
كرّس اتفاق الإطار الهلامي اللبناني الإسرائيلي، برعاية أميركية، الذي جمَّد في مادته الـ13 حقّ ملاحقة إسرائيل أمام محافل القضاء الدولي، تطبيعاً مع صورتنا النمطية بوصفنا أرقاماً في سجّلات القتلى أو أضراراً جانبية (collateral damage) لا قيمة لها. برّرت الحكومة اللبنانية البند بأنّه مجرّد تجميد لحقّ المقاضاة، باعتبار أنّ هذا الحقّ لا يمكن إلغاؤه بأي شكل، وأنّ بإمكان الأفراد مواصلة استخدامه بصرف النظر عن قرارات الدولة التي ستواصل توثيق الاعتداءات خلال فترة التفاوض المزعومة. الضحايا متروكون، بحكم القرار، لإمكاناتهم الفردية للتعامل مع خسائر فردية وجماعية بالغة القسوة، من دون دعم من الدولة التي يُفترض أنّها اللاعب الأبرز في الدفاع عن حقوقهم. والتبرير أنّ الحق جُمّد فقط، ولم يُلغَ، ويبدو مستغرباً أيضاً ما جاء على لسان بعض الحقوقيين، خصوصاً لغياب أي إطار زمني واضح لمفاوضات مستقبلية، ولقصور اتفاق الإطار عن وقف الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، بما فيها التجريف والتدمير والقتل الممنهج، في ظلّ احتمالات اندلاع جولات جديدة من الحرب في المنطقة.
بحسب الأرقام الرسمية اللبنانية، قُتل 4319 شخصاً، وأصيب 12 ألفاً ومائتا شخص آخر بجروح منذ مارس/ آذار 2026، كما قُتل 15 صحافياً وعاملاً إعلامياً لبنانياً على الأقلّ منذ “7 أكتوبر” (2023). اعترض اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، في بيان وقّعته منظّمة العفو الدولية وخمس هيئات حقوقية أخرى، على اتفاق الإطار، باعتباره يخذل ضحايا جرائم القتل الإسرائيلية في لبنان، ويحول دون حقّ هؤلاء في طلب العدالة أمام المنابر الحقوقية الدولية، كما يهدّد بتواصل التهجير القسري للمدنيين من سكّان القرى الجنوبية التي باتت تحت الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك تلك التي جُرّفت بالكامل، ما يجعل أكثر من مليون نازح، حكماً، في حالة تشريد من دون أمل في العودة إلى ديارهم في وقت قريب أو معلوم.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، رصدت إسرائيل نحو ألف هدف محتمل يومياً في العامَين الأوّلَين من حربَي غزّة ولبنان، وفقاً لما أفادت به شركة إلبيت سيستمز، وهي أكبر مزوِّد للأسلحة في إسرائيل. وقالت الشركة، في مؤتمر عسكري في لندن، إنّ برنامج الجيش الرقمي الإسرائيلي (صياد) رصد 850 ألف هدف في الوقت الفعلي عبر جميع جبهات القتال التي ينشط فيها الجيش الإسرائيلي، وذلك بين “7 أكتوبر” ونهاية عام 2025. هذا الحجم الهائل من العنف يتجاوز بكثير حجّة إسرائيل في الدفاع عن النفس، خصوصاً أنّ المدنيين ضحاياه الأكثر عدداً.
لم نعتد، نحن اللبنانيين، مفهوم المحاسبة، لا في الحرب الأهلية اللبنانية وخواتيمها ولا في فساد المصارف وأزمة سرقة أموال المودعين، ولا في محاسبة المسؤولين عن انفجار مرفأ بيروت
تشبه النكبة اللبنانية، في كثير من فصولها، الإبادة في غزّة، خصوصاً مع النزوح الكثيف والتدمير الشامل، إلّا أنّها تختلف أساساً لجهة التطبيع مع جرائم القتل، باعتبارها من يوميات الحرب العادية وتقاليدها لدى بعضهم، أو شرّاً لا بدّ منه لدى بعضهم الآخر. ويزيد من هذا التطبيع مع العنف خفوت الصوت الرسمي، أقلّه في الاعتراض على أعمال القتل والخطف والتدمير التي تواصلت في ظلّ صمت رسمي تخلّلته تصريحات شاجبة بين الفينة والأخرى. في حرب الإسناد الأولى، شاهدنا مواطنين لبنانيين يلتقطون صوراً لمبانٍ تتهاوى تحت الصواريخ الإسرائيلية كأنّها مشاهد من يوميات عادية. وبدا مشهد السقوط الكرتوني لهذه المباني مضحكاً لبعضهم، ومعها قُصفت أعمار أفراد ومجموعات وتاريخهم، وفي تلقّي التعليمات حول تدميرها من الناطق الإسرائيلي، وكأنّ الأمر مجرّد طرفة. ولفت مشهد اللبنانيين وهم يلتقطون صور الصواريخ في سماء البلاد تعبر بين إيران وإسرائيل أنظار العالم، بينما يتابعون سهراتهم في النوادي الليلية، في احتفالية بما كنّا دوماً نتفاخر بأنّه حبّ اللبنانيين للحياة وقدرتهم على الاستمرار رغم كلّ شيء. وفي المقابل، واصل لبنانيون آخرون تمجيد “الشهداء السعداء”، وطلبوا من أهالي الشهداء عدم البكاء على الخسارة والفقد الإنساني والمادّي باعتبارهما مكسباً للضحية. الضحايا مغيّبون بعدِّهم مجرّد أرقام لمن كانوا قليلي الحظّ في الحياة.
لم نعتد، نحن اللبنانيين، مفهوم المحاسبة، لا في الحرب الأهلية اللبنانية وخواتيمها ولا في فساد المصارف وأزمة سرقة أموال المودعين، ولا في محاسبة المسؤولين عن انفجار مرفأ بيروت في أغسطس/ آب 2020، الذي يُعدّ ثاني أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ، وراح ضحيته 236 شخصاً وأصيب فيه أكثر من سبعة آلاف شخص بجراح، فضلاً عن تدمير مبانٍ وأحياء بكاملها. ليس غياب المحاسبة جديداً بالنسبة إلى اللبنانيين، وليست أمراً ممكناً أو متوقّعاً مع هزيمة لبنان العسكرية والسياسية في مواجهة إسرائيل.
يسقط الاعتبار الإنساني للضحايا عندما يُعتبر حقّهم في العدالة أقلّ قيمة بكثير من مناورات السياسة
إلا أنّ تخلّي الدولة، ولو مؤقّتاً، بحسب زعمها، عن إمكان المطالبة بالعدالة أمام المحافل الدولية يعمّق عملية نزع صفة الإنسانية عن هؤلاء الضحايا، في حين حظي ضحايا الإبادة المتواصلة في غزّة، وعن حقّ، بحملات حقوقية وإنسانية تحدّت الصمت الدولي الرسمي والدعاية الإسرائيلية.
خلص تحقيق أجرته وكالة رويترز إلى أنّ مصوّرها عصام عبد الله قُتل بإطلاق قذيفتَين من دبّابة إسرائيلية على مجموعة من الصحافيين كانوا متمركزين بالقرب من قرية علما الشعب الحدودية في 13 أكتوبر 2023. وأصيب في الاعتداء ستّة صحافيين آخرين، بينهم مصوّرة وكالة فرانس برس كريستينا عاصي التي بُترت ساقها اليمنى. لم يكن ثمّة لبس في أنّ المجموعة صحافية، إذ كان أفرادها يرتدون سترات صحافية، كما رفعت سياراتهم شارات الصحافة بوضوح. وتعمّدت القوات الإسرائيلية أيضاً قتل الصحافية آمال الخليل التي بقيت تنزف ساعاتٍ بعدما منعت فرق الإنقاذ من الوصول إليها، وكانت لا تزال على قيد الحياة بعد إصابتها. وانتهى الصحافيان، وغيرهما من ضحايا القتل الإسرائيلي، الذين ساهموا في توثيق الجرائم، إلى مجرّد عناوين لاستنكارات رسمية وشعبية ستُنسى بعد أيّام أو شهور.
يسقط الاعتبار الإنساني للضحايا عندما يُعتبر حقّهم في العدالة أقلّ قيمة بكثير من مناورات السياسة في ظلّ غياب الحامي الرسمي. القتل الإسرائيلي لم يتوقّف، لا قبل اتفاق الإطار ولا بعده، ولعلّ تطبيعنا مع وحشية القتل هو مشكلة أكبر من الإطار ومبرّري هذا التخاذل.
المصدر: العربي الجديد






