من أسقط الأسد حقاً؟

عبد الرحيم خليفة

من أسقط الأسد؟ من خلّص السوريين من نظام الطغيان والفساد؟ من أنهى حقبة تاريخية كاملة شكّلت نموذجاً فريداً لحكم الطائفة والعائلة والفرد؟ هذه أسئلة جادة جداً، وتحتاج الإجابة عنها إلى قدر كبير من المنهجية العلمية والموضوعية، بعيداً عن الصخب الدائر على مواقع التواصل الاجتماعي، ومعظمه غثّ ومريب، وإلى جهود بحثية تتمتع بالجدية والرصانة.

فإضافة إلى كل ما كُتب وقيل، نحتاج إلى “توثيق” و”ذاكرة” يقوم عليها وطنيون، لا هواة ومأجورون يتحدثون اليوم عن كيفية “كتابة التاريخ”، فيما كانوا بالأمس يُسهمون في تزوير تاريخ الثورة لصالح نظام القتل والإجرام. من أسقط الأسد ومنظومته وأركان حكمه الغاشم، بلا شك، هو ثورة الشعب السوري العظيم على مدى أربعة عشر عاماً، وتضحيات ملايين السوريين بأشكال مختلفة، وصولاً إلى عملية “ردع العدوان” التي تُعد نموذجاً بطولياً استثنائياً، وقد تشكل تجربة مهمة سيدرسها الباحثون في الثورات المعاصرة وآليات نجاحها.

ولا شك أن عوامل كثيرة ساهمت في إسقاط الأسد ومنظومته، بعضها يعود إلى تضحيات السوريين قبل اندلاع الثورة في آذار/مارس 2011، بل منذ وصول الأسد الأب إلى الحكم في تشرين الثاني/نوفمبر 1970. فقد خاض السوريون نضالاً مريراً عبر النقابات والأحزاب، وشكّلوا أطراً سياسية وجبهات وتجمعات، في الداخل والخارج، عبّرت عن تنوعهم الفكري والسياسي والثقافي. كما أسسوا منظمات حقوقية رصدت الانتهاكات الجسيمة بحقهم وأوصلت معاناتهم إلى العالم، وأسهمت المنتديات السياسية فيما عُرف بـ “ربيع دمشق” في محاولة لإعادة السياسة إلى المجتمع.

ويُضاف إلى ذلك دور النخبة من الأدباء والفنانين والمثقفين، فضلاً عن تجربة الصراع المسلح في ثمانينيات القرن الماضي وما خلّفته من نتائج مأساوية. كثير مما يُقال عن العوامل التاريخية التي أدت إلى سقوط النظام صحيح إلى حد كبير، وتُضاف إلى ذلك عوامل بنيوية تتعلق بطبيعة النظام نفسه، والموقفين الإقليمي والدولي منه بعد استنفاد محاولات إعادة تأهيله. لكن ينبغي الإقرار بأن تلك الجهود لم تنجح وحدها في إسقاطه.

كما أن مراجعة أمينة تقتضي الاعتراف بأن قوى المعارضة السياسية، التاريخية والحديثة، أخفقت إلى حد كبير في تحقيق هذا الهدف، لأسباب عديدة تتعلق بالقراءة الخاطئة للواقع، وضعف امتلاك عوامل القوة، والانقسامات الداخلية. وبحكم انتمائي التاريخي إلى المعارضة، واطلاعي على كثير مما دار داخل أطرها قبل الثورة وأثناءها، أستطيع القول إن بوصلتها انحرفت في بعض المحطات، وشاب أداءها القصور في الفهم والتحليل، كما عانت من العجز أمام الفظائع التي ارتكبها النظام بحقها، والصراعات البينية التي استنزفتها.

من أسقط الأسد هم “فتية آمنوا بربهم” ووطنهم وحقوقهم المشروعة، وعملوا بصبر ووعي خلال سنوات طويلة بعيداً عن الأضواء، فـ”أعدّوا” ما استطاعوا من أسباب القوة حتى تمكنوا من إزاحة نظام استند إلى القمع والخوف. ولم تُسقط الأسد مساراتُ التفاوض التي قادها المبعوثون الدوليون، ولا القرار 2254 وسلاله الأربع، ولا مسار آستانة، ولا منصات المعارضة المتنازعة، ولا الحصار الاقتصادي والعزلة الإقليمية والدولية. أما بالمعنى الميداني المباشر، فقد كان الدور الحاسم للمقاتلين الذين أمضوا سنوات في الإعداد والتدريب والتخطيط حتى جاءت اللحظة التاريخية الفاصلة.

لقد كان التغيير عملاً تراكمياً تاريخياً بدأ مع أول احتجاج على وصول الأسد الأب إلى السلطة، وانتهى بعملية “ردع العدوان” التي بدأت في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، والتي قوضت البنية الأمنية والعسكرية والسياسية للنظام خلال اثني عشر يوماً ستبقى حاضرة في ذاكرة التاريخ. إن تسخيف عملية “ردع العدوان” والتقليل من شأنها ودورها في إسقاط نظام الأسد ليس إجحافاً بحق من ضحوا واستشهدوا في تلك العملية العظيمة، وليس مصادرة غير أخلاقية لجهود المئات من جنود الظل، بل هو افتئات على الحقيقة، وتعدٍّ سافر على أصحابها ورجالها الأشداء. وأصبح كل ذلك ملكاً للتاريخ والأجيال.

لم يكن ممكناً إسقاط النظام بتجمع ألف شخص، أو عشرة آلاف، في إحدى الساحات العامة وهم يهتفون للحرية، أو يطالبون بإسقاط النظام، أو يصرخون ملء حناجرهم: “الله أكبر”، هذا مع افتراض قدرتهم على التجمع، وما لم يرتكب نظام الأسد بحقهم مجزرة تُضاف إلى سجله الحافل بمختلف أشكال القتل والموت.

سقط نظام الأسد في 08 كانون الأول/ديسمبر 2024، بعد اثني عشر يوماً فقط من القتال والمعارك، لكنها لم تكن سوى تكثيفٍ واختزالٍ لعقود من مقاومة السوريين للاستبداد، ولأربعة عشر عاماً من الثورة والتضحيات والصمود بدأت في أواسط آذار/مارس 2011. أما الأيام الاثنا عشر الأخيرة فكانت الفصل الختامي لقصة طويلة كتبها السوريون بدمائهم وآمالهم وإصرارهم على الحرية.

المصدر: صحيفة الثورة السورية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى