من أسباب فشل الانتقال الديمقراطي في تونس

صلاح الدين الجورشي

دعيتُ إلى ندوة تناولت تقييم الانتقال الديمقراطي في تونس مع ثلة من الناشطين السياسيين ورجال القانون وأكاديميين من مشارب مختلفة. والهدف من المبادرة الاستماع إلى مختلف الآراء، وإصدار “وثيقة مرجعية”، للوقوف على “الأخطاء التي ينبغي معالجتها”.

في مداخلتي التي غطّت مرحلة 2011 – 2014، أشرت إلى الثورة حصلت بغتة، وفاجأت الجميع. وهو دليلٌ على أن قدرة الاستشراف لدى المعارضة كانت محدودة جداً، فالمعارضون مشغولون بصراعهم الآني مع السلطة، وتحديداً مع رأس النظام، فلم يفكّروا في وضع سيناريوهات للمستقبل وصياغة بدائل واقعية قابلة للتنفيذ في حال تغيّرت الأوضاع، ووجد هؤلاء أنفسهم في موقع القيادة. وهو ما يفسّر حالة الارتجال التي حصلت بعد 14 يناير/ كانون الثاني 2011. فوجئت النخب، واندفعت من دون دليل نحو ارتكاب أخطاء كان بعضُها كارثياً. وبدل التخطيط لصناعة الحدث أو توقعه أو توفير بعض الشروط لحسن التعامل معه وتوجيهه، حدث العكس، وحاول كل طرفٍ الاستفادة من تطورات تداعياتها. اضطربت في المواقف منذ الحكومة المؤقتة برئاسة الباجي السبسي أو خصوصاً مع حكومة الترويكا، فمختلف الأحزاب، وفي مقدمتها حركة النهضة التي كانت أكبر الأحزاب، بدأت تفكّر في صياغة برنامجها السياسي، بعد أن أصبحت على عتبة السلطة، فسارعت حينها في صياغة وثيقة تضمنت 365 نقطة، لتدرك فيما بعد أنها غير قادرة على تنفيذ وعودها.

في هذا السياق، عبرت الأحزاب عن رغبتها الشديدة في الوصول إلى السلطة، وكانت حركة النهضة الأكثر حرصاً من دون معرفة بالدولة، ولا خبرة سابقة بإدارة الحكم. ولم تأخذ بالاعتبار حجم المخاطر والتحدّيات التي يمكن أن تواجهها. غامرت، واندفعت مع شركائها فانكشفت أمام الجميع، ولا تزال تدفع فاتورة تلك المغامرة. وتبين أن الإمساك بالحكومة ورئاسة الجمهورية لا يعني بالضرورة الهيمنة على الدولة والتحكّم فيها. الحكومة جزء من الدولة وليست كل الدولة. لهذا السبب، وجدت “النهضة” وشركاؤها أنفسهم في صراعٍ صامت أو خفيٍّ مع أطراف أخرى متنفّذة وقادرة على عرقلة جهود الحكومة والرئاسة معاً، خصوصاً في ظل دستور فتح الباب على مصراعيه أمام محاولة إعادة بناء الدولة ضمن مسار انتقالي ديمقراطي. وهذا ما يفسّر أن حركة النهضة التي تحمّلت مسؤولية رئاسة الحكومة ووزارتي الداخلية والعدل، وجدت نفسها اليوم ومن جديد تحت رحمة هذه الوزارات، فالدولة العميقة أقوى بكثير من بقية الأطراف، خصوصاً عندما تفشل الإصلاحات الهيكلية وتتعثر المشاريع والقرارات المصاحبة لذلك. وهو ما يجعل المؤسّسات الأمنية والعسكرية والبيروقراطية الإدارية والسلطة القضائية قادرة على أن تتحرّك بعيداً عن الأحزاب الحاكمة.

مع ذلك، تعتبر تجربة الائتلاف الحكومي اختياراً صائباً لا مفر منه بعد التخلص من منظومة الحزب الحاكم المهيمن على الدولة ومؤسّساتها. فوضع الأحزاب بعد الثورة لم يكن يسمح لأي منها بتولي السلطة وحده. وعندما تشكل حزب نداء تونس على عجل اختار الانفراد بالسلطة مع مشاركة رمزية من حركة النهضة، لكنه أخفق كليّاً في حماية الانتقال الديمقراطي من الانزلاق نحو الأسوأ.

من جهة أخرى، لم يكن الصراع الذي دار بين الإسلاميين والعلمانيين صحّياً وناضجاً. كان صراعاً ملغّماً استعمل فيه الطرفان لغة النفي والنفي المضادّ، ما أضرّ بالانتقال الديمقراطي، وسمّم الفضاء العام ورسّخ الكراهية وعمّق الانقسام المجتمعي، وانتهى إلى التضحية بالديمقراطية من أجل النفوذ وإقصاء الخصوم. ولا شك في أن القفزة غير المدروسة التي نقلت الإسلاميين فجأة من المعارضة إلى الحكم زادت من حدّة هذا الصراع وتوسيعه وإخراجه من دائرته الطبيعية. وزاد الأمر سوءاً مع ولادة التيار السلفي وصعوده بشكل مفاجئ، حيث فشل الجميع، بما فيهم حركة النهضة، في التعامل مع هذا التيار ومواجهته والتقليل من مخاطره.

بناء عليه يطرح سؤالان: لو اختارت حركة النهضة التعامل مع الحالة التونسية بمنهجية مختلفة، كيف ستكون نتائج المسار؟ لو تجد النخبة نفسها أمام فرصة العودة إلى السلطة، هل ستأتي بالجديد، أم ستعيد التعامل مع المشهد السياسي بالأدوات نفسها والخطاب نفسه؟

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى