
لا تبدأ الأسواق بالتحرك عندما يصدر قانون جديد، بل عندما تقتنع بأن القواعد التي ستبني عليها قراراتها لم تعد تتغير كل بضعة أشهر.
وهذه واحدة من أكثر الحقائق الاقتصادية، التي يصعب الانتباه إليها في الدول الخارجة من الأزمات، فالاهتمام ينصرف عادة إلى عدد القوانين الصادرة، وسرعة الإصلاحات، وحجم التعديلات التشريعية. لكن رأس المال لا يقيس البيئة الاقتصادية بعدد النصوص الجديدة، بل بدرجة استقرار النصوص التي أصبحت نافذة بالفعل.
وفي سوريا، حيث يبدأ مجلس الشعب دورة جديدة في مرحلة تسعى فيها الدولة إلى إعادة بناء اقتصادها ومؤسساتها، تبدو هذه الحقيقة أكثر أهمية من أي وقت مضى، فالتحدّي لا يتمثل في إنتاج تشريعات أكثر، بل في الوصول إلى لحظة يصبح فيها القانون أقل حاجة إلى التعديل، وأكثر قدرة على إنتاج النتيجة نفسها كلما طُبِّق في الظروف ذاتها.
فالاقتصاد -في جوهره- ليس حركة أموال فقط، بل حركة توقعات. والأسواق تستثمر في المستقبل قبل أن تستثمر في الحاضر، ولذلك فإن قراراتها تُبنى على ما تعتقد أنه سيبقى قائمًا، لا على ما يمكن أن يتغير غداً.
ولهذا، لا تنظر الشركات إلى البرلمان باعتباره مصنعًا للقوانين فحسب، بل باعتباره المؤسسة التي تحدد مدى استقرار قواعد اللعبة الاقتصادية. فكل عقد، وكل مشروع، وكل توسع، وكل وظيفة جديدة، يقوم في النهاية على افتراض بسيط: أن القاعدة التي اتُّخذ القرار على أساسها ستظل مستقرة بما يكفي ليكتمل أثر ذلك القرار.
السؤال الذي سيحدد الأثر الاقتصادي لأي مرحلة تشريعية جديدة ليس: كم قانونًا سيصدر؟ بل: متى يشعر الناس بأن القواعد الأساسية لم تعد تتحرك تحت أقدامهم؟
ومن هنا تنشأ مفارقة مهمة؛ إذ قد لا يكون أكبر إنجاز تشريعي هو إصدار قانون جديد، بل الوصول إلى مرحلة يصبح فيها تعديل القوانين استثناءً لا قاعدة. فالإفراط في تعديل التشريعات، حتى عندما تكون النيات إصلاحية، قد يبعث برسالة معاكسة إلى الأسواق، مفادها أن القواعد الأساسية ما تزال في طور البحث عن الاستقرار.
فالتاجر يستطيع التعامل مع ضريبة مرتفعة إذا كانت مستقرة، والمستثمر يستطيع احتساب كلفة تنظيمية معقدة إذا كانت واضحة، والمواطن يستطيع التكيف مع ظروف معيشية صعبة إذا كان يعرف حدودها. أما ما يصعب التكيف معه حقًا فهو القاعدة التي تتحرك باستمرار، لأن القرار الاقتصادي يحتاج إلى أرض ثابتة أكثر مما يحتاج إلى وعود كبيرة.
وهنا تكتسب المؤسسة التشريعية معناها الاقتصادي الحقيقي. فوظيفتها لا تقتصر على سنّ القوانين، بل على ترسيخ إطار مؤسسي يجعل العلاقة بين الدولة والمجتمع أكثر وضوحًا واستقرارًا. وكلما نجحت في ذلك، انخفضت كلفة المخاطرة، واتسعت مساحة المبادرة، وأصبح الاقتصاد أكثر قدرة على النمو بثقة، لا بردود الأفعال.
وفي الدول التي تعيد بناء مؤسساتها، قد يكون هذا الإنجاز أكثر أثرًا من أي حزمة حوافز أو إعفاءات مؤقتة. فالحوافز تنتهي بانتهاء مدتها، أما القواعد المستقرة فتتحول مع مرور الوقت إلى جزء من سلوك السوق نفسه، وإلى عنصر يجذب الاستثمار قبل أي امتياز آخر.
ولهذا، فإن السؤال الذي سيحدد الأثر الاقتصادي لأي مرحلة تشريعية جديدة ليس: كم قانونًا سيصدر؟ بل: متى يشعر الناس بأن القواعد الأساسية لم تعد تتحرك تحت أقدامهم؟
فعند تلك اللحظة يبدأ الاقتصاد بالعمل بطريقة مختلفة. لا لأن الدولة أنفقت أكثر، ولا لأن الأسواق تلقت وعودًا أكبر، بل لأن المجتمع كله بدأ يتخذ قراراته على أساس أن الغد لن يُعاد تعريفه من جديد.
فالقانون لا يكتسب قيمته الاقتصادية لأنه يتغير، بل لأنه يمنح الناس القدرة على اتخاذ قرارات طويلة الأمد وهم يعلمون أن قواعد اللعبة لن تتبدل قبل أن تؤتي قراراتهم ثمارها.
فحين يتوقف القانون عن الحركة، تبدأ الأسواق بالحركة. وحين تستقر القواعد، يصبح الاستثمار قرارًا اقتصاديًا، لا رهانًا على المجهول.
المصدر: تلفزيون سوريا






