نحن وحروب المنطقة الرمادية

حسام أبو حامد

في الماضي غير البعيد، كنّا نعلم متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي: قرار سياسي، ثمّ مواجهة عسكرية تصل إلى نقطة حاسمة تغيّر موازين القوى، يجلس بعدها الطرفان، المنتصر والمهزوم، إلى طاولة يولد منها واقعٌ جديد. هكذا هي الحرب التقليدية التي عرفها العالم. حتّى الحروب الأطول، بما في ذلك حربَان عالميتَان، والحرب العراقية الإيرانية الأقرب إلى منطقتنا العربية، وغيرها، انتهت جميعها في لحظة عدّها العالم تاريخاً لن يعود. ولكن اليوم، وبدلاً من النهايات الواضحة للحروب، هناك بداياتها المتكرّرة. فما إن تخبو جذوتها في مكان حتّى تشتعل في مكان آخر. تتبدّل أسماء الخصوم، لكنّ المنطق يبقى واحداً: لا يريد أحدٌ حرباً عالميةً شاملةً، ولا يستطيع أحدٌ أن يفرض سلاماً شاملاً، لتبقى الحروب في المنطقة الرمادية، حيث لا حرب كاملةً ولا سلامَ شاملاً.
وفي غير مكان من عالم اليوم، لا تبدو الحروب تتّجه نحو لحظات الحسم. فجولات القتال ما إن تتوقّف حتّى تعود، ولا تعني الهُدن أكثر من فترات لإعادة التموضع. أمّا أسباب الصراع، فتصبح أكثر تعقيداً. الحرب الروسية على أوكرانيا، وحرب الإبادة الإسرائيلية على غزّة، وحرب إسرائيل على لبنان، والحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران… بين هذه كلّها قاسم مشترك: الزمن وقد أصبح عنصراً رئيساً في الصراع، ولعلّه أضحى أكبر المنتصرين، يحاول كلّ طرف من أطراف الصراع أن يستثمره لمصلحته. فمع طول زمن الحرب، تتغيّر الحسابات السياسية، وتتبدّل الحكومات، وتتراجع أولويات الرأي العام، مع ظهور أزمات جديدة. ومع أنّ السلاح حاضرٌ، إلّا أنّه يتحرّك ضمن شبكة أوسع من أدوات الصراع المؤطَّرة زمنياً من العقوبات والبروباغاندا الإعلامية والوسائل التكنولوجية والحروب النفسية والتحالفات الإقليمية والدولية.
على الرغم من امتلاك عالم اليوم من أدوات القوّة ما يفوق أيّ مرحلة في التاريخ، فإنه يفتقر إلى القدرة على انتهاج سياسات مستقرّة. ففي وقت تتطوّر فيه التكنولوجيا بسرعة مذهلة، ويزداد فيه ترابط الاقتصادات العالمية، وتصبح الأسلحة أكثر فتكاً ودقّةً، تتراجع قدرة النظام الدولي على إغلاق الملفّات المفتوحة، طالما أنّ الحرب الجديدة عمليةً طويلةً لإعادة تشكيل موازين القوى تضيف مع كلّ جولة عنصراً جديداً الى المعادلة. هي سياسة الإنهاك التي أضحت تصنع العلاقات الدولية، وهي سياسة لا تبحث عن لحظة النهاية لأنّها تجد في استمرار الصراع وسيلةً لإعادة توزيع القوى والنفوذ بصورة مستمرّة.
ويُخشى أن يكون خيار إطالة أمد الصراع، بدلاً من وضع حدّ له، خياراً مقصوداً، إذ تبدو حرب اليوم وسيلةً لإعادة توزيع النفوذ، ورسم موازين القوى بصورة مستمرّة، في ظلّ العجز عن هزيمة الخصم بسرعة، ما يتطلّب إنهاكه تدريجياً واستنزاف موارده المادّية والبشرية وإبقائه منشغلاً بأزماته الداخلية، ليبدو أنّ إدارة الصراع هي جزء من الاستراتيجية الدولية الجديدة التي تريد تحقيق أهدافها من دون الحاجة إلى معركة فاصلة. وهنا تبرز أهمية الاقتصاد الأكثر صلابةً والمجتمعات الأكثر تماسكاً وتحمّلاً لكلفة الحرب وأوزارها. وتتجاوز تلك الاستراتيجية أطراف الحرب أنفسهم، ما يعني أن يدفع العالم فاتورة الحروب في تلك المنطقة الرمادية. لذلك نعيش في العالم على إيقاع أزمات مستمرّة، تؤثّر في الأسواق، وفي الاستثمارات، وفي الخطوط التجارية وسلاسل التوريد، ما يدفع الدول إلى إعادة ترتيب أولوياتها الأمنية وتحالفاتها.
في الحرب على إيران مثلاً، بدت الملفّاتُ الأساسيةٌ عالقةً، وبقي العالم ينتظر الجولة التالية، بدل أن تصل الحرب إلى نهايتها، ما يعني أزمات دولية وإقليمية متتالية متشابكة. ويبدو أنّ مجتمعاتنا بدأت تتكيف مع المشهد اليومي للحرب المفتوحة في غير مكان، في ظلّ تراجع فكرة التسوية الشاملة، يتملّكها الاعتقاد بأنّ الصراعات قدر يتكرّر دائماً لا يمكن تجاوزه. وقد تعيد حروب المنطقة تشكيل وعي الأجيال الجديدة، فيتعاملون معها باعتبارها حالة طبيعية لا استثناءً، ما يعني أنّنا دخلنا مرحلةً وجوديةً مختلفةً كلّياً.
تدريجياً، لم يعد شغفنا مُنصبّاً على أن نشهد نهاية الحرب، بقدر ما يحرّكنا الفضول لمعرفة طبيعة العالم الذي سيتشكّل في ظلّها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى