
خبرٌ مؤسف أن تعلن الراهبة رينيه كوسا رحيل آخر الراهبات الفرنسيسكان عن مدينة حلب، فحسب رئيسة دير الراهبات الفرنسيكان-مرسلات مريم، تُنهي الراهبات خدمتهن في المدينة بعد 113 عام من استهلال نشاطهن الخيري والرعوي. وإذا لم يكن ديرهن قد أصبح من معالم المدينة المألوفة خلال أكثر من قرن، فمدرسة الفرنسيسكان من المعالم التي يندر ألا يعرفها حلبي، هي المدرسة التي صمدت من حقبة كانت تتوارى، وتتوارى معها مدارس مثل اللاييك والفرير (“الأخوة” بالفرنسية)، حيث تم تأميم هذه المدارس وتغيير أسمائها بعد انقلاب البعث.
ليس من سبب معلن لقرار الراهبات ترك حلب، ومن المرجَّح ألا يكون هناك سبب مباشر، أو ضغوط متعمَّدة مباشرة دفعت لاتخاذ القرار. هو المناخ العام الذي دفع ويدفع في اتجاه تقليص العمل الرعوي، بينما كانت الحاجة إلى العمل الخيري تزداد في العموم، لا لدى المسيحيين أو الكاثوليك منهم على نحو خاص. حسب أرقام تقريبية تقلص عدد الفرنسيسكان في حلب إلى الثلث في سنوات الحرب التي تلت الثورة، ونعلم من مصادر مطلعة أن عدد الأرمن في حلب قد انخفض في الفترة نفسه من قرابة 70 ألفاً إلى 12 ألفاً فقط. ومن المتوقع أن يكون هذا المسار قد استمر بعد سقوط الأسد؛ أي أن الأرقام الحالية أدنى من المذكورة مثالاً لا حصراً.
الحضور المسيحي، بطوائفه المتعددة، ليس تفصيلاً هامشياً في مدينة حلب. يمكن مثلاً الاستئناس بيوم العطلة في العديد من الأسواق التجارية والصناعية، حيث بقي لزمن طويل يوم الأحد، في دلالة على الوزن الاقتصادي الملحوظ للمسيحيين. ويمكن في المثال نفسه ملاحظة الإبقاء على يوم العطلة كما هو لسنوات طويلة جداً كان فيها الحضور المسيحي قد تقلّص إلى حد كبير، في دلالة على أن المسلمين الذين صاروا أغلبية في هذه الأسواق لم تكن عطلة الأحد تستفز لديهم أدنى حساسية. في الغضون كانت السلطة منشغلة بفلكلورها الخاص بالتآخي، حيث يُدعى إلى مناسباتها رجال دين مسلمين وآخرين مسيحيين ليجلسوا جنباً إلى جنب أمام عدسات الكاميرات.
لهجرة المسيحيين من حلب وغيرها أسباب تتقاطع مع هجرة السوريين بمختلف منابتهم، وفي رأسها الأسباب السياسية والاقتصادية. فاحتكار السلطة السياسية، ثم الهيمنة على الاقتصاد والعمل على احتكاره، دفعت بالملايين من السوريين إلى طلب العيش الكريم اقتصادياً أو سياسياً في بلدان أخرى. البيئة الطاردة للجميع قوّضت الوطن الذي كان المسيحيون شركاء في التفكير فيه، وفي إنشائه، خلال قرن أو أكثر، تحديداً منذ أواخر السلطنة العثمانية، وبداية الاستقلال العربي عنها.
ليس تفصيلاً هامشياً أيضاً أن يكون المسيحيون قد ساهموا بنشاط في الصحوة العربية في أواخر العهد العثماني، فأيديولوجيا العروبة تلبّي بالتأكيد رغبتهم في الانسلاخ عن حكم إسلامي، إلا أنها من جانب شديد الأهمية تجعلهم أقرب إلى شركائهم في الوطن من غير المسيحيين. بخلاف الكثير مما صار يُقال فيما بعد، كانت العروبة في زمنها الأول أيديولوجيا توحيدية، لا كمشروع لتوحيد البلدان العربية قاطبة، وإنما كمشروع لرابطة (داخلية) ضمن بلدان المشرق العربي آنذاك، ونشير على نحو خاص إلى لبنان وسوريا، قبل بروز حزب البعث وأيديولوجيته القومية العابرة للحدود.
في تلك المرحلة التأسيسية لم يكن للأكراد مثلاً تمثيل سياسي، فالحركة الكردية ستنشط في سوريا بدءاً من الخمسينيات؛ أي في الوقت الذي نشطت فيه أيديولوجيا البعث. ومن المحتمل أن الأكراد لم يكونوا على الضد من الحركة العروبية التي تسعى إلى الاستقلال عن السلطنة، بما أن للأكراد هناك أيضاً تاريخ تُوِّج ضدهم بالمذابح والتهجير؛ أي إن حركة العروبة لم تكن قد صارت حركة تفريق بعدُ ضمن الوطن الواحد.
قبل قرابة أربعة عقود تقريباً بدأت موجة مراجعة الأيديولوجيات وهجائها، ومن ضمنها هجاء العروبة التي آلت نسختها البعثية الباقية إلى صدام حسين وحافظ الأسد. ومن ضمن إعادة النظر تلك سُلِّط الضوء على المساهمة المسيحية التأسيسية، إنما من منظار سلبي كما هو الحال في النظرة إلى العروبة ككل، في حين راح يُنظر بنوع من الإيجابية إلى الحكم العثماني، ولو بوصفه حكماً إمبراطورياً سابقاً على زمن القوميات، ومنها القومية التركية نفسها. وبالطبع لم تكن هذه المراجعات تخلو من نسخة شعبوية، يرى أصحابها أن الفكر العروبي نابع أصلاً من مصالح أقلوية، وأن المتن الإسلامي “السُني” لم يكن له مشكلة مع الحكم العثماني. بعبارة أخرى، انتُزعت المساهمة المسيحية من سياقها الوطني، وتم تصويرها إلى حد كبير بوصفها مساهمة فئوية، من دون النظر في استحقاق التوفيق بين العاملين.
مع النقد والهجاء الشديدين اللذين نالتهما الأيديولوجيا الماركسية والقومية تقدّمت الأيديولوجيا الإسلامية “السُنية”، وصعدت النسخة السلفية الجهادية، من دون أن يُناقَش أثر الصعود على مجتمعات متنوعة دينياً وإثنياً. منذ بداية التسعينيات راح يروج ذلك التقسيم بين أكثرية مذهبية وأقليات، وعلى نحو يغمز ضمناً أو صراحةً من الثانية، ليساهم هذا الخطاب في البيئة الطاردة أصلاً لأبناء الأقليات وأبناء الأكثرية، إلا أن تأثيره الأكبر سيكون على أولئك الذين صار يُنظر إلى مساهمتهم التأسيسية بنوع من التشكك، أو حتى النظر إليها كمؤامرة.
في زمن هجاء الأيديولوجيا نفسه كان خطاب المواطنة ضعيفاً جداً، فالساحة الفكرية صارت منقسمة بين الذين يهجون الدور التأسيسي للأقليات في الأوطان الحالية، ويريدون لها العودة إلى ما يشبه النظام الذمّي القديم، وبين الذين يرون استحالة التعايش الذي لا تريده الأكثرية ولا الأقليات. في الحالتين يغيب الكلام عن المزاج التأسيسي الذي أشرنا إليه، والذي تجسّد في البحث عن رابطة أوسع بين أبناء الوطن الواحد، لا عن رابطة أوسع خارج الحدود، على حساب الروابط ضمن البلد الواحد.
ليست حلب فقط التي تنزف من أبنائها المسيحيين، فمن المحتّم أن يفقد أي مجتمع تنوّعه عندما يُنتقص من أية فئة تحت عنوان: الأقلية. سوريا عموماً انتعش فيها خلال حوالى عقد ونصف تعبير “حلف الأقليات”، وهذا مسبوقٌ كما أشرنا بإرث فكري ازدهر في التسعينيات. في الواقع ليس من مصلحة الأقليات أن توضع مقابل الأكثرية، بل إن وضعها هكذا يدفعها إما إلى الانكفاء داخلياً، أو إلى الانسحاب من البلد إذا أتيحت الفرصة. يحدث هذا خصوصاً لأن المنتشين بالكلام عن أكثرية وأقليات لا يقدّمون بديلاً سوى الهيمنة المطلقة للأكثرية؛ أي إنهم لا يبحثون كما فعل الأسلاف بالبحث عن الرابطة الأوسع لأبناء البلد نفسه، حيث الحديث عن رابطة المواطنة ليس ترفاً مؤجَّلاً، بل هو السبيل الوحيد إلى الأكثرية والأقلية بالمفهوم السياسي المعاصر “غير الذمّي”.
ولعل النسخة الحديثة من النظام الذمّي هي بما صار يُعرف بـِ “تطمينات” للأقليات، وهذا ما يضمر النظر إليهم كفئات ذات احتياجات خاصة لأنها مختلفة عمّا يُنظر إليه بوصفه متناً سُنياً؛ هذا إذا تجاوزنا كون التطمينات موجَّهة أصلاً إلى حكومات غربية تتحدث عن حماية الأقليات. ما يطمئن في الواقع ليست تلك “التطمينات”، بل أن يعيش أبناء الأقليات في بيئة غير أحادية، بيئة غير طاردة للتنوع، وأن تكون الحريات الفردية للجميع مصانة ومحمية بالقانون وبالثقافة السياسية والمجتمعية.
هل ستكون الراهبات الفرنسيسكان آخر مَن يغادر؟ الإجابة: لا بالطبع. ففي بلد يصدر فيه تعميم ضمن دائرة حكومية يمنع الموظفات من ارتداء ملابس تكشف إلا عن الوجه واليدين، في بلد تعلن فيه نقابة الأطباء عن مؤتمر طبي، وتضع في الإعلان صور الأطباء بينما تضع رسوماً تعبيرية بدلاً من صور الطبيبات، في مثل هذا المناخ السائد لا حاجة للتكهن حول مصير التعدد والاختلاف.
المصدر: المدن






