
ليلى الشايب
في عالم يعيش حالة فصام حادّة، جزء منه يعيش على ايقاع منافسات رياضية في أهم تظاهرة عالمية في كرة القدم، لعباً وتشجيعاً واحتفالاً في الشوارع ومشاهدة عن بعد وليالٍ بيضاء بسبب فارق التوقيت، وجزء آخر يشهد حرباً تسمع انفجاراتها على مسافات قريبة، ويتصاعد دخانها ويشاهد بالعين المجرّدة وتملأ أخبارها يوميات سكان المنطقة التي تجري فيها وحولها وتتحكّم في تفاصيلها على نحوٍ متزايد… في هذه الأثناء، شكّل إعلان فوز إسبانيا بكأس العالم 2026 لحظة شاردة من هذا الواقع الدولي المحبط، عالي الاستقطاب والمسكون بالهواجس والقلق، فكانت فرحة جامعة عابرة للحدود والتوقيت يردّد فيها اسم إسبانيا الملايين في أهازيج وكتابات، فإسبانيا بفريقها الشاب، في هذا المونديال تحديداً، لم تكن مجرّد بلد مشارك في منافسة تنتظم منذ عام 1930، ويلعب كرة قدم فائقة الروعة، بل هي أكثر من هذا بكثير، ولم يكن فوزها مجرّداً من معانٍ أعمق ومن أهداف جميلة ترجمت أداءً بطولياً ممتعاً لا يمكن أن يختلف عليه حتى أعتى المتعصّبين.
أصبحت الدعوة إلى الفصل بين الرياضة (كرة القدم بالذات) والسياسة أقرب إلى المثالية، بل عدم الواقعية، أكثر من أي وقت، رغم أنّ الفصل هو ما تحتاجه لعبة هي أكثر الرياضات شعبية وقدرة على الحشد وإثارة المشاعر… عدا عن قدرتها المذهلة على الصعود بشبّانٍ من شتى الجنسيات والثقافات، من أدنى قاع مجتمعاتهم إلى قمّتها… إذ يبدو أن هذه الأسباب والأسرار هي نفسها التي نقلت كرة القدم من الأزقة والساحات إلى قلب السياسة المحلّية والدولية. واليوم، بات نجومها يصنعون الرأي العام في اتجاهات مختلفة. ومن مسائل تتعلق بالصحّة أو التربية أو السلوكيّات العامّة، كان لنجوم كبار دور بارز في تعزيز الوعي بها وتغييرها إلى الأفضل، إلى مواقف سياسية في قضايا حارقة شكلت المسألة الفلسطينية ذروتها، صعدت نجوم متلألئة من مستطيل العشب الأخضر إلى منابر الإعلام والفعاليات الكبرى لتعبّر عن مواقف “إنسانية” ومبدئية هي امتداد لحضور شديد الألق ولاحتضان جماهيري لا متناهٍ منحها صكّاً شرعيّاً للمشاركة الفاعلة في حياة الناس ومشاغلهم وقضاياهم. ولئن تواتر طرح سؤال ملحّ عن مدى وجاهة خوض الرياضيين في المسائل السياسية بين داعم ورافض، فقد فتح الباب على مصراعيه بعد “استقطاب” أسماء كبيرة في عالم كرة القدم إلى جهات وكيانات سياسية بغيضة، ولكنها متنفذة في مجال التسويق على مستوى العالم وفي الدعاية والإعلام. وقد لا يكون الأمر جديداً تماماً، ولكنه أصبح اليوم أكثر انكشافاً، كما أن المستقطبين لا يمانعون في إظهار نجاحهم في استمالة النجوم العالميين دليلاً على قوة التأثير التي يمتلكونها.
لقد ألغي، نهائياً، تقريباً ذلك الحاجز الرفيع جداً بين أجندات السياسة وبين كرة القدم، والذي اجتهدت أطراف عديدة في محاولة الإبقاء عليه، ولو من باب الإيهام، إبان مونديال قطر، حين حاولت جهات معروفة فرض استعراضاتٍ ووسائل “ترفيه” لا تتواءم مع طبيعة المجتمع القطري والمجتمعات المجاورة وتلك التي وفد منها آلاف المشجعين، ولكن الدولة المستضيفة تصدّت لذلك بحنكة تدرّس، لعبت على عامل التوقيت وعلى مزاج الجماهير الذي كان بمثابة استطلاع رأي لم يكن بالإمكان تجاهله. … وبعد أربع سنوات على الحدث الرياضي والثقافي الأبرز في المنطقة وقد تغيّر العالم كثيراً، وانزاحت محاذير وتحفظات واختلط الخاص بالعام، حتى في سياسات الدول الكبرى. وبعد مقتلة غزّة التي أنطقت من كانت بلسانه عقد، وحرّرت الضمائر، ودفعت إلى مراجعاتٍ كثيرة، وفي عالمٍ مكشوفٍ على مدار الساعة، لم يعد الصمت والتحفّظ أو الهروب والتخفّي دليلاً على ذكاء خاصّ أو دبلوماسية، عندما يتعلق الأمر بقضايا حارقة، تبيّن ألّا أحد سيبقى في منأى عن شظاياها إن اليوم أو غداً… ورغم التلويح بالانتقام والعقاب والتهميش لكلّ من ندّد ودان وخرج إلى الشارع لفضح وحشية القرن الواحد والعشرين من دول ومجموعات وأفراد، إلّا أن حاجز الخوف قد انكسر تماماً في جزء شاسع ممّا يسمّى “العالم الحرّ”، والذي يظلّ أكثر فاعلية وتأثيراً من المنطقة التي لا تزال مسرحاً لتلك الفظائع.
خيمت على المونديال ذبذبات سلبية من مصادر مختلفة، انصهرت مع بعضها بعضاً لتنعكس على أجواء الملاعب وسير المباريات وأمزجة الحكّام
من بين أكثر الدول إقداماً وجسارة وأعلاها صوتاً في القول لإسرائيل إنها مجرمة، وإنّ إجرامها لن تطويه القوة الراهنة أو النسيان، وإن هناك من يراقب ويسجّل ويجمع ما يلزم من وسائل لمحاسبة قادمة لا محالة، دولة اسمها إسبانيا على رأس السلطة فيها اشتراكي من يسار الوسط، يشبه كثيرين من الرجال العرب، اسمه بيدرو سانشيز، وفيها شعب يشعر العرب تجاهه بمشاعر تختلف عن شعوب أوروبا الأخرى، لأسباب نفسية وتاريخية تستعصي على المنطق والعقل وحدهما… إسبانيا التي كانت سبّاقة إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ووصف ما شهدته غزّة بالإبادة الجماعية وفرض حظر على توريد أسلحة إلى إسرائيل، والتي تخرج فيها مظاهرات ضخمة بشكل منتظم شهوراً وأسابيع، تتعرّض لمحاولات الترهيب، ولا تزال تضغط دبلوماسياً لفرض وقف دائم لإطلاق النار على من بقي في غزّة محشوراً وراء “خط أصفر” وحمايتهم وإدخال مساعدات إنسانية إليهم… هي نفسها التي أرسلت إلى مونديال 2026 (الأميركي أساساً) منتخباً وطنياً اختزل في عناصره نكهات إسبانيا وأسرار جمالها وروحها الحيّة والحرّة… وسبق وصولهم بأشهر عديدة صدى مواقف تضامن عميقة ومؤثرة مع فلسطين، تصدّرها اللاعب الشاب الفذّ لامين يامال المتّشح بعلم فلسطين أو بالكوفية، والذي يتّخذه شباب كثيرون اليوم مثالاً للصعود من العدم تقريباً وللطموح والمثابرة، حيث لا وجود للمستحيل. ومعه أوناي سيمون حارس مرمى المنتخب الذي احتج على حجب لقطات تكريم وتضامن الجماهير مع فلسطين. ونوادٍ مثل أتليتيك بلباو الذي أقام احتفالات تكريمية ومباريات تضامنية لدعم فلسطين وعرضت شاشات ملعبه (سان ماميس) رسائل تدعو إلى وقف الحرب وسط مؤازرة جماهيرية واسعة. وفي الخلفية أيضاً المدرّب الاسباني الأشهر بيب غوارديولا، وهو يغالب دموعاً ساخنة في تظاهرة لجمع التبرّعات، ويضرب بكفّه على صدره قائلاً “كيف يمكن أن نواصل حياتنا بشكل عادي ونستمتع ونحن نشاهد هذه الفظائع؟”، ويتساءل “هنا يوجد قلب… لا يمكن ألّا يتحرك أمام هول ما نرى”، و”قد تركنا الأطفال الفلسطينيين وحيدين”، وهو يصف رفع لامين يامال العلم الفلسطيني بالعمل الذي يدعو إلى “الفخر”، فيما هاجمه آخرون بعلّة عدم جواز خلط الرياضة بالسياسة. … وهذا غيض من فيض إسبانيا كما ترتسم اليوم في الضمائر.
وكأن حكومة الحرب الإسرائيلية تعمّدت أن تكون حاضرة لإفساد متعة اللعبة كعادتها، استبقت بإطلاق تصريحات ونشر فيديوهات تعلن فيها دعمها الكبير لبطل العالم السابق منتخب الأرجنتين، والأرجنتين رئيساً وحكومة وشعباً، وعن فيض من المشاعر الزائفة تكشفها الهوّة السحيقة بين ما تمثّله دولة إسرائيل في مخيّلة الملايين ولعبة هي الأجمل والأكثر إثارة ومقدرة على جمع البشر على كوكب الأرض. وبقدر ما أثاره هذا التطفّل من استهجان بقدر ما كشف استعداد كيان متخصّص في القتل ونشر الفتن وإفساد حياة الناس، لاختراق أي حدث لكسب النقاط.
خيمت على المونديال ذبذبات سلبية من مصادر مختلفة، انصهرت مع بعضها بعضاً لتنعكس على أجواء الملاعب وسير المباريات وأمزجة الحكّام، وقد لا يكون ثمّة مبالغة في القول إنّ ما شهدته هذه النسخة من تجاوزات وانحيازات ومظالم لم يعرفها تاريخ كأس العالم من قبل، وإنها بالفعل باتت تهدّد روح اللعبة، وتضرب مبدأ العدالة وتساوي الفرص فيها ومصداقية القائمين عليها في أعلى مراتبهم، في مقتل. لتكون بذلك الضحية التالية بعد القانون الدولي الذي أطيح تماماً في العامَين الماضيَين. في هذا المونديال الذي كان أشبه ما يكون بـ”حرب” نفسية وحرب نفوذٍ لا تصمد فيها غير الفرق التي تلعب بأسلوبٍ يكاد يقترب من الكمال، تخلق به إجماعاً داخل الملعب وفي المدرّجات، ولدى من يشاهد عن بعد، بحيث لا تترك ثغرة للتجنّي عليها بقراراتٍ جائرة تلعب على وتر الشك أو عدم الوضوح. بقي منتخب إسبانيا في السباق إلى نهايته بلعب باذخ المتعة والأناقة تفتقر إليه عادة مباريات النهائي التي يغلب عليها التكتيك والحسابات. ورافقته في “النهائي” ملايين العيون والأفئدة والحناجر حول العالم. أطاحت إسبانيا شعورَ الخوف وأعلت قيمة الشجاعة والثبات، والحق والعدالة، وسحبت مبكّراً من يد من كان يمكن أن يتربّص بها، بطاقات وأوراقاً كانت ستشهر في وجهها، كما حصل مع منتخباتٍ قبلها أقصيت بشكل صادم ومؤلم.
إسبانيا من بين أكثر الدول إقداماً وجسارة وأعلاها صوتاً في القول لإسرائيل إنها مجرمة، وإن إجرامها لن تطويه القوة الراهنة أو النسيان
حافظ “الفريق الأحمر” إلى آخر ثانية في نهائي بديع (إسبانيا) على نسقه المثير رغم التمديد، ورغم بدء تسرّب شيء من الخوف والريبة في قلوب مشجعيه مع مرور الوقت، مستحضرين سيناريوهات سابقة مشابهة… وأمام أعينهم تحضر صورة نتنياهو وهو يراهن على فوز الارجنتين، ويهنئ حليفه الرئيس خافيير جيراردو ميلي مسبقاً، ويبشّره بأنّ الكأس الذهبية ستكون في بوينس أيرس خلال ساعات، وسيحتفل بخيبة مدريد، ولكن الأقدار خيّبته، وأثبتت له فشله في كل شيء آخر غير القتل والتخطيط للشرّ مع زمرته.
تدرك إسبانيا أنها لم تلعب باسم إسبانيا فقط، وأنّ فوزها يتجاوز جغرافيتها ويتجاوز كرة جلدية طوّعها منتخبها كأجمل ما يكون. إنه فوز بطعم السياسة، عندما تكون إلى جانب الحق والصواب وببصمة الأخلاق والنبل والشجاعة والشرف والقدرة على اتخاذ المواقف، عندما تمتلك المقدرة على هذا، فتستمدّ منها القوة أينما حلّت… أمّا الوجه الآخر لهذا المشهد المكثف بالمعاني فهو أن القرب من إسرائيل في مجال يعشقه الناس في مشارق الأرض ومغاربها، حارق، بل إنه بمثابة اللعنة. الأرجنتين التي ألهمت أجيالاً، هي آخر الضحايا حتى كاد ينقلب عليها كل من أحبّها، وتضيّع رأس مالٍ لا يقدّر بثمن.
أما إسبانيا، سفيرة ما بقي من ضمير وإنسانية، والتي غنّت معها الجماهير مساء الأحد الماضي “وتحيا إسبانيا…” فقد ترجمت إلى فعل وحقيقة إحدى أشهر حكمها “إذا لم تحارب من أجل ما تحبّ… لا تبكِ على ما تخسره”، في الكرة وفي السياسة وفي الحياة.
المصدر: العربي الجديد






