الحلقة 3-7 من الكتاب “مقاربات ورؤى في عرين البوتقة”

الباحث عيسى حداد

موسوعة عمل، بعنوان الفضاء العربي في مسار التشكل

الكتاب الأول: مقاربات ورؤى في عرين البوتقة

تأليف الباحث “عيسى بن ضيف الله حداد”

الحلقة 3-7

في التاريخ كفاعل

أبداً، لم يكن التاريخ ولا الحضارة وتشكّل القوميات والأمم من هبات الله، ولا من صنع رجال أفذاذ، إنما هو وتلك وهي، قد أتت بمجملها بمثابة نتاج تشكّل وفعل سيرورة، تفرزها منظومة عوامل متداخلة، يتفاعل فيها البيئي مع البشري..

ففي هذا الصدد، أي بما يخص مسألة الهوية والقومية كمعطى اجتماعي وتاريخي، لا يمكن أن تكون من نتاج مرحلة بعينها ولا حصيلة زمن أحادي، إنما هي من نتاج أزمنة متعددة، وعوامل نشوء وتكوّن تفاعلت وتداخلت عبر أحقاب الأزمنة، تماماً كحال الجيولوجيا..

وهنا، وقد يتوق لنا الذهاب بعيداً في أقصى الارتقاء في سلم المماثلة مع الجيولوجيا، يعنُّ لنا أن نقول، أن البشر من حيث كونهم أبناء الطبيعة والأرض، قد جاءت كياناتهم، كما لو كانت كاختزال ما لتنوعات البيئة والطبيعة والجغرافية.. ولكأن الجغرافية السكانية هي بمثابة انعكاس بكيفية ما للجغرافية الطبيعية.. على أن هذه التباينات لا تنفي بأي شكل كان وحدة البشر، من حيث كونهم أبناء لهذه الأرض..

والجدير بالبيان، إن شأن الهويات الجمعية لا يمكن اختزاله بالعامل البيئي والجغرافي – على الرغم من أهميته- فشأن هذه المسألة هو أكبر وأعقد من ذلك، فثمة جملة من العوامل والمكونات التي قد أسهم كل منها بدوره، في سيرورة تشكّل هذه الهوية الجمعية العربية.. وفق عملية تراكم وتداخل جدلي فيما بينها بكليتها.. بيد أن هذا التراكم لا يمكن أن ينفي حدوث الطفرة النوعية.. التي من شأنها صهر ما سبق- من فعاليات عوامل ومكونات- في صياغة كليّة أو قرب كليّة لكينونة الهوية الجمعية.. ونرى أن حدثيه الطفرة النوعية تلك، قد أٌنجزت تحديداً بفعل الإسلام- كدور وحضارة..

وبمعنى آخر أكثر جلاءً، نراه واضحاً في ظهور حالة من التواصل الجدلي في سيرورة تشكّل الهوية الجمعية العربية، تتمثل بجدل التفاعل بين حصيلة المسار العائد لعوامل التراكم (ما سبق الإسلام من عوامل ومكونات) وحدثيه الطفرة النوعية (فعل الإسلام)، بحيث لولا ما سبق (من تراكم)، ما كان قد تحقق ما لحق (من طفرة)..  ونرى، أن هذه الحقيقة الجدلية قد أدركتها بكل دهاء القوى المعادية، فعمدت على النبش في الماضي عن عوامل ومكونات ما، وإخراجها من حيزها الخاص بها، وعزلها عما سبقها ولحقها، بهدف توظيفها، عسى تلغي بها، ما تجلّى من منجز في نهاية المطاف..  ونحن إن كنا قد اعتمدنا، مقولة أو مفهوم ” صياغة كليّة أو قرب كليّة “، ذلك لكوننا نرى أن لا شيء نهائي وأزلي في مسيرة التاريخ.

ونحن هنا إزاء موضوعنا، سنحاول الغوص ما أمكن، في طبقات الأزمنة التاريخية بحثاً عن العوامل ومسار التشكّل الذي من شأنه إنجاز تشكّل هذه الهوية المرئية لنا في عصرنا، والتي يمكن تسميتها وتوصيفها بالهوية العربية..

والجدير بالبيان، أن هناك ثمة مساحة شاسعة مجهولة في التاريخ القديم، تمتد على مدى الملايين من السنين، وهي على الرغم من جهلنا لها، كان من شأنها وضع البشر في منطقة الفعل لمصائرهم، أي صنع تاريخهم المعروف وحضارتهم القائمة…

الانتقال

من الكلي إلى الفرعي

بعد هذه الموجزات التمهيدية بصفتها الكلية، نتصدى لبعض المؤشرات التي تسلط الضوء على بعض أشكال المفاصل الأساسية التي قد هيأت المجال للتأسيس العربي قبل الإسلام، محاولين – على الخصوص – رصد الآلية التاريخية التي قد أدت إلى تحقيق المجال التاريخي الحيوي لتكوّن هذه الهوية..

والجدير بالإشارة، أن كنا سنتناول هذه المسألة عبر تنظيمها في أزمنة متعددة إنما نفعل ذلك على سبيل تنظيم البحث، منطلقين في اعتبار هذه الأطوار تمثل فعاليات لعوامل أو لآليات تاريخية لا تسلسل أزمان.. إذ هي بطبيعة الحال، تمثل حالة من التداخل والتكامل والتفاعل الجدلي في محتوى سيرها التاريخي..

الزمن المبهم، يتمثل في الماضي السحيق الذي لم يترك أثراً مكتوباً.

الزمن الأقدم، الأول، زمن التأسيس: أي بناء القواعد الأولى للمحيط الحضاري العربي.

الزمن الأقدم الثاني، زمن الترابط المحكم بين قواعد المحيط الحضاري والتوسع في ساحته.

في الزمن الثالث، زمن الوصل، بروز الطليعة الأولى للعروبة – كتشكّل..

وفي الزمن الرابع، يتجلّى حضور الإسلام ودوره الحاسم في الصياغة النهائية للهوية العربية

ونحن إن كنا سنتناول الأزمنة الثلاثة السابقة لحضور الإسلام، إنما المنطلق من كون تلك الأزمنة يلفها غموض وإبهام كبيرين، في حين أن الزمن الإسلامي، قد اتضحت معالمه ودرس بما فيه الكفاية..

بل ونرى، أن ثمة إجحاف وتجني على تلك الأزمنة السابقة للإسلام، من حيث قد كونت المهاد التاريخي الذي تحرك فيه الإسلام، وأدى فيه رسالته للبشرية جمعاء..

والجدير بالتلويح هنا، أننا في هذا التقسيم، لا ننطلق من وجود سور صيني فاصل بين هذه الأزمنة، بل على العكس ثمة تواصل وتداخل جدلي بينها، وما هذا التقسيم إلا من ضرورات تسهيل التناول..

وفي هذا الصدد، نرى أن الحركة الاستشراقية قد عملت – بمعظمها- على إفهامنا، بأن تاريخنا يبدأ من مكة ومن شعراء الجاهلية، وراحوا يتناولون الأزمنة السابقة وأحداثها وأقوامها، كما لو تم القضاء عليها وإبادتها عن بكرة أبيها من قبل الفتح الإسلامي.. وهم في هذه الرؤى، كما لو أرادوا استكمال مهام سايكس بيكو والأخذ بمنهجه..

والأمر المثير، أنهم في المنطلق لديهم، إنما يديرون ظهورهم لعلم التاريخ الذي طبقوه على بلدانهم، من حيث كونه قد جرى في سير متواصل وعلى مراحل.. وهنا – ربما قد راق للفيف من مؤرخينا مثل هذا المنظور، وأخذوا ببعض من جوانبه، ظناً منهم بأن هذا يمجد الإسلام ويرفع من شأنه.. في حين أن الإسلام ذاته لم يذهب قط هذا المذهب.. !!

إطلالات

نظرة أولية في سيرورة تشكّل الهوية الجمعية

نظرة مكثفة في سيرورة تشكّل الهوية الجمعية     

الجدير بالبيان، إن تصدينا لهذه المسألة، يعتمد على القوانين العامة ذاتها التي تنطبق على سائر المجموعات البشرية، تلك القوانين التي قد تتظاهر أحياناً في خصوصيات، ليست بحد ذاتها أكثر من تطبيقات متفرعة من ذلك العام الشامل في شروط تاريخية اجتماعية محددة.

ووفقاً للمفهوم المتداول، تكون الهوية القومية هي نتاج تاريخي لمسيرة حضارية طويلة متعددة المراحل والأطوار، استطاعت أن تتمتع – عبرها – العديد من الأقوام أو القبائل بسمات ثقافية نفسية مشتركة. وبذا تكون قد عبرت في تشكلّها مراحل عدة، واحتوت في ذاتها على طبقات متراكبة وغاصت في أعماقها شرائح متعددة ومتداخلة.. لتشكّل في نهاية المطاف عجينة معقدة التركيب، تنطوي على خصائص ومكونات، قادرة بدورها لتكوّن مرجعية نفسية وثقافية للمنتمين إليها..

على هامش هذا القانون الأساسي الخاص بالتكوّن القومي، نشير على أن الهوية القومية – كيفما كانت – لا يمكن أن تكون وليدة جنس أو اشتقاق من عرق.

وهي – أي هذه الهوية – ليست خالدة، بل مشروطة بزمان ومكان وقوانين اجتماعية عامة، كما أنها لا يمكن أن تكون قد انبثقت فجأةً، ولا يمكن أن تكون ذات صلة بإرادة لاهوتية مفترضة، إذ أن مفهوم الألوهية بحد ذاته لا بد أن يكون منزهاً عن التدخل المباشر المحابية بشؤون البشر..

والجدير بالنظر، أن هذه القوانين العامة تمارس فعلها على الغالب بدون وعي الناس بها، إذ يتصرفون في ممارساتهم على ضوئها بدون الإحساس الواعي بماهيتها، وبدون إدراك عما يتمخض عنها.

كذلك كان الأمر الذي يخص مسار العملية التاريخية التي قد أدت في المطاف الأخير عن انبثاق تلك السمات المشتركة المحددة للهوية العربية..

والجدير بالاعتبار، أن هذه الهوية الجمعية، لا تنطوي في كيانها على حواجز فاصلة بينها وبين غيرها من أخريات الهويات، فمن المؤكد وجود ما هو مشترك ما بين كيانات البشر.. وما كانت البشرية في كينونتها وحضارتها إلا التجلي الفذ لجدل التنوع والوحدة..

والهوية الجمعية هذه أو تلك، لا يمكن أن تظهر عبر سمة حديدية إسمنتية البنية والمظهر، فهي تنطوي في محتواها على تشكلات أصغر.. وهكذا..

ونحن في تناولنا هذا، سنحاول باقتضاب شديد تقصي بعض المراحل الأساسية ذات الصلة بهذه المسألة والتي قد تضمنت بعض الظاهرات الناتجة عن فعل هذه القوانين العامة التي سنشير إليها في حينها..

من الملاحظ حديثاً، أن ثمة توجه متزايد لدى العديد من الباحثين في التاريخ للعودة في الجذور القديمة للعروبة إلى الأقوام السامية التي قد أشادت الحضارات القديمة، واعتبار العرب هم الورثة للساميين القدامى. ونحن بدورنا نتبنى هذا المنظور، ومساهمتنا هنا تسعى لدعم الرؤية مع محاولة لإلقاء الأضواء على بعض المحطات الخاصة ذات الصلة بتحضير المجال التاريخي لإنجاز انبثاق العروبة، كسمة ثقافية – لغوية محددة للهوية القومية للمجموع السكاني للمنطقة العربية.

أن كنا سنتناول بالتحديد وعلى الخصوص المرحلة السابقة للإسلام، ذلك لكونها هي مجال الأخذ والرد، ذلك الذي قد جعلها متسمة بالغموض، المنطلق بحد ذاته عن موقف متعمد أو من غير قصد، ذاك الذي يعود بمصدره إلى عدم توفر المعرفة الكافية بذلك التاريخ.

بطبيعة الحال لا يفوتنا الإعلان عن كون الموجة العربية الإسلامية بما قد حملته من أبعاد سياسية واجتماعية وثقافية، قد شكّلت الحلقة الأخيرة والحاسمة في مسيرة صياغة الهوية القومية العربية.

كما نشير، في كوننا لن نقدم في هذا المجال على تقديم عرض تاريخي مفصل للنظم والمالك الممثلة للهجرات البشرية القادمة من شبه جزيرة العرب، لكون هذا الأمر قد غدا في متناول الجميع، بيد أننا سنركز تناولنا على محاولة تقصي على ما هو أساسي في عملية الإسهام في مجرى العملية التاريخية التي أدت لمرحلة التأسيس الأول لهوية موحدة تضم عموم المنطقة العربية.

في هذا الآن، أرى من الضرورة بمكان، التصدي لعدد من الموضوعات التي تأتي بمثابة إطلالات أو مقدمات على علاقة في هذه المسألة، من حيث كونها (أي المسألة) على اتصال دائم بما هو قائم بين ظهرانينا في راهننا..

نظرة أولية في الهوية

قرأت في مكان ما قولاً فذاً: الهوية كالحب، بمقدار ما لها وله بعد وحضور جدي على المستوى النظري، فإن الصعوبة تتجلّى في كنهها وكنهه في الجانب العملي..  وهي إن كانت كذلك، فمرد ذلك لكونها ذات محتوى شعوري- وربما لا شعوري، سواء أكان الأمر له بعد جمعي أم فردي.. هكذا هو شأن كل المجردات التي على الرغم من وجودها في حال الإحساس.. هي.. هي في ذاتها عصية على القياس..

الهوية معطى تاريخي واجتماعي: الهوية ليست نبتاً في فراغ، كما أنها ليست معطىً ميتافيزيقاً.. ولا تأتي هكذا كجلمود صخر معد الصنع في نوال المسبق.. إنما هي حصيلة تشكّل تاريخي تتداخل فيه عوامل شتى، تتفاعل فيما بينها على نحو جدلي ومعقد.. وأرى، أنها في مجرى تشكلّها لا تسير في قالب صلد محدد، بل تسلك مسارب شتى لتؤدي إلى كينونتها، كما أتت فيها.. ولا مراء في هذا.. من حيث كل ما هو إنساني واجتماعي، بقدر ما هو متوافق، هو عصي على التطابق.

الجدير بالبيان أن منطلقي في التصدي لهذه المسألة، يعتمد على القوانين العامة ذاتها التي تنطبق على سائر المجموعات البشرية، تلك القوانين التي قد تتظاهر أحياناً في خصوصيات التي ليست بحد ذاتها أكثر من تطبيق فرعي، يأتي كاشتقاق من ذاك الكلي..

ووفقاً للمفهوم المتداول، تكون الهوية القومية هي نتاج تاريخي لمسيرة حضارية طويلة متعددة المراحل والأطوار، استطاعت أن تتمتع- عبرها- العديد من الأقوام أو القبائل، بسمات ثقافية نفسية مشتركة.

وهي ضمن هذا المفهوم، تكون قد عبرت في تشكلّها مراحل عدة، واحتوت في ذاتها على طبقات متراكبة، وغاصت في أعماقها شرائح متعددة ومتداخلة.. لتشكّل في نهاية المطاف عجينة معقدة التركيب، تنطوي على خصائص ومكونات قادرة بدورها لتكوّن مرجعية نفسية وثقافية للمنتمين إليها..

على ضفاف هذا القانون الأساسي الخاص بالتكوّن القومي، نشير على أن الهوية القومية – كيفما كانت – لا يمكن أن تكون وليدة جنس أو اشتقاق من عرق. وهي، أي أن هذه الهوية، ليست خالدة، بل مشروطة بزمان ومكان وقوانين اجتماعية عامة، كما أنها لا يمكن أن تكون قد انبثقت فجأةً، ولا يمكن أن تكون ذات صلة بإرادة لاهوتية مفترضة، الجدير بالبيان، أن هذه الهوية الجمعية لا تنطوي في كيانها على حواجز فاصلة بينها وبين غيرها من أخريات الهويات، فمن المؤكد وجود ما هو مشترك ما بين كيانات البشر.. وما كانت البشرية في كينونتها وحضارتها إلا التجلي الفذ لجدل التنوع والوحدة.

وفي المقابل، إن الهوية الجمعية هذه أو تلك، لا يمكن أن تظهر عبر سمة حديدية. إسمنتية البنية والمظهر، فهي تنطوي في محتواها على تشكلات أصغر، تأتي بمثابة الخاص في ظل العام.. وهكذا..

وقفة أولية لدى مفهوم الأقوام:

نقصد في مفهوم القوم، جماعات قبلية متعددة استطاعت أن توفر لذاتها، في مرحلة ما، كيان اجتماعي عابر، وبهذا تكون مرحلة انتقالية بين القبيلة والأمة.

نجد وجود لمثل هذه الظاهرة في سياق تطور التاريخ الأوربي الذي قد أدى في نهاية المطاف إلى تكون القوميات الأوربية المعاصرة.. تشكلت الأمة الفرنسية مثلاً من أقوام أو مجموعات قبائل الفرانك والغول والنورماند وغيرهم. بهذا يمكن اعتبار الأقوام، بمثابة قبائل متوسعة، أو جمع لعدد من القبائل المترابطة بصلات تربطها. على هذا القياس، جرى مسار العملية التاريخية التي أدت في المطاف الأخير إلى انبثاق تلك السمات المشتركة المحددة للهوية العربية..

في السلالات السامية ؟: لنا أن نشير في البداية، أن علم التاريخ والآثار الذي أقصى جانباً جل ما جاء في التوراة والأسفار من أخبار، ما عكف يستعمل بذات النبرة الحارة، التسمية التوراتية المتمثلة بالسامية والساميين، كما أخذ يحلق في رؤاه عبر سماء هذه التسميات، كما لو كان قد وقع في حبالها..

ليس من المستبعد أن هؤلاء القدماء، المعرفون بالاسم السامي، لم يكونوا على دراية بتلك التسمية، فقد درجوا على حمل أسماء قبائلهم أو محلاتهم (الآشوريون من آشور، والبابليون من حاضرة بابل..

سوف ندع ذلك جانباً، ونحاول ترصد ما تحمل هذه التسميّة من مضمون تاريخي، وهنا نجد لا أحد يماري في كون تلك التسمية قد غطت الأقوام الأساسية التي وجدت في البقاع الممتدة على مدى شبه الجزيرة العربية وامتدادها نحو الشمال لتضم بلاد الشام (بسواحلها) وتنحني إلى الشمال الشرقي لتحتوي بلاد الرافدين.

على تخوم هذه الواقعة التاريخية، كما تجلت لمعتقتيها، راح هؤلاء يتحدثون عن الموجات المهاجرة من الجنوب إلى الشمال- كما لو كان تلك الموجات طارئة على المشهد الذي كان عليه هذا الشمال، من بناءات ديموغرافية وحضارية.. في هذه المسألة تسود بلبلة (وهي في معظمها مفتعلة)، إذ راح بعضهم ليضع موطن الساميين في أرمينيا وكردستان، وذلك على خط التوراة ونوح والطوفان…!

على هذا النسق، افترض الباحث بيتر، بأنها هي المهد، وبنى افتراضه على أساس توراتي، فقد جاء في التوراة (سفر التكوين 8: 4) وليس هذا الرأي أكثر من مستنسخ توراتي، متهافت تاريخياً.. وآخرون اعتبروا موطنهم في أرض بابل، كأرنست رينان وغيره. انطلق هؤلاء من تماثل لغوي في بعض المسميات النباتية والحيوانية الموجودة في اللغات المسمية بالسامية..

في حين قد افترض العالم الإيطالي جويدي ان يكون العراق هو المهد، فقد اهدته دراسته إلى أن تسمية – نهر موجودة في كل اللغات السامية القديمة كالعربية والآرامية والبابلية والأشورية والسريانية، على هذا الأساس استنتج جويدي ان منطقة بابل هي مهد الشعوب العربية المهاجرة،

من وجهة نظري، أن ذلك التماثل لا يؤدي بالضرورة لتحديد الأصول السامية في المنشأ البابلي، لكون التماثل يأتي كنتيجة للتمازج، ولا شك أن هذا التمازج قد تحقق في ساحة أوسع من بابل.. ولعل منطلق رينان يتسق بدأب مع منظوره العنصري وقد سار به بعيداً..

وذهب آخرون ليعثروا على الأرومة السامية في شمال سورية، ومن بينهم المستشرق الأمريكي كلاي، وذلك بالاعتماد على وثائق، تعلن عن كون الأسرة البابلية الأولى من أصول غرب الفرات، وبالتحديد من إقليم آمورو السوري /عمورو/، ويدعم منظوره بوجود تماثل في الأساطير العراقية والفينيقية والآمورية السورية/ العمورية/.

أما نظرية بارتون، المتعلقة بشمال أفريقيا التي تستند على وجود التشابه في الخصائص الجسدية واللغوية بين الأحباش والبربر والعرب، وان القبائل العربية بدأت هجرتها من شمال غرب إفريقيا ومن جبال الأطلس بالذات متجهة نحو الشرق، حتى إذا ما وصلت إلى أقصاه، انشطروا إلى أقسام فقسم منهم دخل مصر والأخر عرج شمالا واستقر في فلسطين وسوريا وغيرهم واصل السير واستقر في العراق القديم.

بينما يعتقد الباحث الأثري جواد علي أن القبائل العربية كانت منتشرة في سواحل إفريقيا الشرقية في العصر الحجري القديم ويحتمل أنها عبرت مضيق باب المندب إلى اليمن ومنها تفرقوا إلى مناطق عدة..

 وراح آخرون لاعتبار الموطن في جزيرة العرب (اليمن خاصة)، ومن بينهم، عدد من المستشرقين مثل إيراهارد شرادر وأيده من بعد فنكلر، وتيله، والأب فنسان، والأثري الفرنسي جاك دي مورجان، والمستشرق الإيطالي كايتاني، سبرنجر، وماير، وفيلبي الذين اعتبروا أن الموطن الأصلي للساميين كان شبه الجزيرة العربية “، وذلك بالاعتماد على قرائن لغوية ومناخية..

وهنا، إن كان بالإمكان ضم نقش سرجون الأكادي (2600 ق م) إلى هذا الرأي، وقد تحدث في نقشه عن أصله وعشيرته، في شرق جزيرة العرب..

حسب المعلومات المتوفرة في هذا الشأن، إن من الواضح أن الهجرات السامية الأولى من جزيرة العرب اتجهت إلى غرب شمال الفرات حيث تأكد حتى الآن أن موقع تل المريبط الواقع غرب الفرات ثمانون كيلو مترا شرقي مدينة حلب السورية هو أقدم موقع أثري أقامه مهاجرون من جزيرة العرب قبل أحد عشر ألف سنة من الآن. ويرجح يرى أغلب العلماء أن نشأة جميع الشعوب السامية، إنما كانت من الجزيرة العربية ثم انتشروا إلى خارجها ووجهة النظر هذه تؤيدها عدة قرائن مادية وتاريخية، ونجد إدراكا للأصل المشترك بين الشعوب السامية عند المؤرخين العرب في العصور الوسطى، ويعتبر العلماء أن اللغة السامية الأم التي تفرعت منها اللغات السامية نشأت في الجزيرة العربية وأن اللغة العربية الحالية هي أكثر اللغات السامية محافظة على أصولها.. ولعل أهم ما يدعم ذلك هو التغيرات المناخية التي اجتاحت الجزيرة العربية، في تلك الأزمنة القديمة.. من حيث كونها تدفع السكان نحو مواقع الماء، عبر ما دعوته بجدل الصحراء والماء.. كما سنرى..

ومن الثبات بمكان، إن انعدام الأسباب للافتراضات الخارجة عن مكان أو معبر الجزيرة العربية، هو ما يفند واقعيتها.. وما كان لغير السبب المناخي ما يدفع لهذا الحراك السكاني الواسع والمتكرر.. وماذا يدفع هؤلاء غير جدل الصحراء وبقاع الماء.. فضلاً عن العامل الجغرافي الثابت للعيان..

مهما يكن من أمر، أرى، أن هذا الإقليم منذ أقاصي الزمان، كان مسرحاً لحراك سكاني انطلق من أفريقيا، بعضهم قد استقر في الإقليم وبعضهم راح شمالاً.. وما الحراك السكاني المتتالي داخل الإقليم إلا من قبيل الحراك في ذات المكان.. والأرض ما زالت غَفَل، لم تسفر عن ملكية أو كيان..

ومع السلالات الآرية: لم تقف المدرسة الرسمية عند هذا الحد، إنما راحت لتروج للآرية، على سبيل المثال لا الحصر، جعلوا للسومرين أرومة آرية، كما لو كانوا بينهم.. وأوحوا لنا بأن هؤلاء، هم سكان الرافدين الأوائل، ونظروا إليهم كبناة للصرح الأول للحضارة البشرية. وراحوا بعيداً في رحلة العزف على هذا الوتر، كلما لاح لهم أثر. ولي القول: لا يا سادة، أصل المسألة وجوهرها يكمن قبل كل شيء في الشروط الواقعية التي من شأنها خلق دوافع لبناء الحضارة، فالناس بطبيعتهم سواء بسواء..

وما كانت البشرية الأولى تنظر بعين الجديّة والحديّة لمقولات السلالات والإثنيات . وما كان هاجس هؤلاء غير مقاومة الطبيعة الجائرة وحل ألغازها.. على أرضية هذه الوقائع وأسسها كانوا يتلاقون ويفترقون يتخاصمون ويتفقون.

من دون الذهاب بعيداً في هذا السجال، أرى الجواب ماثلاً من دون هوادة، لدى (بيير روسي)، حين يقول ” هذه القوميات المسماة خدعة بالساميات والتي هي في الحقيقة عربية.. كيف نظمت سياسياً المنطقة…؟ إننا لكي نتجنب الخطأ التقليدي الذي يحطم مساحتها الجغرافية، ليدرسها دراسة منفصلة بينما هي عناصر جسم واحد، عناصر تحيا حياة واحدة..  كان الأمر استمراً لا انقطاع فيه قد تركز في الشرق، استمراراً للفكر، استمراراً للاقتصاد. والتغيرات التي حملتها العصور كانت طفيفة جداً إلى حد لم تبرز لنا كم كان التاريخ في صبره البطيء متناقضاً مع سرعة الأفراد.. – ” إن الأمر سيكون بسيطاً جداً، فيما لو تكلمنا عن الساميين.. لو تكلمنا عن العرب، ذلكم الشعب الحقيقي والذي يمتلك وجوداً اجتماعياً مستمراً، وجوداً ثقافياً ولغوياً يعطي حياة وتوازناً لهذا البحر المتوسط منذ عدة آلاف من السنوات.. ” – ” إن لغة واحدة مكتوبة ومتخاطب بها قد انتهت إلى فرض نفسها وتغطية هذا المجموع الكبير: إنها اللغة الآرامية.. ثم تطورت الآرامية منذئذ طبيعياً، ودون معارضة، إلى اللغة العربية، التي وجدت نفسها منذ ذلك الحين وارثة الماضي المصري، والكنعاني، والحثي والبابلي ” ويقول: كان زيفاً وضلالاً باسم السامية المزعومة، فصل العرب عن المجموع الثقافي المصري الكنعاني البابلي. ص24/32/ 42/24/32/34

من جانب آخر يظهر مؤرخ كبير غربي يدعى سيبيتينو موسكاتي ليقرر في كتابه الحضارات السامية القديمة، بكون هذه ” ” الشعوب تتشابه في خصائصها تشابهاً ملحوظاً، وهي خصائص لغوية قبل كل شيء، فبين اللغات السامية من التشابه الكبير في الأصوات والصيغ والتراكيب والمفردات ما لا يمكن معه أن تنسب إلى حدوث اقتباسات فيما بينها في العصور التاريخية السحيقة، وإنما لا سبيل إلى تفسير هذا التقارب إلا بافتراض أصل مشترك لها ” (الوفود من الجزيرة العربية/ مثلاً وللتغيرات المناخية دورها الحاسم هنا) – لقد كان ” وحدة حقيقية واشتراك في التقاليد في مجموعة الشعوب السامية، ولهذا ليست دراسة هذه المجموعة جمعاً متعسفاً لعناصر لا ترتبط فيما بينها إلا على نحو عارض، وإنما هي صورة لوحدة عضوية محدودة في نطاق من التاريخ السياسي والحضاري للشرق الأدنى القديم “.. للعرب.. فيا للعجب…!!

مقاربة أولية في الذاكرة الجمعية

لا شك أن الذاكرة الجمعية تشكّل بحد ذاتها مرجعية مركزية للهوية

القومية، وهذه الذاكرة بدورها حصيلة لمسار تاريخي طويل ترك بصماته في نسق تطوري على نحو متراكم ومكتسب في العمق النفسي لجمهور من البشر..

والذاكرة الجمعية كصنوها الهوية، هي إن كانت حالة قائمة في المحسوس، إلا أنها عصية على التعريف، كما لو كان لها والهوية معها مرتسماً نفسياً متشابكاً.. وهنا إن كنا نضع قاعاً نفسياً للذاكرة الجمعية، بالإضافة لما ينم عنها من أحاسيس ومدركات، تفرض ذاتها على حال الوعي، فإنه الضرورة بمكان محاولة التقصي عن كنهها.

وكما يعلن العلم، أن النفس لا يمكن أن تكون معزولة عن الفيزيولوجيا الكليّة للذات البشرية، بل هي ذات صلة جدلية مع هذه الفيزيولوجيا، من حيث كونها تغيب عن المحسوس في غياب هذه الفيزيولوجيا..

والسؤال الأول في هذا الصدد: إن كان للنفس طبقات مغمورة ولا شعورية.. هل للذاكرة الجماعية طبقة مغمورة ولا شعورية، وقد يتاح لها أن تظهر في هجمات عصاب الأزمات..

في المقابل: لما كان الإنسان بحد ذاته مكون من جملة من الصبغيات الخلوية التي تتحكم بقدر ما بتطوره الجسدي والنفسي وفي نسقه الوراثي، فإن سؤالاً يمكن أن يجد طريقه إلى الأذهان: هل من صلة ما ولو خفية، ما بين الذاكرة الجمعية وأي من الجملة الصبغية…؟ قد يكون السؤال غريباً، بل ومتطرفاً في الغرابة، بيد أنني قد تذكرت هذه الإشكالية، في متابعة تلفزيونية عبرت على حين غرة.. ذكر فيها أحد علماء الصبغيات والوراثة: أن الجملة الصبغية للإنسان تتأثر بالبيئة، وعلى وقع هذا التأثر حدث تطور ما في صبغيات الإنسان وفي نظامه الوراثي..

لا أبالغ أن قلت كان يمر في خاطري منذ زمن مثل هذه الافتراض وعلى نسقه افتراضات أخر، ولم يكن بوسعي التفوه بها حينئذ، أمام إرهاب الاعتقادات الراسخة كالصخر..

على نسق ما تفوه به هذا العالم (غاب عني اسمه؟).. إن كانت البيئة الطبيعية تمتلك القدرة على التأثير في الجملة الصبغية وإحداث تحوّل في مادتها..  وبالتوازي: لما كانت البيئة الاجتماعية تمتلك قدرة التأثير في البيئة الطبيعية وتحدث فيها قدر ما من التحوّل.. ألا يمكن والحالة هذه أن يكون لها تأثيراً ما وبكيفية ما في الجملة الصبغية..

وأخيراً وبالتتابع: ألا تجد الذاكرة الجماعية موقعاً لها في العالم النفسي الذي له مكونات ومواضع في خلايا التلافيف الدماغية.. لعل لهذا المبهم في زمن اليوم، أن يعثر على طريقه إلينا في عالم المستقبل؟

والفضاء، لماذا الفضاء؟ ربما يكون هذا العنوان مثار سجال، فيما يعنيه (الفضاء)، إنما يعود منطلقي لتبنيه، لسببين: الأول، يتعلق بمسار تاريخي متعدد المحطات والمراحل، نجم عنه هوية جمعية متمثلة بالهوية العربية، من حيث كون الهويات الجمعيّة أو القوميات أي كانت، تأتي بطبيعتها كنتاج سيرورة تشكّل تاريخي فحسب.. وليست قطعاً، نتاج تشكًل ميتافيزيقي، لاهوتي، على مذهب الصهيونية، أو عرقي، على مذهب النازية.

ولما قد انصب هذا التداول على زمن التشكّل الأول، وبالأحرى راح ليسعى في زمن البدايات، أي في الزمن المبهم الذي لم يكن فيه هوية، بل مجرد مشهد تاريخي ينطوي على عوامل وفعاليات، أدت فيما أدت إليه، إلى زرع مستنبت أولي، أمامه زمن ما كي ينمو ويتطوّر فيه، ليعطي في الآتي هوية جمعية.

بمعنى أننا كنا نتجّول هنا في فضاء سديمي، احتوى جملة عوامل وأسباب وأحداث، كان من شأنها الإسهام، من حيث يُعلم أو لا يُعلم، في وضع أحجار الأساس الذي تواصل على مهاده، مسار التشكّل في مستقبل الأزمنة..

أما السبب الثاني، فله صلة بتجنب السجال العقيم الخاص فيما تعنيه هذه الهوية على صعيد المضمون السياسي: هل هذه الهوية مكافئة لقومية عربية، لم تحقق دولتها بعد.. أم مجرد هوية تجمُعْ لفضاء أشمل على مثال الفضاء الأوربي الذي ينطوي على مقومات تبيح، له أن يحث خطاه نحو الوحدة، على وقع زمن لا

مناص فيه، من تشكّل التجمعات الإقليمية الكبيرة..

وهنا، على الرغم من كوني أرفض تلك المماثلة، بين الهوية العربية القائمة في الملموس الشعوري، والهوية الأوربية البادية كمشروع يطرح ذاته للمستقبل، إلا أنني أسمح لنفسي تجاوزاً، مجانبة هذا الحوار، من حيث كونه لا يحمل في ذاته، أي مردود عملي.. وأكثر من ذلك، أعتقد جازماً، أنه في حال الإقدام لبناء فضاء عربي على النسق الأوربي.. سيجد هذا الفضاء ذاته مندفعاً لمهام بناء دولة لهوية قومية، وفق أي شكل كان.. من حيث كون هذا الفضاء ” العربي” يختزن في ذاته، وإن كان في حالة كمون، كافة المقومات الضرورية لتشكيل دولة الأمة..  وما العوز في المجال العربي، لا يتحدد في وجود المقومات الظاهرة والكامنة فيه، إنما في التفاعل العملياتي، مع وبين هذه المقومات..

الجدير بالبيان، أنه لا يمكن بأي شكل كان، حتى في حال التنصل من واقعة وجود قومي للعرب، الذهاب إلى إنكار وجود فضاء عربي..

ولا يخفى عن البال في هذا المجال، أن تحقيق النظام السياسي الجامع للهوية العربية، ضرورة موضوعية للفرد العربي كي يحقق ذاته في بيئته الطبيعية، ويتخلص من أحاسيس الاستلاب والدونية، ويسهم من حيث النتيجة بفعاليات العطاء الإنساني..

من المؤكد، أن هذا التحقق السياسي سوف يشكل بذات الوقت، إسهاماً حاسماً في تخليص العالم بكليته من مآسي الهيمنة والاستغلال، أي كان.. كما سيعيد العرب إلى ناصية التاريخ والفعل الحضاري..  بعد غياب..

 فضاء وأزمنة

 يلوح لنا ثلاثة أزمنة، أدت فيما أدت إليه، إلى تشكّل هذا الفضاء “العربي”، الذي وجد تكامله في ظل الانطلاقة العربية الإسلامية.. وهي:

الزمن الأول– عبرنا عن هذا الزمن بزمن أول التشكّل، الذي تمثل بتشكّل المراكز وتفاعلها. وكان مؤدى هذا الزمن، ظهور الآرامية كلغة جامعة مهيمنة على المنطقة.

في هذا الزمن، ثمة ثلاثة أقاليم لعبت الدور المركزي في سيرورة أول التشكّل، وهي: جزيرة العرب، وادي النيل، وادي الرافدين.

في واقع الأمر، يشكل هذا الدور أصعب الأدوار طراً، لكونه قد غدا موقع ومثار عمليات ردم وتزييف، كان الهدف منه نسف التواصل ما بين الزمن الأول للتشكّل، والزمن الثاني والثالث للتشكّل.

الزمن الثاني– تميز المشهد التاريخي في هذا الزمن، بخضوع المنطقة للهيمنة الأجنبية، بدءاً من سيطرة فارس إلى الإغريق وروما وسليلتها بيزنطة.. تجلّى المشهد التاريخي لهذا الزمن بظهور اللغة العربية كرديف للغة الآرامية، وعلى تواصل معها.. مما قد شكّل جناحين، وهما: الجناح الديموغرافي المتمثل بالناطقين باللغة الآرامية – وهو الأوسع آنذاك المنطقة، والجناح الديموغرافي الناطق باللغة العربية، وقد مثّل آنئذ بالجناح الديموغرافي الذاهب قدماً في سيرورة التوسع والتشكّل.. تحلّى هذا الزمن بعدد من الظواهر:

الظاهرة الأولى: ظهور بدايات تشكّل اللغة العربية، وفق نموذجين،

بدائي ومتطوّر..

الظاهرة الثانية: علاقة سياسية اجتماعية متنامية وسمات ثقافية مشتركة، بين الجناحين: الآرامي والعربي.

الظاهرة الثالثة: تبني الجناح الديموغرافي العربي للغة الآرامية، وثقافتها.. كما لو كانت هي لغتهم وثقافتهم..

الظاهرة الرابعة: تجلت هذه الظاهرة برفض ثنائي (آرامي وعربي) للهيمنة التسلط الأجنبي، الشأن الذي بدا في حالات عدة، من بينها التمترس بالثقافة، والتحالف، ومحاولات للخروج على الهيمنة المتجلي بقيام الدول المستقلة، على سبيل المثال كيانات اليمن والأنباط والرها وتدمر وأنظمة الحواضر في مكة والمدينة..

تدلنا هذه الظواهر الأربع، على عمق التحولات التي جرت في الزمن الأول، مما جعل الاحتلال الخارجي يعجز عن التأثير في البنية الاجتماعية المتشكلّة عبر الزمن الأول، بل وأن هذه البنية قد واصلت سير تفاعلاتها الداخلية فيما بينها، على النحو الذي ذكرنا..

الزمن الثالث– المتمثل بالزمن العربي الإسلامي، الذي شهد صياغة هذا الفضاء، في كيان موحد، تجلّى بشيوع اللغة العربية وثقافتها على مدى هذا الفضاء..

من اللافت للنظر في ذلك الزمن، أن تلك الظاهرة المتمثلة بنقل عاصمة الدولة من المدينة إلى دمشق.. لعل مثل هذا الانتقال وسرعته، ليشكّل دلالة على كون بلاد الشام غدت لها القابلية لمثل القرار التاريخي للنظام السياسي العربي الأموي، وهذا يحمل بحد ذاته مؤشراً، على عمق التحولات التي جرت عبر الأزمنة السابقة.. من حيث كون العاصمة تفرض ذاتها في عقر ديارها..

بيد أن التقسيم الزمني لا يعني قطعاً وجود فواصل قطعية بين هذه الأزمنة، بل ثمة تداخل وتواصل، وما مرد هذا التقسيم في الزمن إنما يعود لوجود عناصر ذات -حضور أكبر في زمن عن غيره..

الفضاء العربي ومفهوم الأقاليم..

لا يغير من الواقع شيئاً أن يكون للفضاء العربي أقاليمه المتعددة،

 وهي: الإقليم الشامي – حوض الرافدين – إقليم الجزيرة العربية- إقليم وادي النيل – إقليم المغرب الأقصى.. – بيد أن هذه الأقاليم تندمج في ظل خيمة ثقافية مشتركة، متعددة في قوامها وعناصرها..

إن مثل هذه الظاهرة واضحة للعيان في كل الفضاءات الواسعة: كالصين، والهند وروسيا، وأستراليا، والولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، والبرازيل.. وغيرها.. ولعل لعبة الأمم ومن يذهب مذهبها، فيما بيننا – يسعون لجعل هذه الأقاليم في حالة نزاع وخصام دائم تسهيلا للسيطرة عليها.. وهذا ما يظهر بين الفينة والأخرى، عبر أساليب وأدوات متعددة، هذا عدا عن كل أشكال العبث بلحمة الوحدة الوطنية بكل الوسائل الممكنة..

على ضفاف هذه المقاربة، أشير إلى موضوعتين لهما صلة مباشرة أو غير مباشرة بما تقدم آنفاً..

الأولى: التاريخ تواصل لا تفاصل، حلزوني السير، لكنه لا يتنكر لماضيه، كالإنسان في تطوره، وله من أنساله ما يحافظ فيه على مورثاته..

الثانية: حقوق الإنسان وتقدمه، لا تتحقق في فضاء مجتمعي مأزوم، ما بينه وبين مجتمعه صلة جدلية، فاعلة ومنفعلة..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى