أوليغارشيو روسيا يبحثون عن مخرج

بسام مقداد

في التاسع من الجاري صدرت الأسبوعية البريطانية The Economist وعلى غلافها صورة أحد أكبر أوليغارشيي روسيا، أندريه ميلنيتشينكو (Andrey Melnichenko)، وهويرتدي سترة شبيهة بسترة ماوتسي تونغ الشهيرة، ويذيل الصورة عنوان ” الرجل الذي بوسعه تغيير روسيا” أو “الرجل الذي كان ليغير روسيا”. ويشتمل عدد الأسبوعية على مقال هيئة التحرير بشأن مقال ومقابلة مع ميلنيتشينكو استهلكت 60 ساعة من الحوار مع مندوب المجلة المسؤول عن القسم الروسي فيها أركادي أوستروفسكي، سليل عائلة روسية سوفياتية شهيرة.

المادة التي نشرتها الأسبوعية أثارتوقيتها وتفاصيلها وما قاله ميلنيتشنكو، موجة عارمة من التأويلات والأسئلة حول موقف الكرملين منها ومن يقف وراءها وأهدافها، ولماذا قررت الأسبوعية الرزينة، أحد أبرز منابر الرأسمالية الغربية، نشرها في هذه المرحلة من تاريخ روسيا، التي تخوض الحرب على الغرب عبر أوكرانيا للسنة الخامسة على التوالي.

لعل أحد أبرز الأسئلة التي اثارتها مقالة ميلنيتشنكو ومقابلته، علاقة الكرملين المحتملة بنشرها، وما إذا كانت مهمة الأوليغارشي شبيهة بمهمة نائب هتلر رودولف هيس، حين توجه “سراًً” بطائرته إلى بريطانيا لمحاولة إقناع قيادتها بإنهاء الحرب مع ألمانيا. وعلاقة ميلينتشكو الجيدة بالكرملين وتأييده للحرب على أوكرانيا وتكريس إنتاج مصانع الكيمياء التي يملكها لخدمة المجهود الحربي، تشجع على اعتماد هذا التفسير الوحيد تقريباً للمقالة. ووصف بعض الإعلام مبادرة الأوليغارشي بـ”العملية الصحافية الخاصة”، على غرار “العملية العسكرية الخاصة” التي يصر بوتين على اعتمادها  في وصف حربه على الغرب عبر أوكرانيا.

موقع Solidarity البيلوروسي المناهض لسلطة الديكاتور ألكسندر لوكاشنكو، وفي النص الذي نشره في 16 الجاري، على قناعة راسخة بأن سيرغي كيريينكو، النائب الأول لرئيس ديوان الرئاسة الروسية والمشرف على السياسة الداخلية الروسية، هو من رتب كل ما يتعلق بنشر مقالة ميلينشكو ومقابلته مع الأسبوعية البريطانية. ولإثبات قناعته هذه، يسهب الموقع في إيراد تفاصيل العلاقات المباشرة وغير المباشرة التي تربط بين كل من يفترض أنه على علاقة بنشر مقالة الأولغارشي. وعن الهدف من العملية برمتها يتحدث الموقع عن تسوية “على طريقة الكرملين”، يبدو أن الغرب مستعد للسير بها. ويلاحظ أن نص ميلينتشكو يخلو من تعابير مثل “عدوان”، “احتلال” و”جرائم حرب”، أي التعابير التي يحظر ذكرها الكرملين. بينما ترد تعابير مثل “إنقلاب العام 2014” في أوكرانيا، والدعوة إلى إحترام “إستقلالية القرار والدور السياسي لروسيا”.

يرى الموقع أن مقالة ميلينتشكو لا علاقة لها بالعمل الصحافي، بل هي دعوة للتسوية التي تفترضها الحرب في مراحلها الأخيرة. وحين يقتنع الغرب بهذه التسوية، يقوم نفسه بتشريع الأبواب لها، وتقديم المنبر وصياغة الاستنتاجات.

يرى الموقع أن ما يريد سيرغي كيريينكو قوله للغرب عبر مقالة ميلينتشكو يتلخص في نقاط ثلاث. أولاً، الحرب يجب ان تنتهي. ثانياً، الكرملين مستعد للتعايش مع سيادة مستقرة يمكن التنبؤ بها، وليس مع نهج يقوم على التوسع المستمر بلا حدود. ثالثاً، العقوبات الغربية يجب أن تكون مصحوبة بمسار واضح لرفعها، وإلا فإن النظام سيتفكك على نحو لا يمكن التحكم بعواقبه. ويرى أن هذا ليس خطاب بوتين حول “اجتثاث النازية” الأوكرانية، وإنما هو خطاب كيريينكو القائم على فكرة “الاستقرار الذي يمكن إدارته”.

مركز كارنيغي موسكو الذي يصدر الآن في برلين تحت إسم  Carnegie Politika نشر في 21 الجاري نصاً للباحثة في شؤون روسيا وأوراسيا في المركز تاتيانا ستانوفا.

لا تنفي الباحثة ما ذهب إليه الموقع السابق عن معرفة بوتين المسبقة “بعملية ميلنيتشنكو الصحافية الخاصة”، بل وقيام أحد كبار مسؤولي الكرملين بترتيب العملية. لكنها، وعلى عكس هذا الموقع، لا ترى أن العملية كانت تنفيذاً لمشيئة الكرملين، بل لديها تفسيرها الخاص لهذه الموافقة، وتعتبرالعملية “أعمق الشروخ” التي أصابت نظام بوتين خلال كل سنواته. فهي تفترض بأن روسيا تشهد حالياً  تبلور اتجاهين متعارضين يمزقان النظام من الداخل. الأول هو منطق بوتين القائم على الحرب، حيث يقود كل تصعيد إلى المزيد منه. أما الثاني فهو تنامي المطالبة بالتغيير، وبإجراء تقييم واقعي للإمكانيات، وبالكفاءة في اتخاذ القرارات، وبوضع أهداف واقعية ومنطقية.

وتقول الباحثة بأن حرب روسيا ضد أوكرانيا تدخل في مرحلة جديدة، لا تصب التغيرات التي تحملها في صالح أي من الطرفين، إنما تنقل الصراع إلى مستوى أرفع من التصعيد ينطوي على إمكانية أدنى لمعرفة تطوراته وارتفاع مخاطر توسع رقعته الجغرافية. وفي منتصف السنة الخامسة للحرب أخذت مشاكل روسيا الداخلية لأول مرة، برأيها، تترك تأثيرها الملموس على مسار الأحداث. وأهم ما تغير خلال هذه الفترة هو وضع بوتين في هيكل السياسة الداخلية الروسية. فلم تتحقق، “ويبدو أنها لن تتحقق”، التوقعات التي كانت تعوّل على أن تدفعه الأزمات الداخلية والضغوط المتزايدة إلى تقديم تنازلات والاعتراف بخطأ الأهداف التي رسمها للحرب. فالضغوط لا تغير موقف بوتين، بل تؤدي إلى تزايد مخاطر تشوّه النظام وظهور تصدعات داخله.

تقول الباحثة أنه للمرة الأولى منذ اعتقال ميخائيل خودوركوفسكي عام 2003، يطرح أحد ممثلي قطاع الأعمال الروسي علنًا رؤيته السياسية الخاصة لمستقبل روسيا. وهي رؤية لا مكان فيها للحرب، وتقوم على علاقات طبيعية مع الغرب، وعلى إنهاء نظام الحكم السلطوي. وترى أن ميلنيتشينكو قام بـ”العملية الصحافية الخاصة” بالطريقة الأكثر خطورة بالنسبة للنظام، إذ حصل على موافقة بوتين نفسه، بعدما نجح في تقديم نفسه ليس بوصفه خصمًا للنظام، بل مساعدًا في تحقيق أهدافه. وقد أُبلغ الرئيس الروسي مسبقًا بالمقال الذي كان يجري الإعداد لنشره، لكنه لم يعترض على نشره، “ويبدو أنه لم يدرك مدى حساسية اللحظة وخطورتها”.

وترى ستانوفا أن هذا يشبه إلى حد ما ما جرى عشية تمرد يفغيني بريغوجين. فقد كان هو الآخر على معرفة وثيقة ببوتين، وكان يتحرك، ظاهريًا على الأقل، بما يخدم مصالحه. إلا أن الرئيس تجاهل لأشهر حالة السخط المتصاعدة داخل مجموعة “فاغنر”، إلى أن تطورت الأوضاع ووصلت إلى حد التمرد العلني. وهكذا الآن أيضًا، حيث أن نظرة بوتين المتعالية إلى كبار رجال الأعمال دفعته إلى التعامل مع تحركات ميلنيتشينكو، بما في ذلك اللقاء الذي جمعه به في أيار/مايو من العام الماضي، باعتبارها أمرًا هامشيًا لا يستحق الاهتمام، ويكاد يضيع وسط ما يراه معركةً كبرى ضد حلف الناتو، وأوروبا التي تعيد تسليح نفسها، و”الدولة العميقة” الأميركية. غير أن مقال ميلنيتشينكو، شأنه شأن كثير من الأحداث الأصغر التي شهدها هذا العام، ليس سوى عرضٍ لتحولاتٍ عميقة داخل روسيا، حيث بدأت النخبة تدرك أن “القط لم يعد يصطاد الفئران”.

النخبة الروسية، برأي ستانوفا، تعتبر أن المشكلة الرئيسية في الحرب لا تكمن في استمرارها لسنوات، بل في اتساع الفجوة بين كلفتها المتزايدة والأهداف المرجوة منها. واليوم يكاد يكون من المستحيل العثور داخل هذه النخبة على من لا يزال يؤمن بأن تحويل أوكرانيا إلى دولة “صديقة” أمرٌ ضروري وممكن في الوقت نفسه. وإذا كانت النقاشات، حتى وقت قريب، تدور حول ما ينبغي الحصول عليه بوصفه غنائم للنصر، فإن التركيز اليوم انتقل إلى البحث عن سبل الحد من الخسائر الهائلة التي كلفها تحقيق أي انتصار، مهما كان محدودًا.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى