته، بل جعل الناس جميعا يصدقون أنني كاذبة.”
كتب الموظف: “خلاف عاطفي.”
قالت: “بل إساءة استعمال سلطة.”
تأمل الورقة قليلا، ثم شطب العبارة، وكتب بدلًا منها: “سوء تفاهم.”
بعدها دخلت العرافة الكومية، تحمل في يدها حفنة من الرمل.
قال الموظف: “وأنت؟”
قالت: “طلبت من أبولو عمرا بعدد حبات الرمل، ونسيت أن أطلب الشباب. أعطاني العمر، ثم تركني أذبل قرنا بعد قرن، حتى لم يبق مني إلا صوت يقول: أريد أن أموت.”
ابتسم الموظف.
“وهل قرأت الشروط والأحكام قبل التوقيع؟”
قالت: “لم يكن هناك عقد.”
قال: “إذن هو عقد شفهي.”
قالت: “لكنه ظل يعاقبني ألف سنة.”
رد الموظف وهو يختم الورقة: “التقادم أسقط الدعوى.”
وبينما كانت المرأتان تنظران إلى بعضهما في دهشة، فتح الباب الكبير.
دخلت عشتار.
وقف الموظفون جميعا.
خرج المدير بنفسه ليستقبلها. وسحب لها الكرسي.
قال باحترام: “تفضلي سيدتي… ما شكواك؟”
قالت: “جلجامش رفض حبي، وأهان كرامتي أمام الناس.”
لم يسألها أحد عن الشهود. ولم يستدع أحد جلجامش. ولم يطلب أحد سماع الرواية الأخرى.
قال المدير: “استدعوا مجلس الآلهة فورا.”
وخلال دقائق، اجتمع المجلس. تداولوا القضية بسرعة.
ثم صدر القرار: “يعاقب جلجامش… ويدفع إنكيدو الثمن.”
صفق الجميع.
همست كاساندرا للعرافة: “شكواي تنتظر آلاف السنين… أما هذه فلم تحتج إلا إلى دقائق.”
قالت العرافة: “يبدو أن الملفات لا تتحرك بالأدلة… بل بالأنساب.”
سألت كاساندرا الموظف: “وما الفرق بيننا وبينها؟”
أجاب وهو يخفض صوته: “هي ابنة إله.”
قالت: “وأين العدالة؟”
ابتسم وقال: “العدالة موظفة بعقد مؤقت… أما القرابة فهي منصب دائم.”
في تلك اللحظة دخل أبولو بثيابه الذهبية، تحيط به الموسيقى والشعراء. وقف الجميع مرة أخرى.
قال المدير: “مولاي… تشرفنا.”
أشار أبولو إلى ملف كاساندرا وملف العرافة الكومية.
قال بهدوء: “أغلقوهما.”
أغلقت الملفات فورا.
ثم مر إنكيدو، يحمل في يده قرار موته.
قرأه مرة أخرى، ثم ابتسم ابتسامة حزينة وقال: “عجيب أمر هذه المحكمة…
حين احتاجوا إلى رجل يواجه جلجامش، خلقوني من الطين.
وحين احتاجوا إلى مذنب، وجدوني أول الحاضرين.”
ساد الصمت. لم يرفع أحد رأسه.
ومن زاوية القاعة، خرج صوت العرافة الكومية، بعد أن لم يبق منها إلا همس: “أريد أن أموت…”
أما كاساندرا فقالت وهي تغادر: “كنت أعرف منذ البداية أن هذا سيحدث…”
التفت إليها الموظف ساخرا وقال: “وهل لديك دليل؟”
ابتسمت بمرارة، ولم تجب. فهي تعرف أن أحدا لن يصدقها.
وفي المساء، أغلق المدير المكتب.
وأصدر بيانا صحفيا جاء فيه: “تؤكد الآلهة التزامها الكامل بالعدالة والشفافية والمساواة بين جميع المراجعين.”
وعلقت على الباب لافتة صغيرة كتب عليها: “نستقبل جميع الشكاوى… باستثناء الشكاوى المقدمة ضد أصحاب السلطة.”
ملاحظة
“لم يكن المكتب مخصصا لآلهة اليونان وحدها، بل لكل من خرج من أسطورة وهو يحمل مظلمة لم تجد من يسمعها.






