أن “تغزو” إسرائيل فنزويلا

عبد اللطيف السعدون

أن “تغزو” إسرائيل فنزويلا، تلك هي المسألة، وهذه بعض فصولها…

في 14 يناير/ كانون الثاني 2009 قطع الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، وطرد سفيرها وطاقم السفارة على خلفية المجازر الوحشية التي ارتكبتها في غزّة. قي 14 يونيو/ حزيران 2025 صرخ خلفه نيكولاس مادورو بوجه العالم: “أوقفوا جنون بنيامين نتنياهو هتلر القرن الحادي والعشرين، أوقفوا العدوان والحرب على الشعب الفلسطيني وعلى شعب لبنان، وعلى العرب”. في 3 يناير 2026 أقدمت الولايات المتحدة على خطف مادورو، ونقلته إلى الأراضي الأميركية في عملية قرصنة، لمحاكمته بتهم الإرهاب والمخدّرات، أنيطت رئاسة الدولة مؤقتاً بنائبة الرئيس ديلسي رودريغيز، وشكلت هذه الواقعة جائزة كبرى لإسرائيل. وبعد شهر على خطف مادورو، استطاع طابور إسرائيل الخامس في فنزويلا، وبمباركة أميركية، إقناع رودريغيز بإرسال شحنة نفط إلى مصفاة بازان في خليج حيفا في إسرائيل بادرةً نحو تطبيع العلاقات، وبحسب تقارير متواترة، شحنات نفط أخرى في الطريق.

منذ 14 يناير 2009 وإسرائيل تنشط في الخفاء، وفي العلن أيضاً، تراقب، تستقصي، وتجنّد، وتخطّط للعودة إلى فنزويلا عند أول فرصة تسنح لها، وكان هناك من يدعم توجهها داخل المؤسّسات الرسمية، وفي منظمات الحزب الاشتراكي الذي ضعفت سلطته في ظل الهيمنة الأميركية على البلاد، واستطاعت عبر شبكاتها الإعلامية تمرير مقالات في “اليونيفرسال”، كبرى صحف فنزويلا، والصحف الأخرى تندّد بالشعب الفلسطيني وحركة حماس، وتصوّر إسرائيل دولةً ديمقراطية مضطهدة، وتدافع عن حقٍّ مزعوم لها في الحرية والحياة. وتدعو هذه الصحف إلى إعادة العلاقات مع إسرائيل، ومن بين من تمكّنت الأخيرة من تجنيده في صفها نيكولاسيتو النجل الأكبر لمادورو المسؤول عن الشؤون الدينية الذي وصل به الأمر بعد إطاحة والده أن يتبنى مطلب إعادة علاقات بلاده الدبلوماسية مع الدولة اليهودية.

يقيم بعض الخبراء والناشطين الإسرائيليين فترة أطول في فنزويلا تحت لافتة أداء واجباتهم “الإنسانية”، وهم في انتظار أن تتوّج حملتهم بإعادة فتح السفارة قريباً

تعرّضت فنزويلا في 24 الشهر الماضي (يونيو/ حزيران) لزلزال مزدوج لم تشهد القارّة اللاتينية مثيلاً له منذ 126 عاماً، وقد أحدث دماراً طاول قرابة سبعة ملايين إنسان، ومئات آلاف المباني والمستشفيات ومرافق البنى التحتية. في النهار التالي على الكارثة، كان الحاخام الأكبر في فنزويلا إسحاق كوهين يتصل بالرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز ليعرض عليها لفتة إنسانية (؟) من إسرائيل؛ استعدادها لتجييش حملة إغاثة كاملة، من مهندسين وخبراء في الدفاع المدني والطوارئ، وعمّال إنقاذ لهم خبرة في التعامل مع ما تسببه نكبات الطبيعة، وبمعيتهم ترتيبات وأجهزة لوجستية، وموادّ غذائية وطبية، وكل ما تحتاجه فنزويلا في ظرفها الاستثنائي الطارئ، وقد أُلحق بهم دبلوماسيون مختصون بشؤون أميركا اللاتينية مهمتهم غير المعلنة إحياء الوجود الدبلوماسي الإسرائيلي في فنزويلا. وبالطبع مع فريق من “الموساد” مهمته معروفة، وترافق مع الحملة إطلاق تغريدة من وزير الخارجية جدعون ساعور تضع إمكانات إسرائيل في إعادة الإعمار أمام الفنزويليين، و”قلوبنا مع العائلات الفنزويلية التي فقدت أحباءها”.

مع وصول “الغزوة” الإسرائيلية إلى كاراكاس ينقل عن نتنياهو قوله: “نحن لم نسأل مَن هم؟ ولا لماذا، بل سألنا فقط ما الذي علينا القيام به للمساعدة؟”، ويخاطب أعضاء البعثة: “أنتم لا تعيدون بناء الأنقاض التي خلفها الزلزال فحسب، بل تعيدون بناء العلاقات بيننا وبين أصدقائنا، وتضعون نهاية لقطيعة 17 عاماً”، وكانت كل كلمة من نتنياهو تستقبل في دوائر الحكم في كاراكاس بأريحية عالية، بخاصة من الرئيسة رودريغيز.

 كل كلمة من نتنياهو تستقبل في دوائر الحكم في كاراكاس بأريحية عالية، بخاصة من الرئيسة رودريغيز

إلى ذلك، يقيم بعض الخبراء والناشطين الإسرائيليين فترة أطول في فنزويلا تحت لافتة أداء واجباتهم “الإنسانية”، وهم في انتظار أن تتوّج حملتهم بإعادة فتح السفارة قريباً، وبذلك تكون “الغزوة” الإسرائيلية قد حقّقت هدفها الرئيس.

… يظل في الهامش أكثر من سؤال جارح: أين العرب من كل هذه التداعيات؟ وأين كانت حكوماتهم من زلزال فنزويلا؟ ولماذا ثلاث دول فقط من بين 22 دولة عربية سمعت بأنباء كارثة الزلزال، وتعاطفت مع شعب تشافيز الذي قال مرّة إنه لو لم يكن فنزويلياً لتمنّى أن يكون عربياً؟، والدول الثلاث هي الأردن وسورية وقطر، وقد بعثت بمساعدات غذاء ودواء وأشياء أخرى، وإن في نطاق محدود. ولا ننسى “تغريدة” دعم متواضعة نشرها رئيس حكومة العراق علي الزيدي.

لماذا يتنكّب العرب عن نجدة أصدقائهم في الوقت الذي يريدون منهم أن يتعاطفوا مع قضاياهم العادلة؟، لكن لعلّ لهم أعذارهم، ونحن نلوم. … وهكذا، أن “تغزو” إسرائيل فنزويلا… تلك هي المسألة، وتلك بعض من فصولها.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى