حين أصبح الحرس الثوري يحرس ثروته

صفوان جمو

لأكثر من ستة وأربعين عاماً، كان مجرد طرح سؤال عن جدوى وجود الحرس الثوري في إيران يُعد نوعاً من الكفر السياسي. أما اليوم، فقد أصبحت صحف محسوبة على النظام نفسه تناقش علناً فكرة دمجه بالجيش النظامي، في مشهد يكشف أن المؤسسة التي قيل إنها جاءت لحماية الدولة، باتت تُطرح بوصفها عبئاً عليها.

منذ تأسيسه عام 1979، قيل للإيرانيين إن الحرس الثوري هو الضمانة الأولى للثورة الإسلامية. لكن بعد كل هذه العقود، يبرز سؤال يصعب تجاهله: ماذا حرس الحرس فعلاً؟ هل حرس المواطن الإيراني الذي يقف في طوابير الخبز والدواء، ويكافح لتأمين احتياجات أسرته؟ أم حرس شبكة اقتصادية وسياسية توسعت حتى تحولت إلى إمبراطورية يصعب منافستها أو مساءلتها؟

المشهد يحمل قدراً كبيراً من المفارقة. فالدولة التي أمضت سنوات طويلة تتحدث عن مقاومة “الاستكبار العالمي”، تجد نفسها اليوم أمام سؤال يطرحه الإيرانيون قبل غيرهم: لماذا تحتاج البلاد إلى جيشين، بينما يعاني الاقتصاد من أزمات متراكمة، ويزداد العبء على المواطنين عاماً بعد آخر؟

الواقع الاقتصادي يتحدث بلغة الأرقام. فقد ظل التضخم خلال السنوات الأخيرة عند مستويات مرتفعة، مع استمرار تراجع القوة الشرائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، بينما تشير تقديرات دولية إلى أن شريحة واسعة من الإيرانيين باتت تعيش تحت خط الفقر أو على حافته. وفي المقابل، لم تتوقف الإمبراطورية الاقتصادية المرتبطة بالحرس الثوري عن التوسع في قطاعات النفط والغاز والإنشاءات والاتصالات والموانئ والنقل والخدمات المالية.

هنا تكمن المفارقة الحقيقية. فالحرس الثوري لم يعد مجرد مؤسسة عسكرية، بل أصبح لاعباً اقتصادياً ضخماً يمتلك نفوذاً واسعاً داخل مفاصل الاقتصاد الإيراني. وعندما تتحول المؤسسة العسكرية إلى منافس للتاجر والمستثمر والمقاول، فإن السوق يفقد توازنه، وتفقد الدولة جزءاً من قدرتها على إدارة اقتصادها بصورة طبيعية. وقد أشارت تقارير دولية، بينها تقارير لوكالة رويترز، إلى أن أي تخفيف للعقوبات قد يجعل الشركات المرتبطة بالحرس من أكبر المستفيدين، نتيجة حضورها العميق في قطاعات واسعة من الاقتصاد.

إنها المفارقة الإيرانية بامتياز: كلما ازداد المواطن فقراً، ازداد الحرس نفوذاً. وكلما تراجعت قيمة الريال، بقيت المؤسسات الاقتصادية التابعة له قادرة على توسيع نفوذها. فالعقوبات التي أنهكت المجتمع تحولت، بالنسبة لبعض مراكز القوة، إلى فرص جديدة للسيطرة على مزيد من الأسواق والمشروعات.

لهذا يبدو الحديث عن دمج الحرس الثوري في الجيش النظامي أشبه بمحاولة إدخال تمساح في زجاجة. فالقضية لم تعد تتعلق بتشكيل عسكري يمكن إعادة هيكلته، بل بمنظومة تمتلك نفوذاً أمنياً واقتصادياً وسياسياً وإعلامياً واسعاً، يصعب فصله عن بنية الدولة بعد كل هذه السنوات.

وفي الداخل، تبدو ملامح انقسام صامت. جناح لا يزال يرفع شعارات الثورة والتضحية، وجناح آخر يبدو أكثر انشغالاً بإدارة الشركات والعقود والاستثمارات. الأول يتحدث عن العقيدة، والثاني يتحدث بلغة الأرباح والخسائر، وكأن الثورة نفسها أصبحت مشروعاً اقتصادياً أكثر منها مشروعاً سياسياً.

أما المواطن الإيراني، فهو الخاسر الأكبر. فمنذ سنوات يُطلب منه الصبر وتحمل الضغوط الاقتصادية باسم حماية الثورة، بينما يرى كثيراً من أبناء المسؤولين يعيشون حياة مرفهة، ويدرس عدد منهم في جامعات مرموقة خارج البلاد، في صورة تناقض تماماً خطاب التقشف الذي يُطلب من الإيرانيين الالتزام به.

لم يعد السؤال اليوم: هل يُحل الحرس الثوري؟

السؤال الأهم هو: كيف يمكن لدولة أن تستعيد توازنها بعدما سمحت لمؤسسة واحدة بأن تجمع بين القوة العسكرية والنفوذ الأمني والإمبراطورية الاقتصادية والتأثير السياسي والإعلامي في آن واحد؟

المؤسسات لا تسقط دائماً لأنها هُزمت في حرب، بل قد تنهار عندما تكبر أكثر مما تحتمل الدولة، وتصبح مصالحها الخاصة أكبر من الرسالة التي أُنشئت من أجلها. وربما تكون المفارقة الأكثر سخرية أن المؤسسة التي رفعت شعار حماية الثورة قد تجد نفسها يوماً ضحية الثروة التي راكمتها باسم تلك الثورة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى