انفصام إسرائيلي في الاعتراف بمأساة الأرمن إبادة جماعية

ماجد عزام

قرّرت الحكومة الإسرائيلية الاعتراف بمأساة الأرمن إبادةً جماعية زمن الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى. لم يقدّم مشروع القرار الذي جرى تمريره بالإجماع أيتمار بن غفير أو بتسلئيل سموتريتش، بل أحد “عقلاء” هذه الحكومة وزير الخارجية جدعون ساعر، علماً أن الوزارة رفضت دوماً السير في هذا الاتجاه، لأسباب خاصة بالدولة العبرية ونظرتها إلى نفسها وعلاقاتها بالعالم الخارجي. وفي العموم، سيُرسل المشروع إلى البرلمان، مع ضمان غالبية لتمرير القرار الذي تحاشت الدولة العبرية اتخاذه عقوداً. وهو يعبّر عن انفصام صارخ، كون إسرائيل نفسها اتهمت مراراً بارتكاب إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني، ومجازر وجرائم حرب ضد الشعوب العربية المجاورة، وهي الآن تُقاضى بهذه التهمة أمام محكمة العدل الدولية، كما أصدرت محكمة الجنايات مذكّرات اعتقال بحق مسؤولين سياسيين وعسكريين كبار بالتهمة نفسها التي تصادق منظّمات حقوقية أممية مرموقة عليها باعتبارها مثبتة ولا شك فيها.

ويعني تبنّي الحكومة الإسرائيلية القرار رسمياً كسر الجرّة مع تركيا، وتجاوز نقطة اللاعودة معها في ظلّ سعي منهجي ومحموم، لتحويلها الى عدو جديد أخطر من إيران المنهكة والمستنزفة، والتي ستنشغل بنفسها سنواتٍ بل عقوداً طويلة كما يقال في الإعلام العبري، بينما يؤكّد القرار، من جهة أخرى، عزلة إسرائيل الدولية وأزماتها المتفاقمة في علاقاتها الخارجية، مع الانتباه إلى اعتراض أذربيجان، بل رفض أرمينيا نفسها لاستخدام المأساة سلاحاً وأداة للتشهير السياسي.

إذن، قرّرت الحكومة الإسرائيلية، الأحد الماضي، وبالإجماع، الاعتراف بمأساة الأرمن إبادةً جماعية على أيدي الدولة العثمانية في ذروة الحرب العالمية الأولي مطلع القرن الماضي. وقد شهدت المأساة اشتباكاتٍ بين الجيش العثماني والمليشيات الأرمنية المدعومة من روسيا، إثر تنفيذ عمليات ضد خطوط إمداد الجيش شمال البلاد في ذروة الحرب العالمية مع طرح مشروع انفصالي مدعوم دولياً كذلك، وتقول تركيا إن المأساة أوقعت مئات آلاف الضحايا من القتلى بين الطرفين، وإنها أخلت الجالية الأرمنية بسلام إلى مناطق خاضعة كذلك لسيطرة الدولة العثمانية في بلاد الشام، حيث جرى احتضانهم في فلسطين وسورية ولبنان.

في القرار ثمة ابتزاز واضح لتركيا لتغيير سياساتها المناوئة لإسرائيل في قضايا عدة

إلى هذا، لا بد من التذكير بموقف تركيا الدائم بالتعاطي مع الوقائع مأساةً والمطالبة بلجنة فحص دولية مستقلة، تتكوّن من شخصيات مهنية نزيهة ذات كفاءة، وفتح كل الأرشيفات أمامها، بما ذلك الأرشيف العثماني، الأمر الذي رفضه الأرمن، وتجاهلته دول كبرى ذات علاقة مثل بريطانيا وفرنسا وروسيا. وفي السياق، ثمة شهادة لافتة للمؤرخ والمستشرق برنارد لويس ينفي فيها قصة الإبادة الجماعية من دون إنكار المأساة طبعاً، وأنها استُخدمت لابتزاز تركيا وإضعافها وشيطنتها، تماماً كاحتضان ودعم وتمويل تنظيم حزب العمّال الكردستاني، بأذرعه المختلفة، مع التأكيد طبعاً على القضية العادلة للأكراد وحقوقهم الكاملة مواطنين في تركيا والدول العربية.

وكانت مقاربة لافتة جداً ومفاجئة لعضو الكنيست والمستشارة السابقة لرئيس الوزراء الباحثة في كلية القدس، الأكاديمية إيلينا بارديتش- يالوف، فقد كتبت الخميس الماضي في موقع واللا “جوانب مهمّة من أحداث 1915 لا تزال محل نقاش تاريخي، بما في ذلك سياق الحرب ودور المليشيات الأرمنية والدعم المالي والعسكري من روسيا وتشريد المسلمين وتهجيرهم من القوقاز على يد الامبراطورية الروسية والقرارات التي اتخذتها السلطات العثمانية، وهذه المسائل مكانها في الأرشيفات والجامعات والمجلات العلمية، لا في قرارات حكومية تصنع وفقاً للأولويات الديبلوماسية الراهنة، لأنه بمجرّد أن تبدأ الحكومات بإصدار أحكام رسمية تخص نزاعات تاريخية وقعت قبل أكثر من قرن فأين ينتهي هذا المسار؟”.

وبالعودة الى القرار الإسرائيلي، كان لافتاً عدم تقديم المتطرّفين المجانين في الحكومة، إيتمار بن غفير أو بتسلئيل سموتريتش مثلاً، مشروع القرار، وإنما من وزير الخارجية جدعون ساعر، أحد اليمنيين العقلاء فيها بالمعيار الإسرائيلي طبعاً. ولا بد من التذكير بموقف دائم لوزارة الخارجية برفض اتخاذ قرار جارف كهذا لعدة أسباب، منها فرادة المحرقة النازية من وجهة الدولة العبرية والحفاظ على العلاقات مع تركيا وعدم استحضار أو المقارنة، والتذكير بما فعلته وتفعله منذ انطلاق مشروعها الاستعماري في فلسطين أوائل القرن الماضي بالتزامن مع مأساة الأرمن نفسها.

يتبدى الانفصام في القرار الإسرائيلي بكون الدولة العبرية ارتكبت منذ تأسيسها ولا تزال الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني، وهي تحاكم فعلاً بهذه التهمة أمام محكمة العدل العليا المخوّلة محاكمة الدول، بينما يظهر تعاطي المحكمة وقراراتها الأولية وكما شهادة منظمات حقوقية أممية مرموقة اعتبار الإدانة قصة وقت؟ مع التذكير بتحقيق الأمم المتحدة الذي نشر قبل أيام، وأكد الاستهداف المتعمّد من جيش الاحتلال للأطفال ضمن إبادة جماعية للشعب الفلسطيني.

في خلفيات القرار الحكومي ثمة جانب انتخابي، كون إسرائيل دولة فريدة بالمعنى السلبي، لا تمتلك سياسة خارجية بل داخلية فقط، بحسب عبارة هنري كيسنجر. ففي الجانب المتعلق بتركيا، ثمة بعد داخلي، مع سعي محموم إلى تحويلها إلى عدو لشد العصب الداخلي، وإعادة تصوير الدولة العبرية نفسها ضحية، بعدما تهاوت هذه السردية أمام حرب الإبادة في غزّة والسياسات العدوانية والحربجية في المنطقة.

يبدو أن إسرائيل تجاوزت نقطة اللاعودة في العلاقات إلى القطيعة التامة مع سعي محموم لتحويل تركيا إلى عدو أخطر من إيران المستنزفة

في السياق التركي أيضاً، يبدو أن إسرائيل تجاوزت نقطة اللاعودة في العلاقات إلى القطيعة التامة مع سعي محموم لتحويل تركيا إلى عدو أخطر من إيران المستنزفة التي ستنشغل بنفسها ربما لعقود. وفي القرار ثمة ابتزاز واضح لتركيا لتغيير سياساتها المناوئة لإسرائيل في قضايا عدة، تشمل غزّة والقدس وفلسطين وسورية ولبنان، وبذلها جهوداً لبلورة تفاهمات وترتيبات، وفق ما يسميه هاكان فيدان الملكية الإقليمية، بمعنى دفاع دول المنطقة عن أمنها واستقرارها ومصالحها في مواجهة السياسات الإسرائيلية العدوانية.

في الأهداف، وليس بعيداً عن السياق التركي كذلك، ثمة محاولة واضحة للتأثير على التطبيع بين أنقرة ويريفان (أرمينيا) الذي تعرف تل أبيب دلالاته التاريخية والاستراتيجية على العلاقات بينهما، وطي صفحة الماضي، والأهم ربما بحساباتها افتتاح ممرّ ناختشيفان بين أذربيجان وتركيا عبر الأراضي الأرمنية، والرابط بين آسيا الوسطى وأوروبا وحتى العالم العربي وتعزيز مكانة تركيا نقطة تلاقٍ بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، وتهديد كل الخطط والمشاريع الإسرائيلية المماثلة تحديداً الممر الهندي باسمه الحركي، بينما هو إسرائيلي في الجوهر.

في العموم، يؤكد القرار عزلة الدولة العبرية، خصوصاً أنه جاء بعد أيام من قطع ساعر العلاقة مع مفوضة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كلاس، لحديثها عن تأسيس تل أبيب نظام فصل عنصري في الأراضي الفلسطينية، مماثل لذلك الساقط في جنوب أفريقيا أواخر القرن الماضي. ومع الرفض التركي للابتزاز والإصرار على مواجهة السياسات العدوانية الاسرائيلية ورفض أذربيجان وأرمينيا القاطع للقرار تتبدّى حقيقة تعبيره عن أزمات الدولة العبرية، في أبعادها المختلفة الداخلية والخارجية، وليس إيجاد حلٍّ لها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى