
صحيح أن انتصارات كرة القدم تبقى، في آخر المطاف، انتصاراتٍ رياضية، لكن فوز المنتخب الإسباني ببطولة كأس العالم التي جرت في ثلاث دول: المكسيك، وكندا، والولايات المتحدة، يحمل دلالات تصل إلى خارج المستطيل الأخضر.
أولاً، هو انتصار الفريق. انتصار الجماعة. انتصار مجموعة استثنائية من لاعبي كرة القدم. اللعبة التي تُسيطر عليها الفردية المطلقة، تسيطر عليها نجومية كريستيانو رونالدو وليونيل ميسّي. هذه اللعبة التي يقودها، من خارج الملعب، نجوم مواقع التواصل الاجتماعي والتيك توك. غير أن الحالة الإسبانية شكلت استثناءً. فهم فريق جماعي، أعطوا الأولوية لقيم الفريق، والذكاء الجماعي والعمل الجاد. ففي هذا العالم الذي صارت تغمره خطابات الكره، واللغة العنصرية الضيفة، والصراعات القومية، استطاع المنتخب الإسباني، بتنوّع أصول لاعبيه ومناطقهم، وبشخصية نجومه المتواضعة، وفي أسلوب لعبه الجماعي، وفي قدرته على التواصل مع الجماهير والمواطنين والآخرين بشكل عام، أن يكون انعكاساً لهذا البلد الجميل الذي يُدعى إسبانيا، لماهيته، بل لن أبالغ إن قلت لسياسته، وإلى ما يمكن أن يصل إليه في هذا القرن الحادي والعشرين.
فوز إسبانيا بكأس العالم تأكيدٌ أن العدالة يمكن أن تنتصر أحياناً، هناك جانب إنساني تماماً في هذا النصر: المثال الذي تقدّمه هذه البلاد للعالم. فإسبانيا بلاد منفتحة على الثقافات والأصول والخلفيات المتنوعة. وقد كانت قبل شهرين قد أعلنت على لسان رئيس حكومتها بيدرو سانشيز (قد نختلف معه في أمور ونتوافق في كثيرة أخرى) عن أكبر تسوية استثنائية للمهاجرين غير النظاميين، في قرار أثار حفيظة أوروبا. ولم يكن من المجتمع الإسباني إلا أن يرحب بهذا القرار ويستقبله بأحضان مفتوحة، لأنه يعرف قيمة الهجرة، ومعناها، ويعرف كيف يرحّب بالآخر المختلف، لغةً وجنساً وعرقاً وديناً.
فوز إسبانيا بكأس العالم تأكيدٌ أن العدالة يمكن أن تنتصر أحياناً. فهناك جانب سياسي في هذا النصر
فوز إسبانيا بكأس العالم تأكيدٌ أن العدالة يمكن أن تنتصر أحياناً. فهناك جانب أخلاقي أيضاً في هذا النصر. أخلاق أن تقول لا للإبادة. نعم، قد قالت إسبانيا لا للإبادة الجارية في غزّة، والتي سكتت الحكومات الغربية عنها. كانت إسبانيا من أول الدول الأوروبية التي اتخذت موقفاً حاسماً بشأن قضية فلسطين، وأعلنت عن اعترافها بالدولة الفلسطينية. بل قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل. وأكدت أن ما ترتكبه إسرائيل في غزّة إبادة. لم تصمت. لم تدر ظهرها. بل وضعت يدها على الجرح وقالت بلغة واضحة: هي إبادة على العالم أن يوقفها، وأن يحاكم مرتكبها: نتنياهو.
فوز إسبانيا بكأس العالم تأكيدٌ أن العدالة يمكن أن تنتصر أحياناً. فهناك جانب سياسي في هذا النصر. سياسة أن تحترم القوانين الدولية العالمية وأن تقول للمعتدي أنه معتدٍ. هذا هو ما فعلته إسبانيا حين قالت عن الهجوم الأميركي – الإسرائيلي على إيران إنه “عدوان أحادي خارج إطار القوانين الدولية”. لم تدعم إسبانيا هذا العدوان، وكانت من أول الدول التي خرجت كي تقول ذلك علناً على لسان رئيس حكومتها. بل لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ رفضت أن تستخدم أميركا قواعدها العسكرية للمشاركة في أي هجوم عسكري على إيران.
فوز إسبانيا بكأس العالم تأكيدٌ أن العدالة يمكن أن تنتصر أحياناً. وكم جميل أن يكون هذا النصر على ترامب، الذي قال أكثر من مرّة إن إسبانيا “قضية خاسرة” لأنها رفضت أن ترفع، كما أراد، قيمة الإنفاق العسكري إلى نسبة 5%. وهكذا تحدّت إسبانيا ترامب، وقالت له لا أكثر من مرة. فوصل الأمر بترامب إلى القول عن الإسبان إنهم “سيئون”، وإنه لا يمكن التعويل عليهم. بل طلب من وزير خزانته أن يقطع أية علاقات تجارية مع بلاد دون كيخوته. … لكنه، أول من أمس، أدرك تماماً أنه هو الخاسر، وأن العدالة، يمكن أن تكون عادلة أحياناً، على هواها المتقلب، وكانت عادلة حين بلع مرارة تسليم الكأس لفريق ينتمي إلى بلاد تعرف جيداً كيف تقول له: كلا، سينيور ترامب، إسبانيا ليست “قضية خاسرة”.
المصدر: العربي الجديد






