البحتري يخرج من قبره

    عساف سلامة السلمان

في ليلةٍ شتويةٍ باردة، كانت الريح تعبر بين القبور كأنها تقرأ أسماء الموتى بصوتٍ خافت.

وفي مقبرةٍ قديمةٍ قرب حلب، اهتزّ تراب قبرٍ نسيه الناس منذ قرون، ثم انشقّ قليلاً، وخرج منه رجلٌ طويل اللحية، واسع الجبهة، يلبس عباءةً عباسيةً علاها غبار الأزمنة.

وقف متكئاً على شاهدة قبره، وأخذ يتلفّت حوله.

قال بصوتٍ متهدّج: أهذه حلب الشهباء؟

ثم رفع بصره إلى السماء وأضاف: ـ أم أنّ القيامة قامت، ولم أشعر؟

كان الرجل هو البحتري، شاعر الطلول والقصور والخيل، الذي نام في التراب ألف عام، ثم بعثه حنينٌ قديم ليرى ماذا حلّ بالبلاد التي أحبها.

مشى في الظلام حتى بلغ أطراف المدينة.

فرأى أبنيةً مهدّمة كأن زلزالاً من غضبٍ مرّ بها، وأسلاكاً متدلّية كالعروق المقطوعة، ونوافذ فارغة تحدّق في الليل كعيونٍ اقتُلعت منها الأحلام.

وتحت ضوء القمر لمح أطفالاً ينبشون أكياس القمامة بحثاً عن شيءٍ يؤكل.

وقف مذهولاً.

تمتم: أين الأسواق العامرة؟ أين الحمّامات؟ أين الوراقين وباعة العطر؟

فأجابه صبي يحمل كيساً فيه أرغفة يابسة: ماتوا يا عم… أو هاجروا.

توقّف البحتري عند الكلمة. “هاجروا”؟

ظنّها اسم قبيلةٍ غزت البلاد. لكن الصبي كان قد ابتعد قبل أن يشرح له.

دخل المدينة. وكان يسمع الناس يتحدثون عن الدولار والماء والكهرباء أكثر مما يتحدثون عن الشعر أو الدين أو الأحلام. ورأى رجالاً يبيعون البنزين في قوارير المياه، ونساءً ينتظرن دور الخبز كأنهن ينتظرن باب الجنة، وشباباً يحدّقون في هواتفهم بصمتٍ يشبه اليتم. وفي أحد الأزقة رأى مدرسةً قديمة. كان بابها مخلوعاً وساحتها خالية. دخلها بخطواتٍ مترددة. على الجدران بقايا حروفٍ باهتة، وعلى الأرض دفاتر ممزقة. وفي غرفةٍ جانبية وجد مكتبةً صغيرة. رفوفها مغطاة بالغبار، وكتبها منسية كأن أحداً لم يلمسها منذ زمن. مدّ يده إلى كتابٍ ممزق، ثم قال بحزن: حتى الكتب صار لها نصيبٌ من الخراب.

في زماننا كانت المدن تُقاس بعدد قرّائها، أما اليوم فيبدو أنها تُقاس بعدد أنقاضها.

خرج من المدرسة وقلبه أثقل مما كان.

وفي ساحةٍ صغيرة رأى رجلاً يقف فوق صندوق خشبي ويصرخ: سننتصر! سنحارب الفساد! سنهزم الظلم!

لكن المارة كانوا يعبرون من جانبه دون أن يلتفتوا إليه.

اقترب البحتري من شيخٍ يجلس قرب موقد نارٍ صغير.

سأله: من عدوّكم؟

فضحك الشيخ حتى كاد يسعل دماً.

وقال: يا سيدي… كثُر الأعداء حتى ضاعت أسماؤهم. نحارب الجوع صباحاً، والفقر ظهراً، والخوف مساءً، ثم ننام لنقاتل الذكريات.

أطرق البحتري طويلاً. ثم تابع سيره. رأى شاباً جامعياً يعمل حارساً ليلياً. ورجلاً كان معلّماً يجمع البلاستيك من القمامة.

ورأى امرأةً تبيع خاتم زواجها لتشتري دواءً لطفلها.

وعند الفرات وقف شاب يرمي الحجارة في الماء بعصبية.

اقترب منه البحتري وقال: ما بالك؟

أجاب الشاب: أريد أن أغيّر هذا العالم.

نظر إليه البحتري طويلاً. ثم قال: وحدك؟

-نعم.

ابتسم الشاعر ابتسامةً حزينة. وقال: إذن فأنت تحارب دهرا كاملا، يا بني.

وجلس إلى جانبه يتأمل النهر. وتذكّر قصور المتوكل وولائم الخلفاء، والخيول التي كانت تلمع سروجها كالذهب.

كان يظن أن المدن تسقط حين تدخلها الجيوش. لكنّه اكتشف متأخراً أن للخراب وجوهاً أخرى. فالمدن قد تموت من الفساد. وقد تموت من الكذب. وقد تموت من الخوف الطويل. وقد تموت حين يعتاد أهلها الذلّ حتى يصبح جزءاً من الطقس اليومي.

وفي المساء دخل مقهىً صغيراً. كان الرجال يجلسون صامتين كأن الكلام صار رفاهية. وعلى شاشة التلفاز كان محللٌ سياسي يتحدث بثقةٍ عن انتصاراتٍ استراتيجية كبرى، بينما النادل يحسب ما بقي في العلبة من السكر.

قال البحتري: في زماننا كان الشعراء يمدحون الأمراء بالكذب. لكن يبدو أن الكذب اليوم صار صناعةً أعظم من الشعر.

رفع رجلٌ نحيل رأسه وقال: بل صار وطناً كاملاً.

ساد الصمت. ولم يجد أحدٌ ما يضيفه.

عند الفجر عاد البحتري إلى المقبرة. وقف أمام قبره المفتوح. ونظر إلى السماء الرمادية الممتدة فوق البلاد.

وقال: يا رب… هؤلاء ليسوا أحياءً تماماً، ولا أمواتاً تماماً. إنهم قومٌ عالقون بين خرابين.

ثم تنهد طويلاً. ونفض الغبار عن عباءته وهمّ بالنزول إلى قبره. لكنّه توقف فجأة. فقد سمع ضحكةً بعيدة.

التفت. فرأى طفلين يلعبان بكرةٍ مصنوعة من الخرق قرب جدارٍ مهدّم. كانا يركضان ويضحكان كأن العالم لم يفقد معناه بعد. بقي يتأملهما طويلاً.

ثم ارتسمت على وجهه أول ابتسامة منذ خرج من قبره.

وقال: ما دام الأطفال يضحكون، وما دام في هذه الأرض من يحلم، فإن البلاد لم تمت بعد.

ونظر مرةً أخيرة إلى المدينة.

ثم تمتم: اللهم ارحم الأحياء… فقد صار للموت من الراحة ما ليس للحياة.

ونزل إلى قبره ببطء. وأغلق التراب فوقه.

لكن ضحكة الطفل ظلّت تتردد في الهواء، تمشي بين الخرائب، وتعبر الأزقة المظلمة، كأنها وعدٌ صغير بأن الربيع قد يتأخر… لكنه لا يضيع إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى