
بعد اندلاع الثورة السورية وارتكاب النظام البائد لمجازر بحق الشعب السوري تحركت الجامعة العربية وعلقت عضوية سورية فيها، وقطعت الدول العربية علاقاتها بالنظام البائد، وشذت عن هذه القاعدة الجزائر حيث أصرت على استمرار علاقاتها مع نظام الأسد، واستمرت سفارتها بالعمل في دمشق، ولم تألُ جهداً في المطالبة بعودة العلاقات العربية مع نظام الأسد، وكانت تطالب بذلك في كل اجتماع عربي.
نحن في المعارضة السورية كنا ننظر الى هذا التصرف الجزائري وكأنه موقف مناصر لنظام الأسد، وموافقة على جرائمه التي يرتكبها بحق الشعب السوري، وكنا نتواصل مع بعض الأصدقاء الجزائريين ونشكو من تصرف حكومتهم، وكانوا يؤكدون لنا أن هذا التصرف الهدف منه عدم إبعاد سورية عن محيطها العربي، ولايعني موافقة الحكومة الجزائرية على ما يرتكبه الأسد من جرائم.
انتصرت الثورة السورية وانتهى عهد الظلم وعاد للشعب السوري دوره في قيادة بلده. وبعد شهرين من انتصار الثورة وتحديداّ في الثامن من شباط 2025، وصل وزير الخارجية الجزائري الى دمشق مبعوثاً من الرئيس الجزائري الى الرئيس السوري احمد الشرع مهنئاً بانتصار الثورة، ومعرباّ عن اعتراف الجزائر بالقيادة السورية الجديدة. زيارة الوزير الجزائري تعطي دليلاّ واضحاّ على صدق ما كنا نسمعه من الأصدقاء الجزائريين حول موقف النظام السياسي الجزائري من سورية، ويبدو أن قيادتنا كانت تدرك حقيقة هذا الأمر.
ولذلك وصل وزير الخارجية اسعد الشيباني قبل أيام الى العاصمة الجزائرية لتأكيد متانة العلاقات السورية الجزائرية. زيارة الوزير الشيباني الى الجزائر تعطي دليلاً على إيمان القيادة الجديدة في سورية بعمق العلاقة بين الشعبين السوري والجزائري، وتحمل أهمية سياسية ودبلوماسية أكبر من كونها زيارة بروتوكولية، لأنها جاءت في مرحلة تسعى بها الدولة السورية الجديدة الى توسيع شبكة علاقاتها العربية والدولية، وتوطيد العلاقات مع دول المغرب العربي.
وهي الزيارة الثانية لمغربنا العربي بعد زيارة قام بها الوزير الشيباني الى المغرب قبل شهر تقريباً، معلناً عودة العلاقات الرسمية بين البلدين وهو ما يساهم بعودة سورية الى مكانتها الدولية والعربية، بعد أن جعل النظام البائد الوطن السوري منعزلاً عن محيطه العربي وعن المجتمع الدولي نتيجة سياسته الداخلية والخارجية.
البيانات الرسمية للزيارة والمباحثات بين الطرفين لم تعلن عن اتفاقيات أو مشاريع محددة بأرقام وتواريخ. ولكن تناولت مجمل القضايا التي تساهم في توثيق العلاقة المشتركة للتعاون والتنسيق المشترك داخل المحافل الدولية والعربية، وتعزيز التنسيق الأمني وتبادل المعلومات بشأن التهديدات المشتركة. إضافة الى جلب الإستثمارات الجزائرية الى سورية، ومساهمتها في اعادة بناء ما دمره النظام البائد، والمساهمة في دعم الاقتصاد السوري وتقديم الخبرة في مجال النفط واعادة هيكلة القطاع النفطي السوري.
زيارة الوفد السوري الى الجزائر تعيد العلاقة الطبيعية بين الشعبين السوري والجزائري، هذه العلاقة التي تعد من أعمق العلاقات العربية، وهي لاتستند فقط الى المصالح السياسية، بل الى إرث تاريخي وثقافي وإنساني مشترك يمتد لأكثر من قرن ونصف. ولعل أبرز رموز هذه العلاقة يبرز اسم عبد القادر الجزائري الذي أختار دمشق للعيش فيها بعد نفيه من قبل قوات الاحتلال الفرنسي في منتصف القرن التاسع عشر، حتى أصبح الكثير من الجزائريين يعتبرون دمشق مدينة للأمير عبد القادر الجزائري وامتداداّ لذاكرتهم الوطنية، يقابل ذلك موقف لاينساه الجزائريون وهو دعم الشعب السوري للثورة الجزائرية التي اندلعت عام 1954 وانتهت بتحرير الجزائر عام 1962.
وما زلنا نتذكر حملات التبرع لدعم ثورة اخوتنا في الجزائر، التي كنا نساهم فيها ونحن صغاراّ بالتبرع بيومياتنا التي لاتتجاوز القروش أنذاك، ومازال شعبنا السوري ينظر الى الجزائر بوصفها بلد المليون شهيد، وكان لسورية دوراً في مساعدة الجزائر على تجاوز الإرث الاستعماري، بإرسال طواقم التعليم للمساعدة في تعزيز الثقافة العربية الذي حاول المستعمر طمسها وتغييبها عن الجزائريين.
زيارة الوفد السوري تعتبر بداية لاستعادة العلاقات الطبيعية بين البلدين، وربما تمهد لزيارات رئاسية تسهم في تعزيز العلاقة الأخوية بين الشعبين، وهو أمر تشكر القيادة السورية عليه لحرصها على إعادة العلاقات الأخوية بين الشعب السوري وأشقاءه العرب في الأقطار العربية.
المصدر: صحيفة الثورة السورية






