قوانين الدقائق الأخيرة: الحكومة الإسرائيلية تعيد هندسة الدولة وهُويّتها

أحمد الجندي

لم يكن المشهد في اليومَين اللذَين سبقا حلّ الكنيست الإسرائيلي (في 17 يوليو/ تمّوز الحالي) مشهداً اعتيادياً في الحياة السياسية الإسرائيلية. فقبل دخول الحكومة مرحلة تصريف الأعمال، اختارت مكوّنات الائتلاف الحاكم تبادل الدعم فيما بينها لضمان تمرير حزمة قوانين تمثّل أولويةً لكلّ طرف، وهي قوانين وصفتها الصحافة الإسرائيلية بـ”الحملة التشريعية المكثّفة” لإقرار قوانين مثيرة للجدل. ما يجعل المشهد غير اعتيادي أنّه لا يتعلّق بكثافة النشاط التشريعي الذي يُعدّ سمةً مألوفةً في السياسة الإسرائيلية، بل بطبيعة القوانين التي أُقرّت، وتمسّ جوهر النظام السياسي الإسرائيلي، والعلاقة بين السلطات، ومكانة القضاء، وهُويّة الدولة، والدور المتنامي للمؤسّسة الدينية، وقضية التجنيد، والتعليم العالي، والإعلام، وغيرها من القضايا التي يصعب اعتبارها مجرّد تشريعات إجرائية أو استجابة لمطالب قطاعات مجتمعية. يضاف إلى هذا أنّ الأثر السياسي لمعظم هذه القوانين لا يقتصر على الأسابيع أو الأشهر المقبلة فحسب، وإنّما يمتدّ سنوات، ما يعني أنّ الحكومة تسعى إلى استثمار هذه الفترة القصيرة لإعادة رسم قواعد اللعبة السياسية والمؤسّسية قبل الذهاب إلى انتخابات الكنيست المقبلة في نهاية أكتوبر/تشرين الأوّل المقبل.

اللافت فيما حدث أنّ الظروف السياسية غير المستقرّة، التي كان الائتلاف الحاكم يتحرّك فيها، وتراجع الثقة في الحكومة، وتداعيات استمرار الحرب، وتوقُّع المحلّلين الإسرائيليين العودة إلى المواجهة المكثّفة مع إيران بعد نهاية كأس العالم 2026، مثلما كتبت دانا سيمح في “يديعوت أحرونوت”، ربّما كانت تتطلّب تجنّب فتح ملفّات خلافية جديدة. لكنّ الحكومة الإسرائيلية اختارت مساراً معاكساً ودفعت نحو إعادة فتح ملفّات كانت قد فجّرت واحدةً من أكبر الأزمات الداخلية في تاريخ إسرائيل، في مقدّمتها الإصلاحات القضائية، إلى جانب ملفّات أخرى تمسّ، بصورة مباشرة، العلاقة بين الدين والدولة.

 تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى استثمار هذه الفترة القصيرة لإعادة رسم قواعد اللعبة السياسية والمؤسّسية قبل الذهاب إلى انتخابات الكنيست المقبلة في نهاية أكتوبر/تشرين الأوّل المقبل

ولكي تكون الصورة أكثر وضوحاً، أقرّ الكنيست نهائياً عدّة قوانين تثير خلافاً شعبياً كبيراً وتلاقي رفض المعارضة التامّ. في مقدّمتها المتعلّق بـ”دراسة التوراة” الذي أُقرّ قانوناً أساساً ويجعل دراسة التوراة ذات قيمة أساسية، بل قد يُستند إليه مستقبلاً في الدفاع عن تشريعات أو سياسات تمنح المؤسّسات الدينية وضعاً خاصّاً، سواء في قضايا التجنيد أو التمويل أو التعليم، باعتباره قانوناً أساساً. ثمّ يأتي قانون “تجميد اعتقال الفارّين من الخدمة العسكرية” الذي يمنح الفارّين من هذه الخدمة حصانةً ضدّ الملاحقة القضائية، وقد مُرِّر القانون رغم تحذير رئيس الأركان من عدم توافقه مع قيم الجيش الإسرائيلي، وإن كانت المحكمة العليا قد أوقفت سريانه مؤقّتاً حتّى انعقاد جلسة استماع أمام هيئة موسّعة تضمّ تسعةً من قضاة المحكمة العليا نهاية يوليو/ تموز الجاري. كذلك صدر قانون “إلغاء إصلاح الكشروت/ الحلال في الشريعة اليهودية” الذي يلغي قانوناً سابقاً سنّته حكومة لبيد – بينيت. ويرسّخ القانون الجديد سلطة الحاخامية الكُبرى حصراً في هذا الشأن. ومن بين أهمّ القوانين الجديدة التي طالما أرادتها الحكومة قانون إضعاف وظيفة المستشار القضائي للحكومة؛ فأُلغي دوره في تمثيل الحكومة أمام المحكمة العليا، وسُهّلت إجراءات تعيينه وإقالته، وخضع لإشراف وزير العدل. كما أقرّ الكنيست قانون الفصل بين الجنسين في الأوساط الأكاديمية الذي يستهدف توسيع نطاق الفصل بين الجنسَين، المطبَّق في نطاقات معيّنة في الشهادات الجامعية، ليشمل مراحل الدراسات العليا. وإلى جانب ذلك صدرت الموافقة على قانون الإعلام الذي تصفه المعارضة بأنّه “قانون إضعاف وسائل الإعلام”، وتقول إنّه يقدّم مزايا مالية للإعلام المقرّب من الحكومة، ويستهدف السيطرة على قياس نسب المشاهدة وميزانيات الإعلان، ورفع الحظر المفروض على شروط الإعلان والرعاية. وإلى جانب القوانين السابقة، وافق الكنيست على قانون مدّ الخدمة العسكرية النظامية في الجيش من 30 شهراً إلى 32 شهراً لمعالجة مشكلة نقص الأفراد في الجيش الإسرائيلي.

وتكشف القوانين السابقة ثلاث ملاحظات مهمّة، تتعلّق أولاها بإمكانية وضع هذه القوانين ضمن ثلاثة تصنيفات. الأوّل: قوانين ذات طابع يمكن أن يغيّر هُويّة الدولة ويعزّز هُويّتها الدينية، ويضيف إلى سلطة الحاخامات سلطةً دينية مثل قانون دراسة التوراة الذي أصبح قانوناً أساساً، ليرتفع عدد القوانين الأساسية إلى 15 قانوناً، وكذلك قانون إلغاء إصلاح الكشروت، وقانون الفصل بين الجنسَين في الدراسات العليا. وتبرهن هذه القوانين تعاظم تأثير التيّارات الدينية في إسرائيل عموماً، والحريديم بشكل خاص. ويرتبط التصنيف الثاني بالقوانين التي تقيّد السلطة الشعبية والرقابية والإعلامية، وتسمح بزيادة مستوى الفساد الحكومي، وهو ما يعكسه قانونا إضعاف وظيفة المستشار القضائي للحكومة وقانون الإعلام. وأخيراً تأتي قوانين تبدو في ظاهرها محاولةً لحلّ مشكلة نقص الأفراد في الجيش الإسرائيلي، لكنّها في حقيقتها ترسّخ عدم المساواة في تحمّل الأعباء، فتُلقي مزيداً منها على مختلف فئات المجتمع، في الوقت الذي تتيح فيه للحريديم التهرّب من الخدمة وتلغي قوانين سابقة كانت تلاحق الفارّين منهم.

تبرهن القوانين التي تعزّز هُويّة الدولة الدينية تعاظم تأثير التيّارات الدينية في إسرائيل

أمّا الملاحظة الثانية فهي أنّ حالة الرفض الواسعة لهذه القوانين، وشملت جامعات ومنظّمات حقوقية ومراكز دراسات، فضلاً عن قوى المعارضة، تعكس إدراكاً بأنّ آثارها تتجاوز الحكومة الحالية إلى شكل الدولة نفسها. وقد أدى ذلك إلى ربط وسائل الإعلام الإسرائيلية ما حدث بطبيعة التفاهمات التي حكمت عمل الائتلاف الحالي منذ تشكّلت الحكومة في يومها الأوّل، وتفاقمت في الأيام الماضية، إذ عُقدت صفقة تشريعية بين الليكود وشركائه، تقوم على تمرير القوانين التي تمثّل أولويةً لكلّ مكوّن من مكوّنات الائتلاف قبل حلّ الكنيست. فدفعت الأحزاب الحريدية نحو إقرار القوانين المرتبطة بمكانة دراسة التوراة، والتجنيد، والفصل بين الجنسَين في بعض برامج التعليم العالي، بينما عمل الليكود وحلفاؤه على إعادة إحياء بعض مكوّنات مشروع الإصلاح القضائي، وإجراء تعديلات تمسّ علاقة الحكومة بالمستشارة القضائية، وتضفي طابعاً شكلياً على المنصب يفرّغه من مضمونه الحقيقي، فضلاً عن تشريعات أخرى تتعلّق بالإعلام وآليات تشكيل لجان التحقيق. ونتيجة لهذا الرفض الواسع تلقّت المحكمة العليا التماسات من أجل إلغاء هذه القوانين، ما يعني أنّها ستظلّ محلّ جدل حتّى يُفصل فيها.

