العراق وصفقة التغيير

إياد الدليمي

في خضمّ ما تعيشه المنطقة من تداعيات ومتغيّرات على وقع ما جرى منذ “7 أكتوبر” (2023)، لا يزال العراق من أكثر الجبهات البركانية هدوءاً في ظاهرها واضطراباً في باطنها، إن صحّ التعبير. فعلى الرغم من أنّ المليشيات الموالية لإيران سعت إلى إدخال العراق في أتون الحرب الأميركية ـ الإيرانية من خلال عمليات استهداف طاولت دول الخليج العربي والأردن بصورة شبه يومية خلال حرب الأربعين يوماً، فإنّ التعاطي الأميركي لم يقم على مبدأ ردّة الفعل، بقدر ما انطلق من مساعٍ لإحداث تغيير داخلي يجنّب العراق الانزلاق إلى صراع أهلي قد يمتدّ شرره إلى خارج حدوده، كما حدث عقب الغزو الأميركي عام 2003.

ما كشفته حملات ملاحقة الفاسدين يقدم صورةً أوضح عن حجم التشابك بين النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني، ويعكس حقيقة ما آلت إليه أوضاع الدولة العراقية

تدرك الولايات المتحدة، ومعها معظم دول الإقليم العربي، أنّ العراق كان واحدةً من أهمّ أوراق النفوذ الإيراني. وقد تحوّل هذا النفوذ مع مرور الوقت إلى واقع جعل العراق حديقةً خلفيةً للسياسات الإيرانية، ورئة اقتصادية ساعدت طهران على التخفيف من آثار العقوبات الأميركية. وكان ذلك نتيجةً مباشرةً لغياب سياسة أميركية واضحة في مرحلة ما بعد الغزو، إلى جانب تراجع الدور العربي، الأمر الذي ترك فراغاً استراتيجياً نجحت إيران في ملئه، سيّما بعد الانسحاب الأميركي عام 2011.
بذلت دول عربية عدّة، وفي مقدّمتها دول الخليج العربي، جهوداً كبيرة للتعامل مع العراق بوصفه عمقاً عربياً، وسعت عبر شراكات اقتصادية وسياسية إلى إبعاده عن دائرة النفوذ الإيراني، غير أنّ تلك المحاولات لم تحقّق أهدافها، بعدما نجحت طهران في بناء شبكة واسعة من القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن العسكرية، تدين لها بالولاء، وترى أنّ مصالحها مرتبطة بمصالح النظام الإيراني واستمراره.
وخلال حرب الـ40 يوماً، تحوّل العراق إلى ما يشبه الثقب الأسود؛ إذ انطلقت منه الطائرات المسيّرة التي استهدفت دولاً خليجية والأردن، كما أطلقت منه بعض الصواريخ. وفي المقابل، وقفت الحكومة العراقية عاجزةً عن التعامل مع هذا الملفّ، فأنت أمام دولة تمتلك فيها المليشيات من أدوات القوّة ما يفوق ما تمتلكه مؤسّسات الدولة نفسها، بل قد لا نبالغ إذا قلنا إنّ تلك المليشيات أصبحت جزءاً من بنية الدولة، فلا رئيس وزراء يمرّ، ولا مدير عامّ يُعيَّن، من دون أن يكون لها رأي أو كلمة.
ولعلّ ما كشفته حملات ملاحقة الفاسدين خلال الأسبوعَين الماضيَين يقدّم صورةً أوضح عن حجم التشابك بين النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني، ويعكس حقيقة ما آلت إليه أوضاع الدولة العراقية.
إزاء هذا الواقع، تبدو زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي واشنطن بالغة الأهمية. فهي تأتي بعد أيّام من تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي في كربلاء والنجف، في رسالة إيرانية واضحة أنّ طهران لن تكرّر ما حدث في سورية، عندما اضطرت إلى الانسحاب مع تقدّم قوات المعارضة نحو دمشق، ما انتهى بسقوط نظام بشّار الأسد وخسارة واحدة من أهمّ ركائز النفوذ الإيراني في المنطقة.
علي الزيدي، الذي جاء إلى رئاسة الحكومة بعد الرفض الأميركي لمرشّح “الإطار التنسيقي” نوري المالكي، وصاحب الخلفية الاقتصادية، سيجد نفسه بين ناري الضغوط الأميركية المتواصلة والقوى السياسية المنضوية في “الإطار التنسيقي” والمدعومة من إيران. فهو مطالب بقبول الشروط الأميركية التي تراها واشنطن ضرورية لإنجاح حكومته، وفي مقدّمتها حصر السلاح في يد الدولة، ووقف عمليات تهريب الدولار إلى إيران. ولا يبدو هذا الملفّ سهلاً. فحتى بعض المليشيات التي أعلنت موافقتها على تسليم سلاحها، تبيّن لاحقاً أنّها لم تُسلّم سوى “الخردة”، بحسب ما نشرته صحيفة المدى البغدادية، فيما رفضت فصائل أخرى هذا المسار بصورة قاطعة، وأعلنت موقفها في بياناتٍ رسمية، وفي مقدّمتها كتائب حزب الله وحركة النجباء. والمفارقة أنّ أحد قادة هذه الفصائل يشارك أسبوعياً في اجتماعات قادة “الإطار التنسيقي”.
أمام هذا المشهد المعقّد، لا يملك علي الزيدي سوى التوجّه إلى واشنطن محمّلاً بسيل من الوعود، على أمل إقناع ساكن البيت الأبيض بقدرته على التعامل مع الملفّين اللذين يمثّلان أولويتَين للإدارة الأميركية: المليشيات، وتهريب الدولار.

سيكون العراق مطالباً باختيار موقعه في شرق أوسط يُعاد تشكيله

وقد يفتح نجاح حكومة الزيدي في الملفّين الباب أمام إعادة تشكيل بنية النظام السياسي العراقي. فالولايات المتحدة لا تبدو راغبةً في فرض تغيير بالقوّة؛ فهي تدرك كلفة هذا الخيار وتجربته السابقة في العراق، وتسعى بدلاً من هذا إلى تغيير تدريجي يحافظ على استقرار الدولة ويمنع انزلاقها إلى مواجهة داخلية جديدة تنعكس على العراق والمنطقة بأسرها.
وعلى الرغم من أنّ هذا السيناريو يبدو ممكناً، فإنّ الطريق إليه محفوف بالمخاطر. فبقاء النظام الإيراني يعني أنّ التخلّي عن حلفائه في العراق سيكون، من وجهة نظر طهران، أشبه بالانتحار السياسي والاستراتيجي. وفي المقابل، فإنّ أيّ عودة إلى المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران قد تدفع إيران إلى استخدام الورقة العراقية بصورة أكثر حدّةً، بما يرفع احتمالات اندلاع صراع داخلي بين حكومة تحاول فرض سلطة الدولة، ومليشيات موالية لإيران ترفض التخلّي عن سلاحها، وما وفّره لها هذا السلاح من نفوذ سياسي واقتصادي.
لن يكون ما بعد زيارة الزيدي واشنطن كما قبلها. فالعراق يقف اليوم أمام لحظة إعادة تموضع كُبرى، وسيكون مطالباً، طوعاً أو تحت وطأة الضغوط، باختيار موقعه في شرق أوسط يُعاد تشكيله، وفي خرائط سياسية تتغيّر بسرعة. والمهمّة التي بدأت بها حكومة الزيدي لن تقبل أنصاف الحلول؛ فإمّا أن تمضي فيها حتّى النهاية، فتفرض حضور الدولة وهيبتها، وإمّا أن تتراجع تحت ضغط موازين القوى، وعندها قد تدخل أطراف أخرى المشهد العراقي لتعيد رسمه.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى