لا يصح إلا الصحيح

أحمد الجمال

وهكذا تتكفل الأيام بمزيد من إنصاف ثورة يوليو 1952 وقائدها جمال عبد الناصر، حيث لا يصح في مسار تاريخ الأوطان والأمم إلا الصحيح، إذ يمكث في الأرض ما ينفع الناس، أما الزبد فيذهب جفاء.

وقبل أن أستطرد فيما تكفلت به الأيام، أود أن أؤكد أنني أضحيت لا أحمل الهجوم غير الموضوعي على تلك الثورة وقائدها محمل الجد، ومنذ أدركت أن مقترفي الكتابة والكلام في ذلك الاتجاه مصابون بما أسميته متلازمة يوليو وناصر، حيث تعرف المتلازمة في علم النفس بأنها مجموعة من الأعراض والعلامات النفسية والسلوكية المترابطة التي تحدث معًا لتشكل نمطًا مميزًا، وتدل على وجود حالة أو اضطراب نفسي معين، وينظر إلى الاضطرابات على أنها متلازمات تتضمن خللًا في الإدراك أو تنظيم الانفعالات، وعليه فإن الأمر يستدعي علاجًا أو إشفاقًا أو كليهما.

أما ما يندرج في سياق الدراسات التاريخية العلمية، أي التي تعتمد على أدوات مناهج البحث التاريخي، والتي تقرأ الظواهر والأحداث التاريخية وفق الظروف التي أحاطت بها وحكمت مسارها، والوصول إلى رصد وتحليل السلبيات والإيجابيات ثم استخلاص الدروس التاريخية؛ فإنها تؤخذ على محمل الجد الذي لا هزل فيه.

أما ما تكفلت به الأيام فهو كثير، أتوقف عند أمرين نعيشهما الآن، أولهما ما تنقله الدوائر المتخصصة في نهر النيل عن انخفاض مياه النهر في السودان، وأن ذلك هو إشارة إلى أننا بصدد سنوات عجاف قد تماثل دورات القحط التي يبلغ متوسط مداها الزمني سبع سنوات.

وهنا يفرض السد العالي وبحيرة ناصر نفسهما على الجميع، عدا مرضى المتلازمة إياها، لأنهم إما سيصابون بالخرس والصمم أو سيصابون بهستيريا الإنكار.

وهنا أذكر حوارًا تم منذ عدة سنين بين طبيب مسالك بولية، عاشق لتاريخ مصر القديم، وأسرته، وبيني وكنا على عشاء بدعوة كريمة منه، وكان لا بد- وبحكم عدائه المعلن للثورة وقائدها- قال أحدهم: إن السد العالي كان جريمة فادحة بحق الطبيعة، إذ إنه تم تحويل مجرى النهر عن مساره الطبيعي، وتم التحكم في تصرفاته.

وكان تعليقي هو أن صاحب الدعوة جراح مسالك تصادفه حالات يتعين عليه فيها تحويل مجراها لأجل حياة المريض، فهل هذا أيضًا جريمة في حق طبيعة جسم الإنسان؟!

وإذا بدأت السنوات العجاف فلن يحمي مصر؛ شعبًا وضرعًا وزرعًا وطاقة ونقلًا نهريًا، إلا بحيرة ناصر ومعها المفيض الذي يمتلئ منها!

أما الأمر الثاني، الذي تكفلت به الأيام، فهو مسألة القواعد الأجنبية، إذ أرست ثورة يوليو وقائدها مبدأ أساسيًا هو رفض وجود القواعد الأجنبية ورفض الأحلاف، وتم ذلك عمليًا بالعمل على تصفية وإنهاء القاعدة البريطانية في منطقة القناة، وكان العمل على إنجاز ذلك مزدوجًا، أي عبر التفاوض وأيضًا عبر الضغط بالعمليات الفدائية، كلما تشدد البريطانيون، وقد عشنا تلك الفترة وشفنا المفاوض الإنجليزي، وقد حرص الرئيس عبد الناصر أن تظهر صورة للمفاوض وفوق رأسه إطار فيه صورة الزعيم الوطني أحمد عرابي، وتحقق الجلاء الذي كان له عيد تحتفل به مصر كل عام يوم ١٨ يونيو، وانتهى الوجود البريطاني الذي دام أكثر من سبعين عامًا.

والآن، وبما يجرى للبلاد التي قبلت بوجود قواعد أمريكية على أراضيها، يدرك كل ذي عقل سليم ونفس سوية أن نضالات الشعب المصري ضد الاحتلال، وضد القواعد الأجنبية، وضد الأحلاف، ثم تقدمه لصفوف حركات التحرر الوطني العالمية في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، واختياره الحياد الإيجابي ثم عدم الانحياز كطريق ثالث بين طرفي الحرب الباردة، ثم اختياره التنمية الوطنية الشاملة؛ كانت وستبقى ثوابت وطنية أثبتت الأيام صحتها ورشدها.

ولذلك فإن من يسألون مستفهمين عن الذي تبقى من يوليو وقائدها، فإن الإجابة هي ما ذكرته مما تكفلت الأيام بإظهاره.

أما الذين يعلو نقيقهم الاستنكاري الخالي من أي منطق فسوف تتكفل الأيام أيضًا بمزيد من تعرية خللهم العقلي وخرابهم النفسي، وربما تكشف أمورًا أخرى لن أستطيع أن أفصل فيها، رغم أن لدي معلومة عرفتها من مصدر موثوق، قد توحي بأنني أزعم لنفسي حمل أختام الوطنية.

 

 

المصدر: المصري اليوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى