
في عام1955، لم تكن بلدة بيرزيت الفلسطينية تعلم أنها تودع للعالم أحد أشرس المدافعين عن الحرية. طفل وُلد لعائلة مسيحية أرثوذكسية بسيطة، اسمه سلامة كيلة.
كبر الطفل وكبر الحلم معه. حمل قضيته من فلسطين إلى بغداد حيث درس العلوم السياسية، ثم إلى دمشق التي صارت وطنه الثاني ومسرح مواجهته الكبرى. ماركسي حتى العظم، لكن إيمانه الحقيقي كان بالإنسان وقدرته على هزيمة الطغاة مهما طال الزمن.
ثلاثون عاماً في دمشق لم تكن مجرد إقامة.. كانت قصة عشق وقتال وألم. اعتقلوه مرتين، عذبوه في سجون النظام البائد رغم جسده المنهك بالسرطان، ثم أبعدوه إلى الأردن ظناً منهم أن المنفى سيكسر عزيمته. لكنه بقي يردد: “راجع”.
عام 1992، وفي دمشق التي أحبها وأقام فيها منذ 1981، انقطع حبل الحياة الطبيعية فجأة. داهمته قوات الأمن السورية واقتادته إلى عالم آخر تماماً. التهمة كانت جاهزة ومعلبة: ماركسي معارض، صاحب فكر خطر، جزء من تنظيمات يسارية لا ترى في النظام خلاصاً.
ثماني سنوات كاملة قضاها سلامة بين جدران لا ترحم. تنقل بين سجن عدرا القريب، وتدمر الصحراوي البعيد.. ذاك السجن الذي صُمم ليكسر أعتى الرجال. لكن شيئاً ما داخله رفض أن ينكسر. لاحقاً، حين كان يتحدث عن تلك الفترة، لم يكن يتباكى، بل كان يحللها كظاهرة سياسية واجتماعية. حتى في العتمة، ظل عقله يعمل، وظل قلبه ينبض باليقين أن الاستبداد إلى زوال.
خرج عام 2000 مع بزوغ ما سُمي “ربيع دمشق”. تنفس الصعداء، والتف حوله شباب يحلمون بوطن مختلف. لكن هيهات أن يهدأ المناضل الحقيقي. في صيف 2011، بينما كانت سوريا تشتعل بالثورة، وجد سلامة نفسه من جديد في خندق المواجهة. أصدر مع رفاقه نشرة يسارية سرية، وفي عددها الثاني تصدّر شعار صاعق: “من أجل تحرير فلسطين.. نريد إسقاط النظام”.
كانت تلك الكلمات بمثابة إعلان حرب على ماكينة القمع. وفي صيف 2012، جاءه الرد. اعتقله جهاز المخابرات الجوية. هذه المرة، كان الجسد منهكاً بمرض السرطان، لكن الجلادين لم يرحموا. تعرض لتعذيب وحشي. وحين ضاقت بهم السبل تحت الضغط الحقوقي، وجدوا “حلاً”: إبعاده قسراً إلى الأردن في مايو من نفس العام، كأنهم يقتلعون شجرة من جذورها ويرمونها بعيداً.
في منفاه الأخير، في الأردن، بقي الرجل شامخاً. لم ينحنِ، لم يتراجع، لم يبدّل قناعاته. كان يردد كلمة واحدة كأنها صلاة أو وعد: “راجع”. ظل يكتب ويحلل ويثوّر العقول حتى وافته المنية عام 2018.
رحل الجسد، لكن الفكرة التي عاش ومات من أجلها بقيت: أن الحرية لا تموت، وأن فلسطين وسوريا والعالم العربي يستحقون حياة تليق بأحلامهم.
المصدر: سوريات / Souriat