الملاحظة الأخيرة، وهي الأهمّ، ترتبط بقصور القراءة التي تكتفي بتفسير هذه التشريعات باعتبارها مجرّد نتيجة لمساومات ائتلافية. فلطالما كانت الصفقات السياسية صفةً مهيمنةً على النظام البرلماني الإسرائيلي، وهي ركن أساس في آلية تشكيل الحكومات واستمرارها. والجديد هذه المرّة أنّ التفاهمات لم تقتصر على توزيع المنافع أو الحقائب الوزارية أو الموازنات، وإنّما انصبّت على تشريعات تمسّ البنية المؤسّسية للدولة، وتعيد تعريف العلاقة بين السلطات، أو تمنح مكانةً قانونيةً جديدةً لقيم وممارسات دينية كانت، حتّى وقت قريب، محكومةً بتفاهمات سياسية أكثر من خضوعها لنصوص تشريعية. ومن هنا، لا يكمن القاسم المشترك بين هذه القوانين في موضوعاتها، بل في الوظيفة التي تؤدّيها، وهي إعادة تشكيل البيئة القانونية والمؤسّسية التي ستعمل في ظلّها الحكومات المقبلة، أيّاً كانت تركيبتها السياسية، إذا ما كُتب لهذه القوانين النجاة من الالتماسات المقدَّمة إلى المحكمة العليا.

 لم تتخلَّ حكومة اليمين عن مشروع “الإصلاح القضائي”، بل تعيد صياغته بتمرير مكوّناته تدريجياً

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إنّ ما شهدته إسرائيل في الأيّام الماضية، قبل حلّ الكنيست، يعكس محاولةً لإعادة هندسة الدولة على ثلاثة مستويات متوازية يتمثّل أوّلها في إعادة هندسة النظام السياسي، عبر تعديل موازين القوّة بين الحكومة والقضاء، وبين السلطة التنفيذية والمؤسّسات الرقابية. أمّا المستوى الثاني، فيتعلّق بإعادة هندسة هُويّة الدولة، من خلال تشريعات تعزّز الحضور الديني في المجال العام، وتوسّع تأثير الرؤية الحريدية والصهيونية الدينية في التعليم والقانون والسياسات العامّة. بينما يتمثّل المستوى الثالث في ترسيخ هذه التحوّلات مؤسّسياً، فيصبح التراجع عنها أكثر صعوبةً في المستقبل.

ومن الدلالات المهمة التي كشفها مضمون هذه الحزمة القانونية أنّ الحكومة لم تتخلَّ عن مشروعها الذي بدأته قبل أكثر من ثلاثة أعوام تحت عنوان “الإصلاح القضائي”، وأنّها اضطرّت في ذلك الوقت إلى تجميد هذا المشروع في ظلّ الاحتجاجات الشعبية الواسعة، إلى أن وجدت الفرصة المناسبة لتعيد صياغته بأسلوب مختلف يقوم على تمرير مكوّناته تدريجياً، بدلاً من طرحها في حزمة واحدة قد تسهم في اندلاع احتجاجات واسعة كما حدث عام 2023. وقد كانت ادّعاءات الائتلاف حينها تنطلق من فكرة أنّ الحكومة التي تستند إلى أغلبية برلمانية يجب أن تمتلك القدرة على تنفيذ برنامجها من دون أن تواجه عراقيل متكرّرة من مؤسّسات غير منتخبة. غير أنّ هذه الادّعاءات تتنافى مع مضمون أغلب التشريعات التي أُقرّت في الأيّام الماضية ولا تتعلّق أصلاً بادعاءات الحكومة حول حرّية العمل وتنفيذ البرامج، وإنّما تخصّ هُويّة الدولة وتميّز بين فئات المجتمع.

ولا يقتصر مغزى هذه التشريعات على مضامينها المباشرة، بل يمتدّ إلى توقيتها وإلى السياق الذي أُقرّت فيه. فمن الناحية السياسية، كانت الحكومة تدرك أنّ الكنيست يتّجه نحو الحلّ، وأنّ البلاد مقبلة على انتخابات قد تفضي إلى إعادة تشكيل الخريطة الحزبية. وفي مثل هذه الظروف، اختارت الحكومة تحويل أولوياتها الحزبية الضيّقة إلى قواعد قانونية ومؤسّسية تبقى قائمةً مع أيّ حكومة مقبلة، وتدشّن من خلالها مرحلة جديدة من الصراع على طبيعة الدولة وهُويّتها، وهو صراع مفتوح لا يُتوقَّع أن ينتهي.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى