أزمات المعارضات اليسارية وايديولوجياتها: بين حجب الشرعية وموت السياسة

نبيل عبد الفتاح

نشأت الأحزاب اليسارية والماركسية في مصر والمنطقة العربية، في اثناء الاحتلال الاستعماري الأوروبي وذلك في اطار الحركات الوطنية، ومفهوم الأممية، ومن خلال بعض المثقفين المصريين وبعض الأجانب والمتمصرين من الأقليات، وذلك بعد اطلاعهم علي الأفكار الفلسفية الماركسية وخاصة بعد ثورة أكتوبر البلشفية، والاشتراكية الفابية، وأطروحاتها الأيديولوجية، وأفكارها حول ديكتاتورية البروليتاريا، والدور المركزي للحزب الشيوعي، والنظرة النقدية الجذرية لبُني النظام الرأسمالي، ومؤسساته، وحول فلسفة الدولة والسلطة والقانون، والمادية التاريخية، والمادية الجدلية، في المتون المرجعية لماركس وانجلز. وايضًا التجربتين اللينينية، والستالينية وغيرها. نشأت الأحزاب والمنظمات الشيوعية في اطر محدودة العضوية، في ظل تجريم قانون العقوبات لها، ومطاردات الاحتلال البريطاني الغشوم ،والبوليس السياسي لها في مصر، وهي واحدة من التجارب ذات الخبرات التنظيمية الهامة، إلا انها أيضا تعرضت لاختراقات أمنية، ومطاردات من جهاز الدولة الأمني اثناء الاحتلال البريطاني، وأيضا بعد نظام يوليو ١٩٥٢ في مراحله المتعددة، واعتقال كوادر هذه المنظمات وخاصة ١٩٥٩عام، والإفراج عنهم بعد ضغوط القيادة السوفيتية، وأيضا في عهدي السادات ومبارك التسلطيان، وتشكيل بعض إلاحزاب الجديدة، هي تجارب وراءها تراث من الادبيات والتنظيرات الايديولوجية، والسجالات والخصومات بين بعضها بعضا، وبينها وبين نظام رأسمالية الدولة الوطنية، ونظام الانفتاح الاقتصادي، وموت السياسة حتي الرأسمالية النيوليبرالية. تراجع وهج وجاذبية هذه الأحزاب لدي بعض الأجيال الجديدة منذ الألفية الجديدة، وخاصة في نهايات عهد مبارك، والانتفاضة الجماهيرية الكبرى في ٢٥ يناير ٢٠١١ ومابعدها. هذا التراجع يعود لعديد الأسباب البنيوية، وايضًا نهاية الأيديولوجيات الكبرى، وثورة الاستهلاك المكثف، وسنتاول ذلك فيما يلي :

أولًا : الأحزاب اليسارية بين الأزمات البنيوية الداخلية والمجال العام السياسي المغلق.

ثانيًا: ملاحظات حول الفكر السياسي الأيديولوجي شبّه المغلق. وسنركز في هذا المقال علي أولا

ثانيا: الأحزاب اليسارية: بين الأزمات البنيوية الداخلية والمجال العام السياسي المغلق

——————————————————————————————-

  • شكلت الأحزاب اليسارية واحدة من التجارب الحزبية والإيديولوجيا المتميزة مصريا، وعربيا– في العراق وسوريا ولبنان، على صعيد الفكر، والتنظيم، وذلك منذ الاستعارات الإيديولوجية والفلسفية للفكر الماركسي اللينيني والستالينى والماوي والتروتسكي وخاصة في ظل عدم ترجمة كاملة للماركسية ومصادرها في ظل المرحلة شبه الليبرالية، وبعض من مصادر الماركسية الأوروبية وتجاربها العديدة كالحزب الشيوعي الفرنسي والإيطالي -،وخاصة في ظل الحرب الباردة – علي الرغم من ان كوادرالأحزاب كانت من تركيبة نخبوية من اليهود المصريين وبعض الشوام والأجانب والمصريين – الحزب الشيوعي الأول ١٩٢١ مثل أنطون مارون وجوزيف روزنتال وحسن البنا، وهو اسم مختلف عن زعيم ومؤسس جماعة الأخوات المسلمين، والحركة الديموقراطية للتحرر الوطني ” حدتو” بقيادة هنري كورييل ١٩٤٣/ ١٩٤٧ومعه يوسف درويش وأنور عبد الملك بعد ذلك. والحركة المصرية للتحرر الوطني ” حمتو في الأربعينيات ودورها في إضرابات عمال النسيج، ومن ثم لم تكن لديهم قواعد اجتماعية شعبية إلا قليلا، ومن ثم ظل الفكر في حضانات نخبوية، والتركيز علي الصراع الطبقي، والأممية ،؟وانضمام الحزب الشيوعي إلى الكومنترن، وبعض الاهتمام بالتحرر الوطني في ظل تمدد القواعد التنظيمية والداعمة لحزب الوفد قاعديا علي المستوي الشعبي، ومعه جماعة الإخوان المسلمين .
  • قدمت الماركسية الأوروبية ومفكريها وفلاسفتها تطويرات في النظريات الماركسية، وخاصة قبل وبعد الحرب العالمية الثانية مثل مدرسة فرانكفورت ونظريتها النقدية – تيودور أدورنو، وماكس هوركهايمر، وهربرت ماركوز وأثره البارز علي حركات ١٩٦٨، وايضًا معه جي ديبور الفرنسي البارز، وبعد ذلك هابرماس، وتداخل الماركسية مع البنيوية مع لويس التوسير، ونيكوس بولنتزاس، وفي مواجهة الستالينية ارنست بلوم، وهنري لوفيفر، وكارل كوش، والتنظيرات الفرنسية الثقافوية مثل جرامشي، وريموند ويليامز، وإدوارد طومسون، وتيري ايجلتون في النقد الأدبي الماركسي، والمدرسة الإيطالية العمالية “!الأوبراسيمو” مثل ماريو تورنتي، وأنطونيو نغري، ثم الفلاسفة علي تخوم وهوامش الماركسية مثل سارتر وفوكو وبيير بورديو وجورج لوكاتش والتشيكوسلوفاكي كاريل كوسيك ،وآخرين حولهم وبعدهم. هذه التحولات الهامة بعضها وصل بالترجمة والتمثل في لحظات متأخرة بعد حصار وأزمات الأحزاب والفكر الماركسي العربي، والأزمة التاريخية للماركسية في العالم العربي. تمثلت بعض مكونات الأزمة في استصحاب غالب قادتها التاريخيين الماركسية الكلاسيكية اللينينية والستالينية ونظائرها في الإمبراطورية الماركسية، والماوية، وبعضهم التروتسكية في متن تجاربهم في بناء الحزب ونظراتهم للسلطة والطبقات والدولة كجزء من الفكر الماركسي الكلاسيكي، وقلة قليلة انفتحت نسبيا علي تطور الماركسية في متونها وتطبيقاتها النظرية والفلسفية في عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات وما بعد

 من القرن الماضي .

٣- أعطت الفلسفة الماركسية، وبعض الهيجيلية، وتطورات الفكر الماركسي النقدي الأوروبي، بعض الحيوية الإيديولوجية والفكرية، لبعض المنظرين الماركسيين العرب. بعض منزالحيوية الفلسفية النسبية، والتاريخية لدى بعض المثقفين الماركسيين في المشرق العربي، وأدت إلى دراسة التراث الإسلامي، وتجاربه من منظور المادية التاريخية، ومقاربات منهجية مغايرة للسرديات التاريخية السائدة عربيا، وأيضا إعادة قراءة بعض السرديات الدينية، والمذهبية السائدة في الثقافة العربية، ومنهم مهدي عامل، وطيب تزيني ،وصادق جلال العظم، وفي مجال الربطة بين الماركسية والقومية والعروبة ياسين الحافظ، وإلياس مرقص، والسيد يسين، وعبد الإله بلقزيز، وفي مجال الاقتصاد السياسي وتجارب التنمية أنور عبد الملك، وسمير امين، وجورج قرم، وفؤاد مرسي، وإسماعيل صبري عبد الله، وعبد الله العرويودوره بالغ الأهمية مع كتابه الذي صدر بالفرنسية الأيديولوجية العربية المعاصرة، ولم يترجم إلا بعد هزيمة يونيو ١٩٦٧، وأحدث صدمة لدي العقل العربي، وهشام شرابي ،ومحمود امين العالم ،وغالي شكري، وفيصل دراج وآخرين، وذلك علي مختلف مجالات إنتاجهم الفكري، وبقطع النظر عن مدي تأصيل بعض من هذه الاجتهادات الفكرية بالواقع الموضوعي والتاريخي في البلدان العربية، إلا أنها أثرت الثقافة السياسية والاجتماعية في عالمنا العربي، بلا نزاع.

٣-بعض الفكر الماركسي تاريخيا، في برامج الأحزاب الماركسية تشكل في حضانات الدوائر التنظيمية المغلقة والمحاصرة والمطاردة سلطويا أيضا، قبل الاستقلال عن الاستعمار -مصر مثلًا-، لكن في ظل حالة من الانفتاح المدينى الكوزموبولنياني في القاهرة، والإسكندرية..الخ. ومن ثم حفز هذا الانفتاح الثقافي المتعدد، والنظام شبه الليبرالي، على بعض من الحركية الإيديولوجية النسبية والمحدودة لدى بعض الأحزاب السياسية، ومفكريها، وبعض كوادرها القيادية النخبوية.

٤- في أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية، والصراع الإيديولوجي الضاري طيلة الحرب الباردة، كانت الماركسية في حالة صعود أيديولوجي في بعض دول العالم العربي والثالث بعد الاستقلال، لاسيما مع حركات التحرر الوطني، والنظم السياسية السلطوية الشعبوية، على نحو استمدت معه بعض الأفكار الاشتراكية، وحل بعض الأحزاب السياسية الماركسية، وانخراط بعضها -بعد الإفراج عنهم من المعتقلات كما في مصر – في العمل الصحفي، ودعم بعضهم للسياسات الاجتماعية، والتأميمات، والإصلاح الزراعي، والتصنيع في مصر. في تحليلهم لتنظيم الضباط الأحرار “كبورجوازية وطنية”!. لا شك أن هؤلاء ساهموا في الدعم الإيديولوجي للناصرية، ثم خصومتهم الضارية مع السادات وسياساته بعد حرب أكتوبر 1973.

٥- بعض الأحزاب التي تشكلت في هذه المرحلة، كانت قاعدة العضوية محدودة، وكان بعضها يركز على نوعية الكوادر، وتنشئتها ثقافيا وأيديولوجيا في مواجهة الأحزاب الماركسية الأخرى، ومثالها حزب العمال الشيوعي المصري، ومثقفيه، ومنظريه البارزين، و٨ يناير، والاشتراكيين الثوريين، بقطع النظر عن الصراعات والتنافسات بينهم في تمثيل الماركسية من بعض هذه الأحزاب لبعضها بعضًا قبل تكوينها، مثل بقايا حدتو، والراية، وطليعة العمال والحزب الشيوعي المصري، والموحد الموحد وفي عام ١٩٦٥ وبعد تجربة حل الحزب والانضمام للاتحاد الاشتراكي، لاسيما أن هذه الأحزاب كانت تعمل في سرية قبل تجربة الحل ،وبعد تشكيلها السري ،وكانت محجوبة عن الشرعية السياسية والقانونية، ومن ثم غلُب عليها العمل السري، وضرورات الانضباط التنظيمي الصارم.، وذلك علي الرغم من بعض اختراقاتها الأمنية.

٦- بعض الأحزاب الشيوعية المصرية والعربية، وجدت في بيروت مجالًا لنشر بعض كتاباتها تحت أسماء مستعارة كالعمال الشيوعي المصري وغيره، وكذلك بعض الأحزاب العربية الأخرى، كالحزب الشيوعي العراقي، والسوداني بعد محاولة الانقلاب الفاشلة من الرائد هاشم العطا، وداعمه الحزب الشيوعي السوداني 1971، وإسقاط جعفر نميري لحكومة هاشم العطا – بدعم منا السادات – الذي دعمه عبدالخالق محجوب، وجوزيف قرنق، وإعدام عبدالخالق محجوب، وهاشم العطا، ومعاوية عبدالحي، وعبدالمنعم محمد أحمد، وعثمان حاج حسين، واعدم فاروق عثمان حمدالله، والشفيع أحمد الشفيع رئيس اتحاد نقابات جمال السودان، وتراجع نفوذ الحزب ونقابات العمال وخاصة السكك الحديدية .

٧- مع نهاية الحرب الباردة، وانتفاضات الربيع العربي تراجعت كونيا، وفي المنطقة العربية أدوار اليسار عموما، ومعهم الأحزاب العروبية كالبعث في سوريا والعراق، ونشوب الحروب الأهلية في هذين البلدين، والسودان وليبيا، وهيمنت الاتجاهات الإسلامية السياسية، والسلفية على المجتمعات العربية أيديولوجيا في ظل هذه السياقات واستمرارية توظيف الدين في نظم الشرعية السياسية والتعبئة الاجتماعية من السلطات الحاكمة يسرًا وعسرًا، ومن ثم حدث تراجع في تأثير الإيديولوجيات اليسارية وأحزابها في جذب قطاعات من الأجيال الشابة.

ثمة بعض من الكتابات النقدية على محدوديتها تناولت أزمات الأحزاب اليسارية، من داخلها، أو من خارجها، بعضها عن تجارب شخصية، وبعضها الآخر انطباعية، وبعضها اتسم بطابع الملاحظات والطروحات الأيديولوجية.

٨- لاشك أن الفكر الأيديولوجي الماركسي العربي وبعض اجتهاداته، لم تستبطن الواقع الموضوعي، وبعض التحولات في بنيات رأسمالية الانفتاح ثم التحول إلى الخصخصة والرأسمالية النيوليبرالية، والعلاقات بين أجهزة الدولة وسلطاتها، وبين التداخل في المصالح مع طبقة رجال الأعمال، كل سلطة وقادتها وبنياتها ومستوياتها داخل الهيراركية من اجل تحقيق مصالحها أيا كانت عبر تحول كل مستوي سلطوي وبيروقراطي الي سلطة، ومعارضة لهم من أسفل لأعلي وداخل كل مستوي بسبب الفسادات الوظيفية، ومن ثم تزري في الأطر السلطوية ولعب أدوار المعارضة لها أساسا في السلطويات العربية من داخلها ومن خارجها– حتي في دول اليسر النفطي وليس العسر فقط -، ومن ثم كانت معلومات الصفقات والعقود مع المستثمرين الأجانب والعرب ورجال الأعمال تحت سيطرة مستويات بيروقراطية متعددة، ورقابات من أسفل لأعلي، وخوف من المساءلة، أو عدم الحصول علي بعض من الرشاوي، يفتح الباب أمام تسريب المعلومات، والوثائق والقرارات للصحف، وازداد هذا التوجه مع ثورة الحياة الرقمية وسلطة المنصات وبعض المؤثرين الرقميين، وجماعات المعارضة.

٩- ساهمت الثورة الرقمية في شروخ في سلطة أجهزة الدولة كونيا وعربيا، ولم تعد الطبقات وصراعاتها مؤثرة فقط في التحليل الطبقي للسلطة وأجهزة الدولة الأيديولوجية وفهم تحولاتها، في ظل التذري في الروابط الاجتماعية والأسر والقبائل والعشائر بل ونسبيا في داخل الأقليات الدينية والمذهبية والعرقية والمناطقية، والحروب الهوياتية المستعرة الظاهرة بل والمضمرة، وسلطة الخورزميات، والفردانية التي تتطور، وتشكل الفرد، وتفكك الهيراركية الأبوية والذكورية، بما فيها الذكورية السلطوية السياسية والاجتماعية مع الجنوسية وحركاتها، وهو ما ادي في ظل تراجع وتدهور الحراك الاجتماعي من خلال التعليم والثقافة، ونقص الفرص وبطالة المتعلمين إلي تراجع البعد الخاص بالوعي الطبقي وصراعات الطبقات، في ظل ثقافة ثورة الاستهلاك، وتراجع التطور داخل الدول العربية المواكب للثورات الصناعية حتي الرابعة ومشارف الخامسة، ومن ثم إلي التأثير السلبي علي الأحزاب الماركسية، وخطاباتها الدعوية والتبشيرية النقلية، وانحسار تمددها الاجتماعي وضعفها الهيكلي البارز أيديولوجيا وقاعديا وسياسيا واجتماعيا، وعدم استيعاب غالبها للثورة الرقمية، وأيضًا للتحولات الجبلية، وهيمنة الخلاص الفردي في الثورة الإدراكية التواصلية الرقمية، ومن ثم لم تعد سلطة الدولة في التحليل الماركسي مواكبة لهذه التحولات.

المصدر: الأهرام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى