
في رحلة المنتخب المصري بمونديال 2026 لكرة القدم، وإلى جانب الأداء القتالي وتحقيق أوّل فوز في تاريخ مشاركاته وبلوغ دور الـ16، برز مشهد بالغ الدلالة يجوز وصفه بالظاهرة بحكم تكراره، وهو التأييد الذي أحاط بالمنتخب أينما حلّ، والفرح كلّما حقّق تقدّماً، والحزن الذي رافق خروجه أمام الأرجنتين حاملة اللقب ثلاث مرّات. وظهر هذا في المدرجات وخارجها، وفي ساحات وبيوت عربية، وانعكس على وسائل الإعلام ومنصّات التواصل كاشفاً معنى أكبر من تأييد منتخب كرة قدم، ومخزوناً عميقاً من المحبّة لمصر وحضورها الرمزي في وجدان شعوب المنطقة. وكان أبلغ تعبيراته تكرار “سنفوز” حتّى صار المنتخب “نحن” لا “هم”. ويكشف هذا التحوّل في الضمير أنّ حدود الهُويّة، في لحظة التشجيع، تجاوزت الانتماء القطري إلى شعور بالعروبة لدى مواطنين من بلدان مختلفة يتابعون المباريات بالحماسة نفسها، حتّى بدا المنتخب ممثّلاً للمنطقة. وامتدّت دوائر التأييد إلى جماهير أفريقية وإسلامية، في دلالة على تعدّد الروابط التي ما تزال تربط هذا البلد بمحيطه ودوائره الثلاث.
تستحقّ هذه الظاهرة التأمّل أكثر من نتائج الفريق في البطولة أو تفسيرات النجاح والإخفاق، بما فيها روايات المؤامرة والحديث عن استثمار السلطة للحدث الرياضي، إذ تحوّلت المشاركة إلى مناسبة لإظهار معنى الانتماء العربي كما تعيشه الشعوب وتتمّناه وتبحث عنه، في وقت خفتت فيه شعارات القومية وتراجعت تيّاراتها. وصحيح أنّ للعاطفة أثرها في التعبير المتدفّق والحماسي في منافسة رياضية دولية، لكنّ هذا الالتفاف ليس مردّه انفعالاً شعورياً مؤقّتاً يرتبط بالمناسبة، بقدر ما كانت المناسبة فرصةً للتعبير، وكشفت مكانةً ما تزال تحتفظ بها مصر في الوعي الجمعي العربي، بوصفها، لدى فئات واسعة، رمزاً لتاريخ مشترك، وأملاً في دور مختلف يمكن أن تؤدّيه في منطقة أثقلتها وقائع من الهزائم والخراب والضعف أمام الهيمنة الإسرائيلية والصراعات الإقليمية.
ولا يتعارض هذا الالتفاف مع تشجيع كلّ شعب منتخبه، بل ربّما يتكامل معه. فقد شهد المونديال تحلّقاً حول المنتخبات الثمانية المشاركة، وعكس روحاً من الوحدة الوطنية، لا تنفصل عن رغبة في أن تلتقي شعوب المنطقة تحت مظلّة وممثّلين يحقّقون شعوراً مشتهى بالنصر والفرح وروح المثابرة في التمثيل والوحدة. وربّما لهذا تحوّلت جولات مشاركة المنتخب إلى مناسبة جماعية، وتعبير عن الانتماء إلى فضاء عربي واحد يتجاوز حدود القطرية، ويعكس بحثاً عن العروبة والانتماء المشترك، تفتقده شعوب المنطقة، وتبحث عن فرص لتجسيده حتّى في منافسة رياضية.
كانت رحلة المنتخب المصري مناسبةً كشفت أنّ صورة مصر في وجدان العرب أكبر من نتيجة المنافسة، وأنّ الشعوب ما تزال تحتفظ بقدرتها على إنتاج معاني التضامن والانتماء
كان المشهد أكثر كثافة في فلسطين، سيّما في قطاع غزّة. فمن بين البيوت المهدّمة والركام والخيام ومراكز الإيواء، ومع أنّ اللجنة المصرية دشّنت أماكن ونصّبت شاشات للمشاهدة في أربعة أماكن بالقطاع، وطالب سكّان مناطق أخرى بتعميمها، فإنّ جمهور غزّة كان أوسع بكثير من هذه الجهود، لأنّ حالة التعبئة والقابلية لتشجيع المنتخب حاضرة، وامتداد لعلاقة قديمة تجمع الغزّيين بمصر وأنديتها. وامتدّ المشهد فلسطينياً من غزّة إلى رام الله والقدس وحيفا والناصرة العربية. وحرص عدد من القيادات الفلسطينية على التعليق على ما أظهره المنتخب والجمهور المصري من تأييد رمزي للشعب الفلسطيني. ومن بين ذلك ما يستحقّ التحية؛ فقد جاءت كلمات المدير الفنّي حسام حسن، بعد مباراة المنتخب مع أستراليا، لتمنح هذا المشهد بُعداً إنسانياً إضافياً ورسالةً سياسيةً، حين وجّه التحية إلى الشعب الفلسطيني، وترحّم على الشهداء، وأشاد بمساندتهم الدائمة للمنتخب. ثمّ كرّر موقفه برفع العلم الفلسطيني بعد لقائه الأرجنتين وبعدها. وبدت كلماته تعبيراً صادقاً عن المحبّة، وردّاً على ما شاهده الجميع طوال المنافسة، إذ كانت غزّة تشارك جيرانها باحثةً وسط الحرب والدمار عن مساحة للفرح تؤكّد أن الروابط التي تصنعها الشعوب أبقى من كلّ دعوات الانعزال والشوفينية، وأنّ شعب غزّة حاضر في المشهد على الرغم من كلّ ما يعانيه.
ولم يقتصر حضور القضية الفلسطينية في المونديال على الجماهير العربية، بل امتدّ إلى مشجّعين من جنسيات مختلفة، في نسخة بدت من أكثر نسخ البطولة التي تداخل فيها الرياضي بالسياسي. وكشفت النسخة التي استضافتها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك تداخلاً واضحاً بين المنافسة الرياضية والتوتّرات الدولية، سواء في التنظيم أو في الرسائل التي حملتها المدرّجات. ومن بين ذلك ما واجهه المنتخب الإيراني من صعوبات في التنقّل بين أميركا وكندا، وما أثير بشأن رفض التأشيرات، وعودة حكم صومالي إلى بلاده، وحملات التحريض الإسرائيلية ضدّ المنتخب ومديره، والتحشيد خلف منتخب الأرجنتين ضدّ إسبانيا التي حازت البطولة باقتدار، في منازلة ستُسجَّل رياضياً، وتكون موضوعاً سياسياً أيضاً.
هذا إلى جانب مفارقات عدّة. ففي مشهد نادر الحدوث، ترى اجتماع مشجّعي فريقي مصر وإيران قبل مباراتهما في مسيرات رفعت علمَي البلدين إلى جانب العلم الفلسطيني بوصفه رمزاً متكرّراً. وفي موقف الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) الذي يرفع شعارات التسامح والأخوّة، بينما يقف إلى جانب مراكز القوة ويستسلم لقواعد أصحابها، ويصمت إزاء عنصرية طاولت مبابي أدانتها الأمم المتحدة من دون أيّ ردّة فعل من الاتحاد. وفي حضور كأس العالم في أروقة الأمم المتحدة، المنظّمة الأممية، حين يُضرب مثل بالعدالة وتحقيق الأهداف وتجاوز الدقيقة الثمانين، وغير ذلك من تعبيرات مشابهة تجدها عند زهران ممداني. وإعادة “فيفا” لاعباً بعد بطاقة حمراء إثر مكالمة هاتفية من ترامب الذي وظّف الحدث سياسياً وهو يعلّق ويشتغل محلّلاً رياضياً ويغازل ميسي ورفاقه في المنتخب، ميسي الذي نال اهتماماً من رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، مع طاقمه السياسي من بن غفير وسموتريتش وغيرهما، وكأنّهم يدشّنون حملةً دبلوماسيةً عنوانها تأييد الأرجنتين أمام إسبانيا، لتكون جزءاً من مشهد الاستقطاب السياسي في موقف مناهض لحكومة بيدرو سانشيز الإسبانية، الأكثر انتقاداً لإسرائيل أوروبياً. ومعها، نُصبت في تل أبيب أماكن للمشاهدة، وأطلقت حملة سياسية، وكان تأييدها تأكيداً على مكانة إسرائيل (وحلفائها) التي شغلتها مباريات المونديال.
تكشف كرة القدم عمّا يبقى حيّاً في وجدان الشعوب حين تعجز المؤسّسات عن التعبير عنه
وقد كشفت التجربة المصرية داخل الحدث مفارقةً أخرى تتعلّق بالعلاقة بين السلطة والجمهور. فبينما صنع المشجّعون، شباباً ومسنّين، مشاهدهم بعفوية في الساحات والمقاهي من حضور حاشد واحتفالي عفوي صادق، وكان هناك في دول عربية مثيل له، حاولت السلطة استيعاب هذا كلّه وإعادة توجيهه داخل أطر منظّمة. مرّة في منطقة المشجّعين بالعاصمة الإدارية، حيث جرى ربط تشجيع المنتخب بالمشروعات العمرانية الجديدة، ثمّ بمحاولة إدارة المشهد والتحكّم فيه واستثماره سياسياً بعد عودة المنتخب. ورغم الرغبة الشعبية في استقبال الفريق كما جرى مع منتخبات أخرى، اقتصر الاحتفاء على فعّاليات باهتة، من استقبال في مدينة العلمين بالصحراء الغربية، ثمّ احتفال في ملعب القاهرة بتذاكر وإجراءات دخول، على خلاف مشاهد الاستقبال التي حظيت بها منتخبات المغرب والرأس الأخضر. وهنا، لا يتعلّق الأمر بتبريرات حول تنظيم الاحتفال وتوجّس وخوف أمني لدولة بوليسية أصلاً، لكنّه يكشف اختلافاً في تصوّر العلاقة مع الجمهور. فبينما ترى الشعوب في كرة القدم مناسبةً للتعبير الحرّ عن الفرح والانتماء، تميل السلطة إلى إدارة هذه اللحظة واحتوائها داخل إطار من الضبط، بما يجعل الحدث قابلاً للاستثمار وإظهار رموز السلطة ورجالها، أكثر منه تعبيراً عن مشاعر الناس، يعكس فرحتهم ويجسّد وجودهم، أي إنّها معادلة تنفي التعبير الحرّ والتدفّق الجماهيري لصالح صورة السلطة المتحكّمة التي لا تقبل في المشهد غيرها.
ومع التسليم بأنّ كرة القدم ليست مقياساً للوطنية ولا بديلاً من السياسة، فإنّها تظلّ تتيح مساحات وقدرة على التعبير في الساحات، وتحمل جانباً من التعبير عن وجدان الشعوب وتصوّراتهم حول اللحمة الوطنية والشعور القومي، وتمنحهم فرصةً لإظهار انتمائهم واستعادة ذاكرتهم المشتركة على مستويين، محلّي وإقليمي. ومن هذه الزاوية، كان الالتفاف العربي حول المنتخب المصري، إلى جانب ما يحمل من تعاطف مع أحد المنتخبات العربية، تعبيراً عن مكانة ما تزال مصر تحتفظ بها. إذ تحوّلت المناسبة، بالنسبة إلى ملايين العرب، من تحلّق حول المنتخب المصري إلى فرصة اجتمعت حولها مشاعرهم، خاصّةً بعد خروج منتخبات عربية من المنافسة.
ولا يعني هذا أنّ كرة القدم تصنع أمّةً أو تعوّض غياب السياسة، لكنّها تكشف ما يبقى حيّاً في وجدان الشعوب حين تعجز المؤسّسات عن التعبير عنه. ولعلّ هذا ما جعل الملايين يقولون، وهم يتابعون المنتخب المصري: “سنفوز”، وهي عبارة تعبّر عن شعور بالانتماء، ورغبة في أن ينتصر، ولو رمزياً، ما يجمع هذه المنطقة أكثر ممّا يفرّقها. ولذلك، كانت رحلة المنتخب مناسبةً كشفت أنّ صورة مصر في وجدان العرب أكبر من نتيجة المنافسة، وأنّ الشعوب ما تزال تحتفظ بقدرتها على إنتاج معاني التضامن والانتماء. وفي هذا ربّما تكمن الدلالة الأهم: أنّ مصر ما تزال، في نظر كثيرين، راية للعرب، الذين على الرغم من كلّ ما أصابهم، وعلى الرغم من أنّ أجيالاً منهم لم تعرف شعارات القومية كما في ستينيّات القرن الماضي، ما زالوا يبحثون عن معنى أن نكون أمّة.
المصدر: العربي الجديد






