جيل التحدّيات السوداني

عمر العمر

                                                               

لا يتّصل سؤال الساعة الوطنية في السودان بتوقيت نهاية الانقلاب الراهن، فمصير الدولة لن يعتمد على البندقية طويلاً، إذ إنّ لكلّ انقلابٍ كتاباً. يرتبط المصير بماهية البديل المُرتقَب ومدى قدرته على إنجاز مهام التحوّل المنشود. أولوية تلك المهام الجسام مسألة إعادة بناء الدولة نفسها، فمقابل عِظَمِ الصعوبات العالقة في الفضاء توجد نُخب سياسية موبوءة بالعجز وأُطرٌ تنطيمية تكابد الصدأ. ذلك واقعٌ يجعل البون شاسعاً بين التحدّيات والقدرة على الإنجاز على نحو يُغلِّب التشاؤم على التفاؤل. تزداد الأزمة استحكاماً مع استعادة مشاهد الإخفاق عند التحوّلات الفائتة. فيما النُّخب كانت أكثر شفافيةً وفي مواعينها شيءٌ من الجاذبية. عند المنحنى الراهن، لن يجدي ذلك التباهي الكذوب بجيل البطولات أو جيل التضحيات. المنحنى الراهن يتطلّب حقّاً جيلَ التحديات. كما يتطلّب نقد الشعب على نحو يُغلِّب القدْح على المدْح، فالسودانيون ليسوا خير أمّة أُخرجت للعرب أو الأفارقة، هم أصلاً ليسوا من أولئك ولا من هؤلاء، على الأقلّ بحسب توصيف وينستون تشرشل.

***

أفضى سوء إدارة المراحل الانتقالية السابقة إلى إخفاق التجارب الديمقراطية المُجهَضة بالانقلابات العسكرية، فبالإضافة إلى انعدام الرؤى الوطنية اتسم الأداء إبّانها بالاستعجال والعشوائية، وبالغطرسة الفردية حيناً والحزبية أحياناً. غالبية المواقف والإجراءات غلب عليها الجهل بالواقع المعيش وبتطلّعات الشعب في كلّ مرحلة. ومن غير الممكن بناء وطن ديمقراطي خارج من تحت وطأة قمع وركام فشل متعدّد الطبقات بواسطة قيادات سياسية تفتقر إلى أبسط أدوات التغيير وأسلحته. أكثر من أي مرحلة سابقة، يقف السودان حالياً عند مفترق طرق تفضي جميعها إلى هاويةٍ بلا قرار. هناك بنى تحتية مُدمَّرة، وعملية اقتصادية منهارة، ومنظومة قيم اجتماعية مشوّهة، ومنظّمات مسلّحة متربّصة بالغد، وقيادة سياسية عاجزة.

***

تتطلب إعادة بناء الدولة مشروعاً سياسياً يحظى بقدر عالٍ من التوافق، إن لم يكن الإجماع. في خطّ موازٍ، لا بدّ من توافر برنامجٍ لإعادة بناء ماكينة الاقتصاد وهيكلتها. ليس أقلّ أهمية توافر خطّة ثقافية متكاملة ترسّخ منهجاً تربوياً حداثياً يأخذ في كُراساته الفصول الاجتماعية والنفسية. تلك المهام لا يمكن إنجازها في غياب مظلّةٍ أمنية تثبّت مداميك الاستقرار. حال السودان لا يستدعي ممارسة القفز فوق المراحل بغية تنظيم انتخابات وتأسيس برلمان، فالبلد يفتقر أكثر من أيّ وقت مضى إلى مواعين اجتماعية سياسية عريضة، لديها الحدّ الأدنى من ثقافة الديمقراطية وآليات إنتاجها. مثل هذه الممارسات كانت هروباً من إنجاز شروط المرحلة الانتقالية تحت ضغوط مكاسب ليست وطنية. لذلك سرعان ما تنهار المحاولة بفعل وسائط عنف متباينة ليست البندقيه آليتها الوحيدة.

مقابل عِظَمِ الصعوبات العالقة في الفضاء توجد نُخب سياسية موبوءة بالعجز وأُطرٌ تنطيمية تكابد الصدأ

***

بفعل عوامل متعدّدة تعاني القوى السياسية السودانية، أكثر من أيّ مرحلة سالفة، تفكّكاً وتصدّعاً على المستوى التنظيمي. كما تعاني قياداتُها ضعفاً في الرؤى، وربّما النضج السياسي. بإلاضافة إلى هذا، تتمكّن الولاءات القبلية والجهوية والدينية والمليشيات المسلّحة من المشهد السياسي على نحو يُضعف الحسّ الوطني والهُويّة القومية. من العسير الحديث حالياً عن قوى سياسية تتسلّح بعتاد الدفاع عن مشروع نظام ديمقراطي في إطار قومي. اللقاءات المتباعدة بين نشطاء سياسيين (لهم الإطراء) في عواصم متعدّدة لن تصنع مستقبلاً، إذ قوامها قناعات أو تطلّعات شخصية عارية من سند جماهيري صُلب، فتبدو أشبه بالعزف المنفرد أكثر منها سيمفونيةً جماعية. ربّما تؤدّي بياناتُها الكورالية إلى توسيع طبقة سياسية، لكنّها لم (ولن) تسهم في توسيع جبهة قوى وطنية. فاللقاءات لوحةٌ فسيفسائية من شتات أفراد وشظايا تنظيمات. شكّل نداء صديق الزيلعي في نيروبي صرخة الوعي باللحظة السودانية، فهو يدعو إلى بناء جبهة عتادها أحزاب وليس تجمّعاً قوامه نشطاء لا قواعد لهم بين الشعب. كلام الانقلابيين في شأن الحوار مثل لغوهم السياسي كلّه، لا أحد يأخذه على محمل الجدّ في الخلاص الوطني.

***

ينبغي ألا ننسى، كذلك، أنّ المال أبلغ تأثيراً دوماً من الوعي السياسي، خاصّةً في اللعبة الديمقراطية. لكنّ له جانباً مظلماً في واقعنا وهو تحويل الحلبة السياسية إلى بورصة سوداء تباع وتشترى فيها المواقف والذمم والأنفس. تتجسّد المصيبة في أنّ أعداء الديمقراطية وسدنة نظام القمع وتجّار التجزئة الوطنية ومشعلي فتن الحروب الجهوية ومفرّخي المليشيات وأرابيب الفسق والفجور… هم أنفسهم الأفضل تنظيماً والأوفر أرصدةً مادّيةً، لذلك هم أقرب من غيرهم إلى تحقيق المكاسب عند ذهاب الشعب إلى مراكز الاقتراع. ربّما أوفر مساهمة في إعاقة تشكيل المشهد السياسي إبّان مرحلة التحوّل المرتقبة. لو نعموا بخيال سياسي خصب والرضاء بما بين أيديهم ممّا انتزعوا واكتسبوا، وبقدر من الصبر الاستراتيجي، لآثروا النأي بأنفسهم عن معارك المرحلة الانتقالية باعتبارهم أقدر من غيرهم على استرداد الثروة عبر السلطة لاحقاً. مع ذلك، ينبغي لهؤلاء الإقصائيين الشرهين ألا يتجاهلوا ردّات فعل الشعب عندما بسطوا مظلّة الفقر والجوع وبؤر الفساد حينما استأثروا بالسلطة، واحتكروا الامتيازات والأسواق عقوداً.

تعاني القوى السياسية السودانية تفكّكاً وتصدّعاً على المستوى التنظيمي

***

لا يمكن القفز من فوق هذا الإشكال بالنسبة إلى القوى الديمقراطية. ولكن ربّما يمكن الالتفاف حوله بالصبر والمثابرة بغية إعادة إحياء دور الطبقة الوسطى. وهذه مهمةٌ تستدعي إعادة بعث الطبقة الوسطى نفسها، إذ أنهكتها، حدّ الموات، ضغوطُ الأنظمة الشمولية الحياتية وممارساتُها القمعية بغية تغييبها عمداً وقسراً. فالطبقة الوسطى تُشكّل، بمجاميع قواها العمرية وبأطيافها السياسية وبانتماءاتها الفئوية، ماكينةَ ضخِّ الوعي ورافعة قيم الحوار والتسامح وسط المجتمع. وهي عُشُّ تفريخ الكوادر الأكثر ديناميكيةً وصدقيةً مع الشعب بين النُّخب السياسية. هي الأكثر صداماً مع أجهزة القمع وبؤر الفساد، ومن ثمّ الأوفر قدرةً على مواجهة التحدّيات، إلى حدّ بذل التضحيات. لذلك، ينبغي ترجيحُ الصبر على إعادة البناء، لا حرق المراحل، وصولاً إلى الانتخابات.

***

نعم هذه مهمّة عسيرةٌ ومكلفة بمعايير الجهد والزمن، لكنّ الواقع يفترض أنّها أوّل التحدّيات حتّى بالنسبة إلى الطبقة الوسطى ذاتها. فالأطر الحزبية العتيقة اهترأت، تراكم فوقها العوز والفشل، حتى صارت رثّةً، لكأنّها استنفدت جدواها. هي اعتمدت أصلاً في اكتساب بريقها على كاريزما قياداتها، فخرجت من التأثير والفعل (ربّما من التاريخ) برحيل تلك الرموز. ممارسة التجريف الممنهج وتآكل الهياكل أسهما في تفتيت ما بقي للأحزاب من أرصدة شعبية. جيل التحدّيات يواجه إعادة بناء أُطر سياسية جديدة تكسر النرجسيةَ الشخصية ولا تجترّ التنازع المقيت القديم على الامتيازات والمناصب، بل تخوض معارك وطنية بعتاد فكري سياسي حداثي يغالب التحدّيات والعقبات العالقة في فضاء الوطن. لئن ظلّت الديمقراطية حلماً وطنياً، فينبغي كذلك التريّث مليّاً في تبنّي النظام الفيدرالي بغية إعادة شدّ عصب الوحدة الوطنية ونسيج القماشة القومية.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى