
بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقفاً للنار بين إسرائيل وحزب الله، أظهرت التصريحات السياسية والمقالات الصحافية الاسرائيلية أن هناك اتجاهاً واسعاً في إسرائيل يرغب باستمرار القتال في لبنان. وكان استطلاع للرأي في شهر أيار/ مايو 2026، يقيمه شهرياً معهد دراسات الأمن القومي، قد أشار الى أن نسبة وازنة من الجمهور تصل الى نسبة 57% تؤيد استمرار القتال ضد حزب الله، بالرغم من أن نسب من يعتقدون أن إسرائيل تنتصر أو ستنتصر متدنية.
هذه المؤشرات والحرب الإسرائيلية في المنطقة المستمرة منذ ما بعد 7 أكتوبر 2023 تؤسس لسؤال عميق: كيف أصبح الجيش والمجتمع الإسرائيلي قادرًا على التكيف مع حرب ممتدة لثلاث سنوات، خلافًا لما قامت عليه عقيدته التاريخية؟
أولاً: التحوّل في العقيدة الأمنية
نشأت العقيدة الأمنية الإسرائيلية على ما عُرف بـِ “ثالوث” بن غوريون أي الردع، والإنذار المبكر، والحسم السريع.
نشأت هذا العقيدة انطلاقاً من وقائع جغرافية وبشرية في حينه. فإسرائيل لا تتمتع بجغرافية واسعة وتفتقر الى العمق الاستراتيجي، كذلك إن نقص الموارد البشرية يجعلها تركّز على النوع لا على الكمّ. وهكذا، كان التركيز دائماً على حرب خاطفة، تقوم على نقل المعركة إلى أرض العدو وإنهاؤها بسرعة.
لكن، ومنذ تأسيس إسرائيل، وخلال الحروب التي خاضتها منذ العام 1948 إلى العام 2006، والحروب التي قامت بها ضد قطاع غزة (2007- 2023)، حصل تآكل بنيوي تدريجي لعقيدة بن غوريون، ظهرت نتيجته في 7 أكتوبر 2023.
خلال هذه الفترة، تغيرت طبيعة التهديدات بسبب التحولات الجيوسياسية في المنطقة، وتغيّرت طبيعة “العدو” وقدراته ونمط قتاله. انتقل العدو (بالنسبة لإسرائيل) من جيوش نظامية تقليدية إلى فاعلين غير دولتيين يمتلكون بنى تنظيمية مرنة، وقدرات صاروخية غير متماثلة، وأساليب قتال تعتمد على الاستنزاف والاندماج في البيئات المدنية.
كذلك، تغيرت البيئة الاقليمية، حيث باتت إسرائيل محاطة بما يمكن تسميته “دوائر النار” سواء في جنوب لبنان، أو في غزة أو في سوريا، التي كانت تعاني من تفكك الدولة وانتشار قوى غير دولتية فيها، خصوصاً مع اقتراب مجموعات من الإسلام السياسي أو الجهادي الى الحدود مع الجولان المحتل.
كل هذه التطورات أدت إلى تقويض الافتراضات التي قامت عليها العقيدة الكلاسيكية. وبلغت أزمة هذه العقيدة ذروتها مع هجوم 7 أكتوبر وما بعده، إذ تبين أن الركائز التي بنيت عليها فشلت. وباتت الوقائع تشير الى “أزمة نموذج كامل”: الردع لم يمنع الهجوم، الإنذار المبكر لم يكتشفه، والحسم السريع لم يتحقق بعد أكثر من سنتين من القتال المتواصل والإبادة التي ارتكبت في القطاع.
انطلاقاً مما سبق، دخلت العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد حرب غزة طورًا مختلفًا نوعيًا. لم تعد العقيدة الحالية تقوم على منطق الحسم والإنهاء السريع للصراع، بل على إدارة صراع مفتوح متعدد المستويات، وبلا أفق زمني واضح. لقد تحوّلت إلى ما يمكن توصيفه بنمط “التشغيل المستمر للقوة”، حيث تُستخدم الأدوات العسكرية بشكل دوري وممتد لاستنزاف العدو بسبب تعذر القدرة على انهائه بشكل كامل.
في الإطار نفسه أيضًا، تغيرت مركزية الجبهة الداخلية في الحروب، فبسبب قدرة العدو على الوصول الى الداخل عبر المسيّرات والصواريخ، لم تعد الجبهة الداخلية عنصرًا يمكن تحييده، بل كفضاء دائم للتعرض والضغط، ينبغي إدارته وتعزيز مناعته.
ثانياً: التحوّل الموازي في المجتمع
تشير الدراسات إلى أن المجتمع الإسرائيلي شهد خلال العقدين الأخيرين ترسخًا واسعًا للتيار اليميني، حيث أصبح يشكل الأغلبية الاجتماعية والسياسية. وقد حصل ذلك بطريقة ممنهجة، نقلت الحيّز الديني إلى المدارس والجيش والإعلام والسياسة.
هذا التحول لم تقتصر نتائجه على العمل السياسي، بل امتد إلى إعادة تعريف الأمن بوصفه قيمة مطلقة، تراجع الاعتبارات القانونية والدولية، وعدم الاكتراث بسقوط الشرعية الدولية والأخلاقية عن إسرائيل، وقبول أوسع باستخدام القوة والعنف المفرط.
أما على صعيد الجيش، فبات تأثير الصهيونية الدينية والحاخامات كبيراً، حيث بات الجندي- المؤمن يقاتل ليس فقط من أجل “دولة” بل من أجل “الله” وتطبيقاً لأوامر إلهية.
وهكذا، أعادت الحرب تعريف التهديد بوصفه تهديداً وجوديًا، وهذا ما أنتج استعدادًا لتحمل كلفة بشرية واقتصادية أعلى، وتراجع الحساسية تجاه طول أمد الحرب، وارتفاع أعداد القتلى من الجنود.
في النتيجة، إن الرغبة الاسرائيلية في استمرار الحرب بعد مرور سنوات يعود إلى عوامل اجتماعية وسياسية وأمنية، تسمح بإبقائها مستمرة بالرغم من كلفتها المتصاعدة. فالمجتمع لا ينتج ضغطًا كافيًا لوقفها، والمؤسسة السياسية تعاني من أزمة شرعية، من دون أن ينعكس ذلك تراجعًا في شرعية استخدام القوة. أما المؤسسة العسكرية، التي تحصل على أعلى درجات الثقة، فتمثل مركز الثقل الذي يعيد إنتاج هذا التوازن ويمنحه قابلية الاستمرار.
المصدر: المدن






