
القبض على صبري نخنوخ، “رئيس جمهورية البلطجة” أو “وزير الداخلية البديل” كما يسمى، وتجميد أمواله هو وأقاربه، لا يستوجب الكثير من النبش في ماضي الرجل، وهو القادم من أسفل إلى قمة “فالكون”، أكبر شركة للأمن الخاص في مصر. ما يستحق التمعن هو سوق الأمن بعد الثلاثين من يونيو، وبالأخص تاريخ شركة “فالكون”. بدأ نخنوخ مسارة المهني في مقاولات البلطجة السياسية لصالح الحزب الوطني في عهد مبارك وقيل أنه شارك برجاله في معركة الجمل، ولاحقاً نصب في العهد القصير للإخوان العدو الأول للشعب بروايات أسطورية بشأن تزعمه مافيا عالمية ووقوفه خلف ماكينة انتخابات العهد البائد، وذلك قبل أن يمنحه السيسي عفواً رئاسياً، ليخرج من السجن ويعاد تدويره من بلطجي سابق إلى رجل أعمال في بدلة رسمية ورباطة عنق، يملك شركة تبلغ قيمتها السوقية ما يقرب من المليار جنيه مصري.
الدولة لا تحتكر العنف بالضرورة، بل توزعه وتضبطه، الجهاز الأمني الهائل لم يكن وحده كافياً أبداً لضبط المجتمع. تحت الأرض وفي الهوامش تحتوي السلطة العنف الجانبي وتدجنه، شبكات الفتوات الجدد في الأحياء الشعبية، والجلسات العرفية، والقبائل والعشائر في الأطراف الجغرافية النائية، وشركات الأمن الخاص، وحراس العقارات، بل وحتى جماعات الإسلام الأصولية قبل بضعة عقود. كل هذه مساحات لممارسة صور من العنف والضبط الخارجة في معظمها عن إطار القانون أو موازية له أو تتحرك في المساحات الرمادية التي تسمح للسلطة وممثليها بالتلاعب بالمساحات البينية.
شهد العام 2014، بعد انتخاب السيسي رئيساً للجمهورية، إعادة ترسيم حدود العنف في المجتمع، عبر مركزة مؤسساته. لم يعنِ هذا توحيد هيئات العنف، بل بالأحرى مأسستها. وفي سياق تلك العملية، تم تجميع صور العنف خارج إطار الدولة تحت مظلات مؤسسية، من بينها شركات الأمن الخاص. بحسب منطق السوق، يصبح الأمن سلعة وليس خدمة عامة، ويمكن المضاربة عليها بل وتوريقها، القادرون على كلفتها وحدهم يتمتعون بها حيث أن ما يحكمها منطق الربح والخسارة. في العام نفسه، بثت شركة “فالكون” للأمن الخاص فيلماً تسجيلياً بطول 14 دقيقة عن خدمة جديدة تقدمها تحت اسم “وحدة الدعم والتدخل السريع”. ثمة تشابه مقلق بين اسم الوحدة وبين مليشيات “الدعم السريعة” السودانية.
من الفيلم الدعائي القصير، يتضح أنه بالإضافة إلى الخدمات الأمنية مثل فض الاعتصامات والإضرابات العمالية والتجمعات “ذات المطالب الفئوية”، تقدم الوحدة أيضاً خدمات الدولة الأساسية مثل الإطفاء والإسعافات الأولية. في المجمل تبدو الخدمة وكأنها دولة مصغرة، ومن بين أذرعها قوات أمن مركزي خاصة معدة لفض “شغب” الطبقة العاملة. تتكرر في الفيديو لقطات مسجلة من التظاهرات في ميدان التحرير واعتصامات وإضرابات عمالية. عملاء “فالكون” كما يقدمهم الفيديو هم رجال ببدلات رسمية وبنوك خاصة، وفي أحد المشاهد تقوم الوحدة بعملية تحرير رهائن، حيث يتم إخلاء “شخصية مهمة” محاصرة داخل مكتب أثناء اعتصام عمالي “فئوي”. يخبرنا العمل الدعائي أن ما تقدمة “فالكون” هو الطمائنينة، أما رجالها فإن “أجسادهم دروع تحمي الوطن”.
حينها كانت الشركة تابعة للبنك التجاري الدولي، ويرأسها خالد شريف الوكيل السابق لجهاز المخابرات الحربية، ورئيس قطاع الأمن الأسبق في اتحاد الإذاعة والتلفزيون (وذلك قبل أن تؤول ملكية معظم أسهمها إلى نخنوخ في العام 2023). لم يكن هذا حال “فالكون” وحدها. أقدم شركات الأمن الخاصة، “كير سيرفيس” والتي أنشئت في العام 1979، كان يرأسها عند تأسيسها لواء سابق بالمخابرات العامة. أما شركة”كوين سرفيس” إحدى أكبر شركات الأمن في مصر، فهي تابعة مباشرة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابعة لوزارة الدفاع.
الأمن السوبر أو “الطمأنينة” امتياز طبقي وسلعة في سوق جانبي لمؤسسات الدولة ورجالها المتقاعدين، في تلك البورصة صبري نخنوخ هو مجرد واجهة أو بأفضل الأحوال مورد أنفار أو “أجساد” تحمي الطبقات الموسرة للوطن وطبقة أعماله. أما سقوطه الأخير فلعله مجرد ضحية غير مقصودة في معركة بين أقطاب اقتصاد الطمأنينة الحقيقيين.
المصدر: المدن






