
في تصريحاته الأخيرة، لم يقدّم رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الحربَ على إيران بوصفها مرحلة عابرة أو ردًا ظرفيًا على تهديد محدد، بل كمسار مفتوح ومستمر إلى ما لا نهاية. وإذا ما عطفنا حديثه هذا بعد الضربات الإيرانية الأخيرة على إسرائيل مع خطاباته السابقة حول اسبرطة، والانتقال للقتال من “المحور الشيعي المتهالك إلى المحور السنّي المتشكّل”، يمكن أن نفهم المسار الذي سوف تسير عليه منطقة الشرق الأوسط، في ظل بروز تلك المقاربات الإسرائيلية التي لا تبدو أنها مرتبطة ببنيامين نتنياهو وحده.
إعادة انتاج “العدو” باستمرار
تقليديًا، تقوم الدول بتبرير الحروب التي تخوضها باعتبارها أدوات لحماية الأمن القومي أو استعادته أو الدفاع عن النفس. وتقوم استراتيجيات الحروب واستراتيجيات الأمن القومي بشكل عام، على أساس جوهري هو “تحديد العدو” وتقييم التهديدات والمخاطر والتحديات، كذلك الفرص والبيئة الإقليمية والدولية إلخ.
وفي هذا الإطار، لطالما قدّمت إسرائيل نفسها كدولة تدافع عن نفسها ضد “أعداء يحيطون بها” وأن هدفها تحقيق الأمن عبر الردع والحسم العسكري والتوصل إلى اتفاقيات سلام مع جيرانها. مع العلم ان التجارب تشير أن السعي للسلام كان خطابياً إنشائياً لإرضاء الداعمين الدوليين أكثر مما هو قيمة فعلية تسعى إليها، بدليل أن مبادرة السلام العربية لعام 2002، تم رفضها وتقويضها إسرائيلياً.
وإذا كان الثابت البنيوي الإسرائيلي منذ عام 1948، هو تحقيق الأمن (وليس السلام) وكان هدف الحروب هو تحقيق الأمن والاستقرار، فإن تحليل الخطاب والسلوك الإسرائيلي الراهنين، (وخطابات كل من المعارضة وأعضاء الحكومة) يشير إلى أن الحرب باتت وضعاً دائماً يجب إعادة إنتاجه باستمرار، وليس بالضرورة لتحقيق الأمن. بهذا المعنى، وعبر القيام بعملية إعادة تعريف العدو واستبداله وانتقاله من شكل إلى آخر، تُفهم استمرارية الحروب في الفكر الإسرائيلي كنتيجة منطقية لبنية سياسية تقوم على الحاجة إلى وجود عدو دائم، لتبرير حروب بلا نهاية.
ويتجلى هذا في تعدد الجبهات من دون أفق للحسم النهائي، وغياب أي رؤية أو مشروع لإنهاء الصراع في أي جبهة من الجبهات المفتوحة. كما نراه في الخطابات الإسرائيلية، حيث يتم إعادة تعريف التهديد بصورة مستمرة، وانتقاله من حماس إلى حزب الله إلى إيران، إلى سوريا وتركيا ومصر إلخ.. وهنا يمكن ملاحظة دينامية إسرائيلية واضحة، وهي الانتقال من تهديد إلى آخر، وتوسيع تعريف “العدو” جغرافيًا ووظيفيًا، وإعادة إنتاجه بصيغ مختلفة.
ارتداد التوحش إلى الداخل
والسؤال الذي يطرح نفسه: إذا كان إنتاج العدو يفسّر استمرار الحرب، فماذا تفعل هذه الحروب بالمجتمع نفسه؟
في كتابها “أصول التوتاليتارية (The Origins of Totalitarianism) الصادر عام 1951، حددت حنّة أرندت جذور العنف التوتاليتاري الحديث لا في انفجار مفاجئ للشر، بل في التاريخ الطويل للتوسع الإمبريالي الأوروبي. وجادلت أرندت بأن الممارسات اللاأخلاقية والخارجة عن القانون التي طُوِّرت في المستعمرات “ارتدت” عائدة إلى أوروبا، مما قوَّض الأسس الأخلاقية للدولة القومية ومَهَّد الأرض لنُظم الحكم التوتاليتارية في القرن العشرين، ومنها النازية والفاشية.
ترى أرندت أن المستعمرات كانت بمثابة “مختبر” تعلّمت فيه الدول المستعمرة إدارة التجمعات السكانية عبر وسائل تخرج عن نطاق المجال السياسي التقليدي المقيَّد بالقانون. فلقد حكمت الإمبراطوريات الأوروبية المستعمرات بالحديد والنار، ومن دون منحها حقوقاً وجردتها من إنسانيتها وتعاملت معها كـ”حيوانات بشرية” لتبرير قتلها والتوحش ضدها. لذلك عندما عادت تلك الآليات والذهنيات إلى أوروبا، قوضتها من الداخل ومورست التوتاليتارية داخل الدول المستعمرة نفسها.
وفي هذا الإطار، يمكن أن نقارن السياسات الإسرائيلية في لبنان وغزة، من تدمير منهجي وقتل متعمد بلا محاسبة، وتجريف القرى والقبور واقتلاع كل مظاهر الحياة. وفي الداخل، تقوم السياسات الإسرائيلية على مكافأة التوحش، حيث يتم الاحتفاء بقانون إعدام الأسرى، وتبرير عنف المستوطنين، الذين يقومون بحرق القرى وقتل سكانها، وسرقة المواشي واقتلاع أشجار الزيتون إلخ. وهذه، بحسب أرندت، لا تبقى محصورة في مجالها الخارجي، بل تحمل قابلية للارتداد إلى داخل المجتمع الذي ينتجها. ومع هذا الارتداد، لا يُعاد إنتاج العنف فقط، بل يُعاد تشكيل المجال السياسي الداخلي نفسه على أساس التوحش والنزوع نحو العنف.
وعليه، وبناءً على أنماط العنف والسعي الدائم نحو الحرب، يمكن قراءة مستقبل المنطقة بأنه لا يتجه للسلام، لأن الحرب الدائمة لن تكون مجرد سياسة تعتمدها إسرائيل، بل أفقًا يُعاد ضمنه تعريف “الاستمرارية” بالنسبة للمجتمع، وهكذا يصبح الاستمرار في الصراع جزءًا من شروط الوجود بحد ذاته، لا خيارًا يمكن التراجع عنه بسهولة.
المصدر: المدن






