نهاية المونديال تطرح سؤال الحرب الشاملة

بسام مقداد

نهاية مونديال 2026 انتزعت من طرفي التصعيد الحالي في الحرب الإيرانية حجتين، يرى المراقبون أن كلاً منهما يستخدم إحداها لمصلحة سرديته. يعتقد الخبراء أن الأميركيين كانوا يستخدمون المونديال حجة لتأجيل قرار الحسم بشأن مواصلة التصعيد والعودة إلى الحرب الشاملة، أو استخدامه للإيحاء للإيرانيين أن قرار هذه الحرب مؤجل حتى نهاية المونديال.

المتشددون الإيرانيون ليسوا بحاجة لأي حجة للمجاهرة بوقوفهم ضد التفاوض مع الأميركيين ورفضهم مذكرة التفاهم معهم. لكن البعض يرى أن خطابهم مرتفع اللهجة خلال فترة المونديال، كان يشي بأنهم على ثقة بأن الأميركيين لن يعودوا إلى الحرب الشاملة خلال هذه الفترة. فمهما علت لهجة خطابهم، إلا أنهم يدركون أن ما بدأه الأميركيون من قصف أهداف البنية التحتية المدنية، يرفع من مستوى استياء الشعب الإيراني، ويعجل بانفجار احتجاجاته في الشارع، وهو العامل الأبرز والوحيد تقريباً الذي يهدد نظام الملالي جدياً بالسقوط.

لعل إسرائيل هي الطرف الأكثر مصلحة في انتهاء المونديال، الذي كانت تعتبره أحد العوامل التي تجعل الإدارة الأميركية تحجم عن العودة إلى الحرب الشاملة. فمنذ أن استبعدت عن الحرب مع إيران وعن المفاوضات بشأن إنهائها، بقيت تردد إعلانها عن الاستعداد للعودة إلى الحرب في اي لحظة، وتحذيرها من الصفقة المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران. وفي كل مرة كانت تشتبه فيها بقرب الطرفين من الاتفاق على شيئ ما، مثل مذكرة التفاهم، كانت تعرب عن توجسها من انتهاء الحرب على إيران من دون تدمير ترسانتها الصاروخية ومشروعها النووي، بل وإسقاط النظام. وفي كل مرة كان يعلن ترامب عن تهديد جديد للنظام الإيراني، أو تصدر عن الإدارة الأميركية أي إشارة تصعيد في اللهجة ضد إيران، كان الإعلام الإسرائيلي يسترسل في تفسيراته التي تصب كلها في القول بقرب اتخاذ القرا ر الأميركي بالعودة إلى الحرب. ويرفق ذلك دائماً بتصريحات قادة الجيش الإسرائيلي والمخابرات عن الاستعداد الكامل للعودة إلى الانخراط في الحرب في أي لحظة، “لكن الكلمة الأخيرة في ذلك تعود للولايات المتحدة”.

موقع يديعوت أحرونوت الناطق بالروسية vesty نشر في 19 الجاري  نصاً بعنوان “أقصى درجات الاستنفار: إسرائيل تستعد لاحتمال اندلاع حرب جديدة مع إيران”. وفي عنوان ثانوي “مصدر في تل أبيب: المواجهة ستتوسع بعد المباراة النهائية للمونديال، والكلمة الفصل ستكون لواشنطن. ما الذي يثير مخاوف هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي؟”.

استهل المراسل العسكري للصحيفة إليشا بن كيمون نصه الذي نشره قبل المباراة النهائية للمونديل بالقول إن المونديال شارف على نهايته،  فيما بلغ التوتر في الخليج ذروته. ويستعد الجيش الإسرائيلي لاحتمال الانضمام إلى العمليات العسكرية الأميركية ضد إيران، بالتزامن مع تحديث خططه العملياتية على الجبهة الشمالية. وتتابع القيادة الأمنية الإسرائيلية عن كثب تطورات المشهد، بما في ذلك اتساع رقعة التصعيد، وتبادل الضربات بين الولايات المتحدة وإيران، والهجمات الإيرانية على دول الخليج  والأردن. ويواصل سلاح الجو الإسرائيلي وشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) الحفاظ على أعلى درجات الجاهزية والاستعداد.والسؤال الرئيسي الذي يواجه اليوم هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي لا يتمثل في ما إذا كانت الحرب الشاملة ستتجدد، بل في توقيت اندلاعها، وإلى أي مدى سينخرط الجيش الإسرائيلي فيها. ويعتقد قادة هيئة الأركان العامة أن انضمام إسرائيل إلى الحرب سيؤدي إلى استئناف الهجمات الصاروخية الإيرانية المكثفة على نطاق واسع.

ويضيف الكاتب بالقول، حسب مصادر في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، إن انتهاء بطولة كأس العالم لكرة القدم، “سيرفع الكوابح” عن الحملة العسكرية، وسيزيد بشكل كبير من احتمالات الانتقال من الضربات الموضعية إلى عمليات عسكرية واسعة النطاق. وهذه ليست المرة الأولى التي يواجه فيها الجيش الإسرائيلي مثل هذا الوضع. فقد ظلّ في حالة تأهب قصوى منذ مطلع نيسان/ أبريل، عندما انتهت المرحلة النشطة من عملية “زئير الأسد”. غير أن الكلمة الحاسمة اليوم تبقى لواشنطن. فالولايات المتحدة هي التي ستحدد طبيعة التحركات الإسرائيلية، وكذلك توقيت انضمام الجيش الإسرائيلي إلى الحملة ضد إيران، إذا اقتضت الضرورة ذلك. والإسرائيليون على ثقة أن جولة المواجهة الشاملة مع إيران قد تستمر من 12 ساعة إلى 40 يومًا. وهم يبحثون عن فرصة لتوجيه ضربة جديدة إلى نظام آيات الله، مع إدراكهم بأن أي خطوة في إطار عملية جديدة يجب أن تكون منسقة بالكامل مع الولايات المتحدة.

المستشرق الروسي المتخصص بالشؤون الإيرانية نيكيتا سماغين، وعلى صفحته في الفايسبوك في 15 الجاري، لم ير كبير فائدة من تصعيد القصف الأميركي لإيران. ويعتقد أن أحداً لا يراهن بجدية على أن الضربات الحالية ستجعل الجانب الإيراني أكثر استعدادًا للتسوية أو أكثر قابلية للتفاوض. فإذا لم ينجح ذلك في جميع المراحل السابقة، حين كان هناك عنصر المفاجأة، وكانت عمليات تصفية القيادات أكبر حجمًا، فلماذا سينجح الأمر اليوم، في وقت أصبح فيه الإيرانيون أكثر استعدادًا نفسيًا بكثير؟

أضاف سماغين بالقول إنه يمكن، بالطبع، مواصلة الحرب لبعض الوقت، ثم العودة إلى طاولة المفاوضات كأن شيئًا لم يحدث. ويقول ترامب إنه انتصر وأجبر طهران على القيام بذلك. لكن إيران، على الأرجح، ستطرح شروطًا ومطالب جديدة. أي أن العودة لن تكون حتى إلى المرحلة التي كانت قد وصلت إليها المفاوضات في بداية تموز/يوليو، مع العلم أن التقدم حينها كان محدودًا للغاية. وهذا يعني جعل الوضع التفاوضي أسوأ مما كان عليه، ثم مواصلة المسار السابق. هذا الخيار لا يزال قائماً، لكن السؤال هو: من يحتاج إليه، ولأي غرض؟

يرى سماغين أن لدى الولايات المتحدة خياراً آخر لا يزال متوفراً: أن تتخلى عن كل شيء وتنسحب، ولا سلام ولا حرب. تتوقف الضربات، ولا يتم التوصل إلى اتفاق نووي، وتبقى إيران مسيطرة على مضيق هرمز. “والمفارقة أن هذا الخيار قد يكون، بالنسبة لواشنطن ودول المنطقة، المخرج الأكثر عقلانية، بالنظر إلى المخاطر المحتملة للسيناريوهات الأخرى”.

موقع walla ، وكما نقل عنه في 18 الجاري الموقع الإسرائيلي الآخر الناطق بالروسية zahav، رأى أن “الأيام القليلة المقبلة ستكون حاسمة”.

استهل موقع walla نصه بالإشارة إلى أن الإدارة الأميركية بذلت ما بوسعها لتفرض على إسرائيل وقف إطلاق النار مع إيران، رغم أن القيادة الإسرائيلية كانت ترى أن من الأفضل مواصلة العملية العسكرية لإلحاق أضرار أكبر بالنظام الإيراني في طهران وبمنشآت البنية التحتية.

من جهتها، تحاول إيران تأجيج الأوضاع في منطقة الخليج من خلال توجيه ضربات صاروخية إلى دول المنطقة، بما في ذلك الأردن، لكنها لا تزال حتى الآن تتجنب مهاجمة إسرائيل.

نقل الموقع عن مصادر في الأجهزة الأمنية قولها إن الإيرانيين يدركون أن الاستخبارات الإسرائيلية عملت بكفاءة عالية خلال عمليتي “شعب كالأسد” و”زئير الأسد”، وأن بنك الأهداف الإسرائيلي اتسع بشكل ملحوظ خلال تلك الفترة. ويقول بأن “الأيام القليلة المقبلة ستكون حاسمة، إذ سيتضح ما إذا كان الأميركيون سينتقلون من التهديدات إلى الأفعال، وما إذا كانوا سيغيّرون طبيعة ضرباتهم. كما ستكشف هذه الأيام ما إذا كانت إيران تعتزم جر إسرائيل إلى الصراع والبدء بشن هجمات صاروخية عليها”.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى