ضد المحو: كيف تحوّلت الثقافة اللبنانية إلى دفاعٍ عن الذاكرة؟

سالي علي

بينما نشرات الأخبار في لبنان تتحدث عن الغارات، الإخلاءات والتهديدات المتبادلة، هناك خمسة شبّان يصعدون إلى خشبة “مسرح المدينة” في بيروت لتقديم عرض “Aayshin عايشين” المستوحى من المنفى والنجاة والبقاء. وفي باريس، كان أكثر من مئة فنان لبناني ومغترب يشاركون في معرض “Moments for Lebanon” تحتَ عنوان لافت “مواجهة المحو”. أمّا في بيروت أيضاً، فكان عرض “The Monster” يفتحُ أسئلة الخوف والاعتراف والهشاشة الإنسانية، فيما قدّم الراقص والمصمم اللبناني شارلي خليل برنس عملاً يتعامل مع الجسد بوصفه مساحة للذاكرة والمقاومة.

قد تبدو للوهلة الأولى الوقائع الثقافية متفرقة نوعاً ما. لكنّ اللافت هو أنّ عدداً من الأعمال الثقافية التي ظهرت خلال الحرب الأخيرة على لبنان بدت منشغلة بالموضوعات نفسها تقريباً: الذاكرة، المنفى، النجاة، الخوف، وما يتبقى من الإنسان والمكان بعدَ العنف. كأنّ الفنانين اللبنانيين، من دون اتفاق مسبق، قد وجدوا أنفسهم يواجهون السؤال نفسه: كيف يمكن حماية الأثر قبلَ أن يختفي؟ وهذا السؤال يتجاوز الفن بكثير؛ فهو يلامس جوهر الأزمة اللبنانية الراهنة. فالحروب لا تستهدف البشر فقط، ولا تقتصر نتائجها على الدمار المادي أو الخسائر الاقتصادية. ثمّة نوعٌ آخر من الخسائر أقلُ ظهوراً وأكثرُ خطورة؛ خسارة الذاكرة. فكل أزمة طويلة الأمد تنتج تدريجياً شكلاً من أشكالِ المحو. محو الأمكنة، محو التجارب، محو القصص الفردية، وأحياناً محو القدرة نفسها على تذكّر ما حدث.

في السنوات الماضية، اعتادَ اللبنانيون الحديث عن الانهيار المالي، وعن تفكك المؤسسات، وعن الأزمات السياسية المتلاحقة. لكنّ ما يجري اليوم يكشف وجهاً آخر للأزمة. فالمجتمع لا يخسر موارده فقط، بل يخسر أيضاً أرشيفه المعنوي. يخسر الرواية التي تسمح له بفهم نفسه والاستمرار. وهنا تحديداً تبدأ الثقافة بأداء وظيفة مختلفة تماماً عن تلك التي نُسبت إليها طويلاً. لم تعد الثقافة في لبنان مساحة للترفيه أو التجميل أو الاستهلاك النخبوي. لقد تحولت تدريجياً إلى خط دفاع عن الذاكرة الجماعية. وربما لهذا السبب تبدو مفردات مثل “المحو والأثر والنجاة و المنفى” حاضرة بقوة في الإنتاجِ الثقافي اللبناني المعاصر. فالفنان لا يحاول فقط إنتاج عمل فني إنما يحاول الإمساكَ بشيء يخشى الجميع فقدانه. ولعلّ أكثر ما يلفت الانتباه في الأسابيع الأخيرة هو أنّ المعركة الثقافية تبدو وكأنها تدور حول الذاكرة نفسها. معرض “Moments for Lebanon” لم يختر عنوان “مواجهة المحو” من باب المصادفة. فالمحو أصبحَ تجربة لبنانية يومية. أحياء تتبدل، أمكنة تختفي، أزمات تتراكم فوق أزمات، وحروب جديدة تأتي قبل أن يُهضم أثر الحروب السابقة. في مثل هذا الواقع تصبح الذاكرة فعلاً من أفعال المقاومة.

هذا ما يفسر أيضاً الاهتمام المتزايد بالأعمال التي تتناول الجسد والخوف والمنفى. فالجسد في السياق اللبناني ليسَ موضوعاً جمالياً مجرداً. إنهُ المستودع الأخير للذاكرة. يحملُ آثار الحروب والهجرة والانتظار والقلق والخسارة. وعندما يتحول الجسد إلى موضوع فني، فإنّ الفن يتحول بدوره إلى محاولة لإنقاذ التجربة الإنسانية من النسيان. واللافت جداً أنّ هذا الجهد الثقافي يتقاطع اليوم مع قلق دولي متزايد على التراث اللبناني نفسه. ففي الأيام الأخبرة عادَ الحديث عن حماية المواقع التراثية، وعن دعم المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية، وعن خطط طوارئ مرتبطة بالحفاظ على ما تبقى من البنية الثقافية للبلاد. كما شهدت المنطقة مبادرات محلية لإحياء معالم تاريخية، من بينها مشاريع شبابية لإعادة ترميم مواقع تراثية في طرابلس. وهي مبادرات تبدو للوهلة الأولى منفصلة عن المشهد السياسي، لكنها في جوهرها تنتمي إلى المعركة نفسها؛ معركةُ الدفاع عن الذاكرة.

لذا ووفق هذا المعنى، لا تبدو الثقافة اللبنانية اليوم هروباً من الواقع، إنما شكلاً من أشكال الاشتباك معه. فبينما تنشغل السياسة بإدارة الأزمات أو تدويرها، تحاول الثقافة أن تطرح سؤالاً مختلفاً: ماذا سيبقى من لبنان بعد كلّ ما يحدث؟ وهو للحقيقة سؤال ببالغِ الأهمية، لأنّ المجتمعات لا تنهار فقط عندما تخسر اقتصادها أو مؤسساتها. الانهيار الحقيقي يبدأ عندما تفقد قدرتها على رواية قصتها الخاصة. عندما تصبح ذاكرتها مثقوبة، وحكاياتها مشتتة، وصورتها عن نفسها ضبابية. لهذا السبب تبدو المسارح والمعارض والمبادرات الثقافية اليوم أكثر من مجرد نشاطات فنية. إنها محاولات متكررة لترميم سردية وطنية تتعرض للتآكل منذ سنوات. محاولة للحفاظ على خيطٍ رفيع يربطُ اللبنانيين بتاريخهم و أمكنتهم وتجاربهم المشتركة، وسطَ واقع يدفعُ باستمرار نحو النسيان.

ربما لا تستطيع الثقافة أن توقف حرباً أو تمنع انهياراً أو تعالج أزمة سياسية. لكنها تستطيع أن تفعل شيئاً آخر لا يقل أهمية: أن تمنع المحو من أن يصبح قدراً. أن تحفظ أسماء الأمكنة والوجوه والقصص من السقوط في العتمة. وأن تذكّر مجتمعاً بأكمله بأن وجوده لا يقاس فقط بما يملكه، بل بما يتذكره أيضاً. ومن هنا، لا يعود السؤال كيف تستمر الثقافة اللبنانية رغم الأزمات؟ بل لماذا أصبحت الثقافة مضطرة إلى حملِ عبء الدفاع عن الذاكرة، في وقت تبدو فيه مؤسسات كثيرة عاجزة حتّى عن الدفاع عن حاضر البلاد. فبين الحرب على البشر والحرب على الأمكنة، ثمة حرب ثالثة أقلُّ ضجيجاً تدور كل يوم: الحرب على الذاكرة. ولهذا السبب تحديداً، تبدو الثقافة اليوم آخر خطوط الدفاع عنها.

 

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى