
لا يمثل مشروع محمد عابد الجابري الفلسفي مجرد سردية تاريخية للفكر العربي، بل هو محاولة “جراحية” جريئة لتفكيك الأنسجة المعرفية التي شكلت وعينا الجمعي. إن دعوة الجابري لإعادة قراءة التراث ليست دعوة للقطيعة، بل هي دعوة “للتحرر من هيمنة النص”، وهي إشكالية تتجاوز الفلسفة لتلامس صلب ممارساتنا اليوم في حقول العلم والعمران.
ثلاثية “العقل العربي”: هيكلٌ يُفسر الواقع
————————————————————-
وضع الجابري يده على “المحركات الثلاثة” التي تُدير التفكير العربي، وهي:
١- النظام البياني: الذي جعل من “النص” المرجعية المطلقة، مما أدى تاريخياً إلى تغليب القياس والاجترار على الإبداع المباشر.
٢- النظام العرفاني: الذي اعتمد على الكشف والحدس، مما دفع العقل نحو الباطنية والهروب من العالم المادي إلى “عالم المثال”.
٣- النظام البرهاني: وهو “الضلع الغائب” أو المُغَيَّب، الذي يمثله المنهج الرشدي القائم على العقل والمنطق والاستقراء، وهو الرافد الذي يراه الجابري أساساً لكل نهضة حقيقية.
هذه الأنظمة ليست مجرد نظريات أكاديمية، بل هي ملامح ملموسة نراها في مدننا. فالعمارة التقليدية، في بعض تجلياتها، كانت أسيرة للنظام العرفاني (الرمزي والميتافيزيقي)، بينما افتقرت في مراحل أخرى إلى “برهانية” التخطيط التي تفصل بين الوظيفي والجمالي وفق قواعد هندسية صلبة.
ابن رشد: رمزية “الاستقلال المعرفي”
————————————————————-
لم يكن استحضار الجابري لابن رشد مجرد إعجاب تاريخي، بل كان “استراتيجية سياسية ومعرفية”. فمن خلال ابن رشد، أراد الجابري إثبات أن التراث العربي يحتوي في جوهره على “عقلانية” موازية للحداثة، وأن إشكالية التخلف ليست في “الدين” كعقيدة، بل في “العقل” كمنهج، أي في توقفنا عن استخدام البرهان لصالح التسليم بالبيان أو الانجراف وراء العرفان.
التحدي المعاصر: من التراث إلى التوثيق الرقمي
————————————————————-
بصفتي باحثاً في التاريخ والعمران، أجد أن مشروع الجابري يقدم اليوم “أدوات عمل” لا غنى عنها. إننا نواجه تحدياً حضارياً يتمثل في “رقمنة التراث”، وهو تحدٍ يحتاج إلى روح رشدية تجمع بين:
* أصالة المادة: فهم العمق التاريخي للحجر والطين والنسيج العمراني.
* حداثة الأداة: توظيف التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي كأدوات “برهانية” لتوثيق وتفكيك هذا التراث.
إن أزمتنا المعاصرة – كما يلمح الجابري – تكمن في “الاستقالة العقلية”، حيث يظل التوثيق غالباً في إطار وصفي (بياني) دون النفاذ إلى العمق التحليلي (البرهاني) الذي يسمح لنا باستشراف مستقبل يزاوج بين الحداثة والهوية.
خاتمة: نحو نهضة عقلانية
————————————————————-
إن الجابري لم يقدم إجابات جاهزة، بل وضع بين أيدينا “المشرط” لنقطع أوهامنا، و”البوصلة” لنهتدي بها في غابة التراث المعقدة. إن أي محاولة جادة لبناء نهضة عربية اليوم لا يمكنها القفز فوق هذا الجسر المعرفي؛ فالطريق إلى المستقبل لا يمر عبر التخلي عن التاريخ، بل عبر “برهنة” هذا التاريخ وتحويله من مادة جامدة إلى بنية فكرية قابلة للتطور.
إنها دعوة مفتوحة للباحثين والممارسين: لنعد قراءة عمراننا وفكرنا بعقلٍ برهاني، يرى في التراث “مادة أولية” للبناء، لا “متحفاً” للفرجة.
________________________________________
محمد عابد الجابري (27 ديسمبر 1935 – 3 مايو 2010)
مفكر وفيلسوف مغربي، يُعدّ من أبرز أعلام الفكر العربي المعاصر. اشتهر بمشروعه النقدي حول بنية الفكر العربي، ولا سيما من خلال سلسلة «نقد العقل العربي»، التي تُرجمت إلى عدد من اللغات الأوروبية والشرقية وأثارت نقاشًا واسعًا في الأوساط الفكرية العربية. انشغل الجابري بقضايا التراث والحداثة، والعقلانية، والتعليم، والديمقراطية، وقدم إسهامات بارزة في إعادة قراءة التراث الفلسفي العربي، مع اهتمام خاص بابن رشد. إلى جانب نشاطه الفكري، مارس الجابري العمل الأكاديمي والصحفي والسياسي، وكان له حضور مؤثر في النقاشات الفكرية والسياسية بالمغرب والعالم العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين. كرّمته اليونسكو لكونه أحد أكبر المتخصصين في ابن رشد، إضافة إلى تميّزه بطريقة خاصة في الحوار.






